استخدام حجر الكهرب في صناعة المسبحة (Amber)  

       لم يلاق حجر عند تصنيعه كمسبحة هوىْ ورغبة وقبولاً مثل هذا الحجر العضوي . فمسبحة الكهرب الجيدة أمنية الهاوي وكبار الشخصيات والوجهاء ومختلف الأفراد على حد سواء . فهي في اعتقاد طائفة كبيرة من مستخدمي المسبحة "درة المسابح" لما لمزايا هذا التحجر العضوي المناسبة  للصناعة وللاستخدام على الرغم من إرتفاع أسعاره وغلاء ثمنه .

       فبالنسبة إلى لفظته ، فقد سمي (القطرون) أو الكترون باللغة الرومية ( Electron ) لوجود خاصية جذب الأشياءالدقيقة أو شحنة كهربائية إستاتيكية كامنة فيه تظهر إذا ما دلك الحجر باليد أو بالصوف . وفي إيران يسمى ( كوربّا ) لنفس الخاصية السابقة ، ويطلق عليه نفس الاسم في سوريا ولبنان وفلسطين ، وفي العراق وبعض دول الخليج يطلق عليه العامة اسم الكهرب ، وفي مدينة الموصل العراقية من يسميه ( الشيح ) نسبة إلى نبات الشيح الأصفر اللون خطأً . وفي مصر يطلق عليه اسم الكهرمان ، تجاوزاً لنفس الاسم المتعلق ببعض متحجرات الأصماغ الملونة أو المواد المركبة الصنع وقد يختلط الأمر حينئذ على بعض الناس وإن كان هنالك من يميز ذلك بين هذين النوعين بالتأكيد .

       وفي اللغة الإنجليزية يسمى أمبر (Amber) ومن المعتقد أن هذا الاسم اشتق من اللفظة العربية لمادة العنبر ، أثناء حكم العرب لبلاد الأندلس ومنه انتقل إلى إوربا وقد يكون الخلط بين هذين النوعين المختلفين قد شاع بسبب الرائحة الذكية لمادة العنبر والكهرب عند الحرق أو الدلك أو عند الاستخدام العطري . أما في اللغة الألمانية فهو يسمى برنشتاين (Bernstein) وفي لغات أوروبية أخرى يسمى أمبار (Ambar) أو أمبرا (Ambra) علاوة على أسماء أخرى متعددة ، تعني نفس المادة .

       حالياً استخدمت اللفظة الإنكليزية عند التعامل بهذه المادة تجارياً أما باللغة العربية فإننا نفضل كلمة الكهرب لغرض التوحيد والقياس .

       عموماً فقد قيل أن نوع تلك الأشجار الصنوبرية هي أشجار السندوس (SANDARAC TREE) وإن لم تثبت هذه الحقيقة تماماً . ومن بعض ما قيل أن تكون مادة أصماغ الكهرب بدأت في العصر الثلثي وهو العصر الذي تكونت فيه سلاسل الجبال الكبرى كجبال الألب والهيمالايا نتيجة الزلازل والبراكين وتغير طقس الكرة الأرضية (TERTIARY) . ومن هنا فقد يكون هذا التاريخ هو تاريخ انصهار تلك الأصماغ وبدء الإفراز المكثف من أشجارها ومن ثم انطمارها في الجبال أو تحت قيعان البحار .

