نبذة مختصرة عن المسبحة في الديانة الإسلامية والمسيحية

(حيث المسبحة لها علاقة وطيدة بالأعداد) 

تخصصت في صناعتها مصر الفاطمية والصين ومدينة البندقية, أرادت الاصابع ان تلهو فاخترعت المسبحة

جاءت تسمية المسبحة كما يعتقد من فعل التسبيح, ويعني المجيء والذهاب, لان المسبحة لها في اليد ذهاب ومجيء, مأخوذة من قوله تعالى: ان في النهار سبحا طويلا.

وهي ملهاة الاصابع الكسلى التي رامت ان تداعب مادة صلبة, ومتحركة في الوقت نفسه. الاصابع لا يمكن ان تبقى ساكنة. وكانت المسابح من وسائل التبادل التجاري بين الشعوب اشبه بالعملة الصعبة, بمصطلح اليوم. وهناك بلدان تخصصت في صناعتها, فقد عرفت مدينة البندقية بصناعة الزجاج الملون منذ القرون الوسطى, لذلك سميت المسبحة المصنوعة من الزجاج بمسبحة البندقية, كما عرفت الصين بمسابح الكهرمان الاسود, وانتشرت هذه الصناعة في مصر ايام الدولة الفاطمية. وكانت مادة للتجارة بين البلدان, باعتبارها اداة زينة وكنزا يمكن الاحتفاظ به وتوريثه للعائلة, وثمة قرابة بين المسابح وعقود الصدر التي تتزين بها المرأة.

وتضم المسبحة عادة ثلاثا وثلاثين حبة او تسعا وتسعين حبة, يفصل كل ثلث منها فاصل, وفي نهاية المسبحة المئذنة او المشربية او الدلاية, وهي من الفضة او المعدن المغطس بالذهب, وتجمع تلك الحبات خيوط من الالياف او النايلون او خيوط القطن المتينة. ولم تقتصر المسبحة على المسلمين بل عرفها المسيحيون ايضا, وهناك من يقول ان ظهور المسبحة ارتبط بوفاة السيد المسيح وكانت مؤلفة من ثلاث وثلاثين حبة, وهي عدد سنوات التي عاشها السيد المسيح عليه السلام. كانت المسابح في الماضي تصنع من مواد مختلفة مثل القواقع والطين الاحمر والابيض والعاج والبذور والعظام والزجاج والاحجار الكريمة, ومن خرزات العمود الفقري للسمك احيانا. اما الان فهي تصنع من مواد اخرى مثل حجر الكوك وقشرة جوز الهند والخشب المصنوع من شجر الصندل الذي يتميز برائحته الطيبة, ومادة الكهرمان الباعث لرائحة محببة لدى فركه باليدين.

ان من اهم انواع المسابح هي عين النمر والكهرمان وعين الهردوم والعقيق واليسر وحجر الجاد والفيروز وجولدستون والعاجية والبايزهر والياقوت وعجو التمر هندي والابانوس. ومن المسابح الاقل قيمة مسابح البلاستيك وحب القدرة الذي يزرع من قبل الانسان وهناك انواع اخرى كظهر السلحفاة والكريستال المصنوع من الزجاج والمينا والصدف. وظل الناس منذ القدم يستخدمون الاحجار الكريمة في تصنيع المسابح لاعتقادهم بقدرها السحرية على التأثير. فالعقيق لدرء الحسد وجلب الرزق والفيروز لجلب الحظ ولوجع العيون, والياقوت لتقوية الدم وجلب الهيبة والعقيق السليماني لدرء الحسد والعين والدر النجفي للرمد واليماني لوقف النزيف وجلب الرزق, واليسر وعقيق الجزع اليماني ضار للانسان ويستخدم ضد الغيرة. كما تختلف الوان المسابح باختلاف لون الحجر المستخدم فيها, اما بالنسبة للمسابح التي تصنع من الخليط الكيمياوي مع البلاستيك والتراب فان الصانع يضيف اللون الذي يريده الى ذلك الخليط وهو في حالة عجين قبل ان يتعرض للتسخين ويتجمد على شكل حبات.