       كذلك فإن تاريخ نشوء هذه المادة مرتبط أيضاً بتاريخ انصهار مادة الصمغ من هذه الأحجار وتغليفها وضمها لعدد من الكائنات الحيوانية أو النباتية الشائعة  في ذلك الزمن وبذلك فإنه من الممكن تحديد الزمن لنشوء المادة وبشكل علمي أكيد . لقد أوضحت الكتل التي اكتشفت من مادة الكهرب أنها تحوي على حشرات وحيوانات منقرضة مثل بعض أنواع الذباب والبعوض والنمل والزنابير وزير الحصاد والفراشات والعناكب وسلسلة طويلة أخرى من هذه الأصناف . بالإضافة إلى هذه الأصناف فلقد ضمت أحجار الكهرب المكتشفة عدداً كبيراً من المخلفات النباتية التي كانت سائدة آنذاك مثل مقاطع الزهور والحبوب وأوراق الأشجار أو أجزاء من الثمار وشوائب نباتية منقرضة ومتعددة . لذلك أمكن التعرف وبدقة أكبر على عمر أحجار الكهرب عن طريق إجراء التحليل العلمي على الأنواع السائدة من تلك الحيوانات أو النباتات وخصوصاً المنقرضة منها أو المختلفة عن الأنواع السائدة حالياً طالما أن هذه المخلفات المصانة قد حفظت من تغييرات الزمن بدقة بالغة بسبب الإحاطة الكاملة لمادة الكهرب عليها . وبهذا يمكننا القول أيضاً أن تقديرات عمر نشوء الكهرب في كل منطقة يكتشف بها هذا الحجر اعتمدت أيضاً على اختلاف الأماكن الجغرافية لتلك الحيوانات أو النباتات المحفوظة وتغيرها من منطقة لأخرى فضلاً عن استخدام أساليب علمية أخرى على نفس مادة الكهرب كالأشعة لمعرفة العمر الحقيقي لهذا الحجر .

       وبما أن لهذه المادة محبة خاصة لدى المهتمين بالمسبحة وملائمة شديدة لهذه الصناعة فسوف نتطرق بشيء من التفصيل إليها وعن كيفية نشوئها ومواصفاتها الفنية ومناطق استخراجها ودورها في الاستخدام التاريخي للحلي والمجوهرات وألوان مادتها وصناعة المسابح منها ، لا سيما وأن بعض الناس يجهل الكثير عن هذه المادة وكما يلي :

1. نظريات نشوء مادة الكهرب والمواصفات الفنية

       بودنا القول أنه وبغض النظر عما تذكره المصادر عن هذه المادة فبعض المهتمين بهذه المادة وبالتجربة والاطلاع يعلمون عنها الشيء الكثير مما قد لا يدرج أو يفصّل في معظم المصادر المكتوبة ، ويعتبرون في الواقع مصادر متنقلة .

       أن التاريخ الدقيق لبدء تكون مادة مادة الكهرب مختلف عليه وحسب مناطق تكونه ، فبعض الخبراء قدروه بحدود (40) مليون سنة وآخرون بحدود (60) مليون سنة للكهرب المستخلص من شواطىء بحر البلطيق . مؤخراً اكتشف وفي جبال لبنان والأردن كهرب قُدر عمره (136) مليون سنة (وهو ما حللته جامعتي جنوب كاليفورنيا وبيركلي في الولايات المتحدة) وبذلك فهذا أقدم تاريخ لنشوء الكهرب .

       والكهرب متحجر عضوي أصله أصماغ متحجرة لأشجار معينة من الصنوبريات أو الأشجار المزهرة ، مثل الأجث والبلوط وغيرها ثم طمرت تحت التراب أو تحت صخور وقيعان بعض البحار أو الجبال ناهيك عن كيفية احتفاظها ببعض المواصفات العطرية . وإن كان هنالك تفسيراً يتعلق بعملية البلمرة والحركات التكتونية .  -              

ولعل أفضل ما قيل بهذا الصدد ،أن تغيرا طرأ في طقس الجو المحيط بالكرة الأرضية قبل ملايين السنين مما أدى إلى ارتفاع الحرارة وهذا أدى إلى زيادة ترشح وذوبان الأصباغ من تلك الأشجار المذكورة وقد يكون أن رافق ذلك هياج الزلازل والبراكين فطمرت تحت الأرض أو تحت قيعان االبحار , وتحت بحر البلطيق بصورة خاصة .

2- مناطق الاستخراج الجغرافية لمادة الكهرب

       مادة الكهرب مادة في غاية الندرة ,مثلها مثل الأحجار الكريمة النادرة ومناطق انتاجها واستخراجها مقتصرة على بعض المناطق في العالم . ولقد وجدت قطع من هذه المادة طافية على سطح البحر أو تلك التي تقاذفتها الأمواج إلى السواحل ، كما وجد مطموراً في أتربة بعض المناطق الجبلية والكهوف في مناطق أخرى .

       تاريخياً ، عُرفت مادة الكهرب بقدومها من منطقة الساحل الجنوبي لبحر البلطيق ، وخصوصاً من (كوينز بيرك) في ألمانيا . وهو ما عرف سابقا بالكهرب الألماني . واليوم يتواجد الكهرب ويصنع في مناطق مثل المناطق المطلة على بحر البلطيق ، نتيجة للتطورات الأخيرة في تقنية الاستخراج من تحت قيعان البحار . وكميات مادة الكهرب المستخرجة من منطقة بحر البلطيق هي الأكثر والأغلب وبنسبة كبيرة فيما بين إجمالي استخراج هذه المادة النادرة في العالم .

       إن بعض الدول المطلة على سواحل بحر البلطيق الجنوبية ، تمنح رخصاً خاصة للكشف عنه  أو استخراجه وذلك لجهات حكومية أو شبه حكومية حيث كان يعتبر من الثروات القومية ، مثل روسيا وبولندا ، كما أن الدنمارك تمنح رخصاً خاصة للأفراد أو المناطق السياحية على السواحل لغرض جمع أحجار الكهرب تشجيعاً لهم ووضعت بعض اللوحات التحذيرية من إلتقاط حجر الكهرب في بعض السواحل أيضاً .

       ولقد لاحظنا في بولندا على سبيل المثال خلال زيارتنا لها عند مرحلة منتصف الثمانينات ، أن الدولة تحظر على غير جهاتها الرسمية التعامل والاستخراج لمادة الكهرب وتضع القوانين الرادعة لتنفيذ ذلك ، بل وتحظر التجارة الشخصية بهذه المادة أو مصنعاتها ، إلا أن ذلك قد لا يجدي في معظم الأحيان نظراً للمغريات المادية والتجارية لهذه المادة حيث يقوم الأفراد بالتعامل الاستخراجي والبحث عنها وتصنيعها خفية ومن ثم الإتجار بها في السوق السوداء .

      وفي البرازيل والدومنيكان أو غيرها وجدت مادة الكهرب بشكلها المتحجر في الجبال والكهوف القديمة لمنطقة الأنديز ، حيث يستخرج بمعاناة شديدة وحقيقية عن طريق حفر بعض الأنفاق الضيقة أحياناً خلال الكهوف القديمة أو ممراتها ، لذا فكمية المستخرج منها قليلة وضئيلة بسبب كلفة الاستخراج الباهضة وما يلازم ذلك من الخطورة الشخصية ، إذ يجب إلتقاط الأحجار بصورة يدوية من بين ممرات ضيقة للحفاظ على كامل الحجر وعدم تهمشه إذا ما استخدمت التقنيات الأخرى في الاستخراج . لذا فقلة من الناس تقوم بهذا الاستخراج هناك ، على الرغم من جودة هذه الأنواع وقد يطلق عليه وصف (الكهرب الحجري) .           

       ومن المناطق الأخرى التي اكتشف بها هذا الحجر هي بورما ورومانيا وصقلية ، وبعض القطع القليلة في لبنان مؤخراً .

       ومادة الكهرب الطافية أو المكتشفة على سواحل بحر البلطيق وجدت بشكل قطع صغيرة أو شظايا في أغلب الأحوال مع وجود بعض القطع الكبيرة أحياناً ، ولقد شاهدنا في متحف مدينة (جيدا نسك) الواقعة على بحر البلطيق في بولندا قطعة من مادة الكهرب يزيد وزنها عن (10) كيلو غرامات ولها شكل مسطح رائع .

        ومن المتوقع ، مع ارتفاع سعر مادة الكهرب حاليا ، والتزايد المستمر في أسعارها في المستقبل ، أن تقوم بعض الجهات الاستثمارية في البحث عنه واستخراجه من مناطق متعددة إن أمكن ذلك .