ومن اشهر المواد التي تصنع منها المسابح الكهرمان, وهو مادة تفرزها اشجار صنوبرية معروفة وتكون على هيئة الصمغ ثم تجف فتصبح صلبة عند تعريضها للشمس. تكون قطع الكهرمان على شكل اقراص غير متناسقة ثم يتم خرطها حسب الطلب. وتتدرج الوان الكهرمان من الابيض والاحمر فالزهري والبني والاخضر والاصفر والازرق وصولا الى الاسود الذي يعتبر من اندرج الانواع واثمنها. ومن الكهرمان تأتي مسبحة الكهربا التي يفوق ثمن الجرام منها ثمن جرامين من الذهب. وهناك مادة اليسر وهو عشب بحري لون شعابه سوداء مؤلفة من طبقات رقيقة متراصة تنبعث منها رائحة السمك عند فركها, ويتم تطعيم هذا النوع من المسابح بالفضة والذهب كي لا يتفكك مع مرور الزمن.

هناك انواع مختلفة من المسابح كل نوع منها بسعر خاص. فمسابح اليسر السوداء او المطعمة بالذهب والفضة يبلغ سعرها ثلاثين دولارا, ويزيد السعر حسب حجم الحبة وقدمها وصانعها. والكهرمان يأتي بعد اليسر شهرة, توجد منه الوان مختلفة يبلغ سعر المسبحة منه ما بين مئتي وثلاثمئة دولار. العاج يأتي بعد الكهرمان واليسر ويبلغ سعر المسبحة ثلاثمئة دولار, ومنها مطعم بالذهب او الفضة او الاثنين معا. والنارجين, وهي كلمة تعني بالالمانية حبة جوز الهند, يبلغ سعر المسبحة من هذا النوع عشرين الى ثلاثين دولارا, ويمكن ان يصل الى اكثر حسب صنعها ولونها.

وهناك الفيروز وهي مسابح شعبية رخيصة. اما مسابح البلاستيك فمنها ما هو قديم يصل سعرها الى خمسة عشر دولارا ومنها الحديثة التي لا يتجاوز سعرها النصف دولار, وتعد مصر اول دولة في العالم انتاجا لهذا النوع بينما تعد السعودية اكبر مستورد للمسابح الخشبية وخاصة من الهند. اذ اصبح تقليدا ان يجلب كل حاج عددا من المسابح لاهدائها الى زواره عند الرجوع الى البلد, وغالبا ما تحمل قدسية خاصة باعتبارها مجلوبة من مكة المكرمة. لهذا كله فان المسابح اصبحت تندرج تحت مفهوم التحف الفنية, خاصة ما هو ثمين منها. وهناك جامعون معروفون للمسابح في كل دول العالم, الشرقية منها على وجه التحديد. اذ ان عادة حمل المسابح تكاد ان تنحصر في الدول الاسلامية او الشرق عموما, اما الشعوب الاوروبية فلم تنتشر بها المسابح بين العامة, وظلت محصورة عند رجال الدين في الاديرة والكنائس. ولمئات السنين ظلت المسابح موضع مفاخرة بين الرجال والنساء, بل ودلت ذات يوم على مظهر الثراء والبذخ, بعد ان خرجت من طبيعة استخدامها الديني كأداة للتسبيح, الى شيء للتسلية والمتعة والتأل. لكن الزمن ليس الى جانب المسابح اليوم, اذ اكتشف الانسان الشرقي ان الاصابع ينبغي عليها ان تستهلك الزمن بشيء ذي فائدة, لقد جاءت اليه تسليات اكثر فائدة ومتعة, كالريموت كونترول, وازرار الكمبيوتر, والجريدة, وهذا ما سيزيح المسابح عن عرشها ليرسلها الى متحف التاريخ كأي عمل فني يستحق الدراسة والبحث.

كتب شاكر الأنباري

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مع تحيات موقع الأرقام