3 - أشكال الاستخدام المتنوع لمادة الكهرب في التاريخ

      أخذ القدماء بجمال هذه المادة ومواصفاتها وندرتها وجاذبيتها ومطاوعتها للتصنيع واعتبرت منذ القديم من الكنوز والمجوهرات للملوك ولعلية القوم . وتقدر تواريخ استخدامها المعروفة بآلاف السنين ، حيث ذكر ان القبائل الدنماركية عرفته واستخدمته منذ (15000) عاما حيث نحتته على أشكال متنوعة من العقود والحلي ، ودفن مع موتاهم أيضا لاعتزازهم به من تأثرهم بالأساطير لمنافع هذه المادة . ولو استطلعت محتويات المتاحف في بولندا أو الولايات المتحدة أو روسيا ، لتبين الاستخدام المتنوع لهذه المادة ، عبر تاريخ طويل ، باعتبارها مادة نفيسة ونادرة . ولقد لوحظ أن بعض القطع المنحوتة من هذه المادة صنعت على شكل قطع النقود ، حيث أنها استخدمت كما استخدام النقود اليوم وكاستخدام القطع الذهبية أو الفضية النقدية القديمة كما هو الحال بما هو نفيس ونادر .

       كما صنعت منها الأوسمة والميداليات والنياشين والقلائد والعقود لمختلف أصناف البشر من الرجال سواء الملوك والأمراء والقادة أو رجال الدين والكهنة او القساوسة ، وصنّعت منها أيضا كافة أنواع الحلي للنساء من خواتم وأختام وقلائد عنقية وعقود معصمية ومشابك وأمشاط ، ولم نجد في واقع الأمر شيء من أدوات التزيّن مما ينتج اليوم لاستخدام النساء لم ينتج من مادة الكهرب ومنذ زمن طويل .

       كذلك فقد صنعت من قطعه الجميلة العلب الغالية والنفيسة ومنها علب المجوهرات والعلب المتنوعة الأخرى ، والمكاحل ، ومباسم السكائر ورؤوس العصي والصولجانات ، كما تداخل تصنيع هذه المادة الذهب والفضة والعاج والأبنوس بأشكال وأنواع متعددة ولكل الاستخدامات ، فضلا عن نحت بعض التماثيل الدقيقة منها وأشكال أخرى مختلفة مما لا يتيح لنا المجال في سردها هنا أو وصفها ولو لبعض أنواعها نظرا لكثرة تفاصيلها وكونها تدخل في صناعة أخرى وليس في مجال سردنا الحالي ، إلا ان ما يعنينا دخول هذه السلعة في نطاق التجارة خلال مرحلة العصور القديمة . وقد جاء في كتاب العصور القديمة للدكتور جايمس براستد (ص 19 طبع في المطبعة الأمريكانية - بيروت عام 1936)  أن مواد حجارة العصر الحجري هي مواد الكوربا - الكهرباء (أي حجر الكهرب) وكانوا يجمعونها من سواحل بحر البلطيق .

       واهتم بعض القوم في آسيا ، في التاريخ القديم ، بهذه المادة النفيسة وخصوصا في الهند وأفغانستان وغيرها . كما اهتم العرب أيضا بصناعة هذه المادة ولأغراض شتى ، سواء للمستلزمات الرجالية أو النسائية ، واستخدامها بصورتها المنفردة أو المتلاحمة بالذهب والفضة وخصوصا المعدن الأخير .

      وتولّه بعض سكان الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام ومصر وبقية الشمال الأفريقي ، بهذه المادة ويفضلونها على شكل منحوت المشابه لشكل المكعبات الكبيرة أو على أشكال بيضوية عديدة وبأحجام كبيرة وقد يتم نحتها وصناعتها متحدة في أغلب الأحيان بصنعة صياغة الفضة معها بصفة خاصة وأحيانا ضمن صياغة المصنعات الذهبية .

       كذلك اهتم بعض العرب بصناعة مباسم الأركيلة وبعض غلايين التدخين ، ومقابض الخناجر والسيوف والسكاكين من هذه المادة عبر السنوات الألف الأخيرة .

       وفي اعتقادنا أن أوائل الاستخدام لمادة الكهرب في صناعة المسبحة بدأ في ثلاث مناطق وهي مصر والعراق وتركيا . حيث اكتشفت ومنذ أكثر من ستمائة عام على أكثر تقدير فضائل استخدام هذه المادة في صناعة المسابح بصورة واضحة . وقد جاء بناء هذا التقدير التاريخي استناداً إلى أن المسبحة عرفت قبل ذلك بكثير وأن ما يشابهها من القلائد الدينية قد استخدمت فيها مادة الكهرب ، كما توضحها متاحف الكهرب في بولندا ، إلا أننا ولعدم وجود التوثيق لتاريخ الاستخدام الفعلي لهذه المادة لصناعة المسبحة على وجه الخصوص ليلزمنا على الاعتقاد أن استخدام مادة الكهرب في المسبحة جاء بعد وقت طويل من استخدام المسبحة أو المواد الأولية لاستخدامها مثل الخشب والأحجار والعاج وغيرها حيث يلجأ الناس عادة ، في ذلك الزمن إلى استخدام المواد النادرة . وأغلب الظن أن الصناع في استانبول ومصر والعراق وبعد ازدياد قدوم هذه المادة من ألمانيا وغيرها بتزايد التجارة في سلعة العقود النسائية بدأوا في أول الأمر في تحويلها إلى مسابح وأن بعض الناس من علية القوم طلبوا تصنيعها في ألمانيا أو روسيا أو بولندا مباشرة . ولقد رأينا مسابحاً من الكهرب من اللون البرتقالي الداكن جداً قدرت أعمارها بحدود أربعمائة إلى خمسمائة عام ، مما يعطي صورة أوضح عن تاريخ صناعة المسبحة من مادة الكهرب . ولا ريب إذن أن يكون استخدام الكهرب قد بدأ قبل هذا الوقت وأغلب الظن قبل قرن أو أكثر من الزمان ، أي بحدود ستمائة عام تقريباً .

       عموماً ازداد الإنتاج من مادة الكهرب بعد ذلك ولحد اليوم ، كما ازداد إقبال النساء على اقتناء القلائد والأساور اليدوية ومواد الزينة منها حتى منتصف هذا القرن حيث قلّ بعد ذلك تهافت النساء عليها نظراً لاكتشاف المواد الرخيصة المشابهة لها في الشكل أو المختلفة الألوان والأشكال وغير ذلك بينما ازداد إقبال الرجال في الطلب في صناعة المسبحة من هذه المادة .

       يقبل الرجال حالياً على شراء مسابح الكهرب ، وتقبل النساء إلى حد ما في أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة واستراليا وكندا وغيرها على شراء حلي وعقود مادة الكهرب . وأفضل أسواق بيع مسابح الكهرب تكاد تتركز حالياً في مصر ودول الخليج العربي والعراق وتركيا ولبنان والأردن حيث أن قسماً منها مصنّع محلياً والآخر مصنع في روسيا وبولندا أما الكهرب المصنع في ألمانيا لغرض المسبحة فهو قليل بالمقارنة . . .   

       إن مادة حجر الكهرب ذات ملمس دهني دافئ ، خصوصاً إذا ما صقل جيداً . أما مواصفاته الكيماوية فهي تشير إلى كونه مادة مركبة من الكربون والهيدروجين والأكسجين بذرات متباينة     مع بعض الشوائب والمخلفات الأخرى . ولعل وجود الأكسجين  في مادته يفسر تغيير لون قشرته الخارجية خلال المراحل الزمنية المتعاقبة من خلال تعرضها للهواء و الحرارة .

       بالإضافة إلى ذلك ، فإن مادة الكهرب تنصهر في درجة (287) تقريباً . ويبلغ وزنها النوعي إجمالاً بحدود من (1.05) إلى (1.1) غراماً في السنتيمتر المكعب . كما تبلغ صلادتها أو مقياس صلابتها من (2) إلى (2.5) حسب مقياس موسى المقام على عشر نقاط رقمية لقوة الصلادة . (مصدر رقم 24) .

       لذا فإن مادة الكهرب خفيفة الوزن إلى الحد الذي تطفو في الماء المالح (نفس نسبة ملوحة البحار) . كذلك فقد احتفظت هذه المادة بصفاتها العطرية الرارنتيجية على مدى ملايين السنين ، وهي إذا ما دلكت بالقماش أو اليد أو إذا تعرضت للحرارة ، انبعث منها رائحة زكية نفاذة أشبه ما تكون إلى رائحة العنبر أو البخور القديم ممزوجة مع مسحة من رائحة ثمرة الليمون المعتقة أحياناً .

       وكما أسلفنا فإن لمادة الكهرب خاصية إبراز وانبعاث الشحنة الستاتيكية الكهربائية إذا ما دلكت على القماش أو بالمواد الأخرى والصوفية على وجه الخصوص مما جعل في إمكان هذه المادة التقاط وجذب القطع الصغيرة من القش والخيط والورق وبعض المواد الأخرى . وصفة الكهربائية هذه هي التي أضفت اسم الكهرب عليه عند الشعوب القديمة في منطقة الشرق الأوسط .

       أخيرا فإن مادة الكهرب وبسبب درجة صلابتها ومواصفاتها الأخرى ، طيّعة لدنة سهلة التعامل معها بالنحت والخراطة والتصنيع ولمختلف الأغراض إذا ما روعيت مواصفاتها الفنية عند العمل بها . لذا فإن عملية استخدامها وتصنيعها كمادة في صناعة المسبحة هي عملية سهلة وغير معقدة نسبياً وفي قدرة طائفة كبيرة من الصناع اليوم القيام بها مع مراعاة الشوائب فيها .

4- ألوان وأشكال الكهرب الطبيعي

       تتباين ألوان مادة الكهرب ، وإن كان معظمها ذات ألوان أقرب ما تكون إلى اللون الأصفر . وعادة ما تكون هذه المادة بالنسبة لألوانها وشكلها الطبيعي على ثلاثة أنواع حسب شفافيتها ، فهنالك اللون الشفاف (Transparent) أو نصف الشفاف (تختلف نسبة العتمة فيه) ، والنوع الأخير هو غير الشفاف والمكتسب صفة الكهرب الحجري أحياناً .

       فبالنسبة إلى النوع الأول الشفاف معظمه ما يميل إلى اللون الأصفر الذهبي أو المحمر الداكن ، وبعض أنواعه تقرب في شفافيتها ويقل اللون فيها حتى تكون كالزجاج الذي ليس له لون والبعض من هذا النوع يحوي الشوائب أو الحشرات الكامنة التي يمكن رأيتها ، ولعل أطرف ما قيل لنا (كذلك ذكر ان للملك فاروق مسبحة ذات لون بني متشابك مع ألوان أخرى ولها منارة من الذهب المطعم بالماس . ولقد بيعت هذه في مزادات علنية في أوربا ز من مقالة في مجلة زهرة الخليج ، العدد 717 ، ص. 52   12/2/1994م) هو وجود مسبحة من الكهرب كان يقتنيها الملك السابق فاروق في مصر ، حيث تميزت حباتها الخالصة باللون الشفاف النقي مع احتوائها على شوائب داخلية خضراء من أوراق الشجر الدقيقة .  أما المسابح من مادة الكهرب الشفافة والتي تحوي على الحشرات أو الشوائب المندسّة منذ القدم في صلب حباتها فهي موجودة عند مختلف باعة المسابح اليوم على الرغم من ندرة أعدادها وأهميتها التاريخية لوجود الحشرات فيها ويسميها أهل العراق بمسبحة الحشرات . أما مسابح الكهرب الصافي اللون فتسمى (بالعطش) خصوصاً إذا كان الحجر قد عومل معاملة خاصة ، وذلك لعكسها أشعة الضوء بصورة متقطعة تشبه تذبذب الأشعة الضوئية الناجمة عن اشتعال النار .

       ومسبحة مادة الكهرب الشفاف القديمة ذات اللون الأصفر الذهبي والبرتقالي صنعت يدوياً ، شكل حباتها على الأغلب بيضوياً ، حيث أن قطر الحبة يتراوح ما بين 7 - 10 ملم وطول الحبة (10- 15) ملم ، كما أن بعضها صنع بالشكل المضلع له أسطح ماسية التقطيع سواء الكروية أم البيضوية منها تعكس الأضواء بصورة جميلة ، ويسميها أهل العراق مسبحة كهرب (الطراش) .

       النوع  الثاني من أنواع مادة الكهرب حسب شفافيتها هي نصف الشفافة . وفي هذا النوع تتداخل الشفافية مع نسبة من اللون الأصفر أو البني حيث تكون نسبة من الحجر شفاف والبقية منها معتمة ، وقد يتداخل اللون البني والألوان الأخرى والشوائب الداكنة فيها ، وبسبب هذا التداخل فلقد أطلق عليه أهل العراق (الكهرب البلغمي) أو المسبحة البلغمية .

       النوع الثالث هو مادة الكهرب غير الشفافة أو (المعتمة) وأغلب ألوان هذا النوع هو الأصفر وتدرجاته ، من الغامق إلى الفاتح مع توشحات ذهبية أو بنية أو غيرها كما يوجد من الألوان الأحمر الداكن حيث يقرب أحياناً من لون القهوة بتأثير التقادم الزمني . كذلك قد يكون لون هذا النوع اللون الحليبي في بعض أنواع مادة الكهرب وخصوصاً ذلك المصنّع حديثاً. ومن أندر أنواع الكهرب حسب لونه هو الضارب إلى الأزرق المشوب بحمرة ، أو الأسود ، وحيث تعتبر المنتجة منها من أندر أنواع المسابح في العالم ولا يمكن تحديد أسعارها بشكل دقيق إذ يخضع ذلك للتعامل الشخصي ، وتوجد منها نماذج لدى بعض الناس .

       ومن المعلوم أن ألوان مادة الكهرب من هذا النوع بصفة خاصة تتغير عبر الزمن ، فلو افترضنا أن مسبحة أنتجت منها وكان لون حباتها يميل إلى اللون الأبيض أو الأصفر الفاتح . فإنه يتحول إلى اللون الأصفر الداكن بعد عشرين أو ثلاثين سنة ثم يتحول في معظم الأحيان إلى اللون البني بعد مرور فترة تقارب نفس الفترة أعلاه ، أما تحوله إلى اللون الأحمر الداكن والشبيه بلون ثمار البلح الناضجة فلا يحصل إلا بعد مرور أكثر من مائة عام على الأقل . وقد تستخدم هذه الطريقة في المعرفة لتقدير عمر المسبحة وتاريخ صنعها التقريبي ، وقد يكون بأكثر من ذلك إذا عرف اللون الأساسي الأول . إن هذه التغيرات اللونية لا تحصل إلا في قشرة مادة الكهرب فقط ، حيث أن اللون الأبيض والأصفر هو الغالب في لبّها ويمكن ملاحظة ذلك بطبيعة الحال عند تكسر الحبيبات ، أو عند إعادة تصنيع الكهرب القديم . وهذه قد يتجاوز عمرها الافتراضي المائتي سنة . 

5. طرق صناعة الكهرب الطبيعي والمصنّع والمضغوط

       تقوم صناعة الكهرب ، أي نحته وخراطته ونقشه ، ومنها صناعة المسبحة في أغلب الأحوال ، وفي الدول المنتجة لهذه المادة مثل روسيا وبولندا وألمانيا أو غيرها . مع تصنيع محدود في بعض الأقطار الأخرى المختصة بصناعة المسبحة مثل مصر والعراق وتايوان وفي تركيا مرحلة سابقة حيث تصنع مادة الكهرب الخام إلى حبيبات أو أشكال أخرى كمباسم الأركيلة بحرفية جميلة .

       لقد تطرقنا إلى كيفية صناعة حبيبات المسابح بصفة عامة والكهرب بصفة خاصة ، سواء بالمخرطة (البدائية) أو نصف الآلية أو تصنيعها آليا بالكامل . وتصنيع الكهرب إلى حبيبات وملحقات السبحة الأخرى يعتمد على المصادر الجديدة للحجر الخام المستخرج أو المجمع أو تحويل الأحجار والأشكال القديمة إلى حبيبات . فبالنسبة إلى المصادر الجديدة ، وبعد معرفة تفاصيل الطلب وقياساته يتم شراء وتجميع الأحجار حسب الأحجام المناسبة واختيار الألوان المتناسقة وفي العادة تباع مادة الكهرب في أكياس يصل وزنها إلى الكيلو الواحد ، وبعد تقسيم نوعيات الأحجار المشتراة ، تزال الشوائب وتُقطع حسب الأحجام المطلوبة ، ويراعى في التقطيع دراسة مثالية للحجوم حتى لا تتعرض قطع مادة الكهرب إلى وجود أشكال وألوان فائضة لأجزاء غير مطلوبة ، وفي معظم الأحيان تقطع الأحجار بأشكال متساوية أو على شكل اسطوانات أو أشكال أخرى حسب نوعية الطلب . وبعد ذلك تبدأ خراطة مادة الكهرب بعد تثقيبها للحصول على حبيبات كروية أو بيضوية أو صنوبرية أو غيرها مع تخصيص أجزاء من الأحجار إلى المنارة والفواصل ، وتستخدم في الخراطة أزاميل خاصة لغرض إجراء التشكيل المطلوب عند خراطة المادة مع ملاحظة درجة حرارة القطعة من مادة الكهرب عند عملية الخراطة أو عند إجراء التثقيب المتوازن وإنجاز العمل وصب أو تنقيط الماء عليها أو وضع بعض الزيوت لغرض تلافي تكسر الحبات المخروطة جراء الحرارة الناجمة عن هذا العمل . وبعد ذلك تأخذ الحبات شكلها النهائي ومن ثم تبدأ عملية التنعيم والصقل ، وتمر مادة الكهرب وحبيبات المسبحة عادة بثلاث مراحل من الصقل ، الأولى تنعيم سطح الحبة الخشن بواسطة أزاميل مبردية ناعمة السطح (بالنسبة للطريقة الآلية الحديثة توضع حبات المسبحة حسب الأشكال المصنعة في كرة مجوفة يوجد بها مواد كيماوية معينة حيث يتحدد داخل الكرة درجة حرارة معينة وتقوم الكرة المجوفة بالدوران آلياً حتى تتنعم وتصقل أسطح حبات مادة الكهرب) .

       المرحلة الثانية (اليدوية) وهي تتم على نفس المخرطة وأحياناً باليد ، حيث تستخدم مواد ناعمة بلاستيكية ذات مرونة متوسطة وبعد دعكها للحبات يظهر سطحها بالشكل الصقيل والناعم الملمس .

       المرحلة الثالثة ، وهي مرحلة إبراز بريق ولمعان سطح مادة الكهرب وهي تقام على المخرطة أيضا أو على الآلات الحديثة الأخرى ، وتستخدم شحوم دهنية خاصة وأقمشة ناعمة ، حيث أن دعك هذه المواد المحوري لحبيبات المسبحة بصورة مستمرة يظهر البريق المطلوب والنعومة الكاملة والملمس الدهني وتفاصيل ألوان مادة الكهرب وتقاطيعها بصورة جميلة ومشرقة . وبعد تنظيف حبات الكهرب والمنارة والفواصل بواسطة منظفات مختلفة أو الصابون غير الكيماوي والماء تنشّف وتمسّح وتنظّم في الخيوط حيث تصبح صالحة للاستعمال .

       أما المسابح من مادة الكهرب والتي تكون حبيباتها على شكل الحبيبات المضلعة (ذات الشكل الماسي) فإن طريقة صنعها مضنية وصعبة حيث تنحت وتستخرج الأسطح للحبة بنفس طريقة استخراج الأسطح المضلعة للأحجار الأخرى (وخصوصا الماس) أي حك الحبات بواسطة اسطوانة خشنة لاستخراج أسطح الحبات المضلعة ثم تنعيمها وصقل الأوجه المسطحة وتثقيبها ولقد شاهدنا قطعاً من هذا النوع أنتج في روسيا وألمانيا ومصر وتركيا وفي العراق .

       وينتج من صناعة حبيبات المسبحة من مادة الكهرب عادة مخلفات عرضية من هذه المادة وبما يزيد أحياناً عن نصف الكمّية التي خصصت للإنتاج إذا لم تدرس القطع المعدة للإنتاج بصورة دقيقة قبل تصنيعها ، وذلك يفسر أحيانا الارتفاع النسبي لأسعار المسبحة من هذه المادة ، ولجوء صانع المسابح إلى جعل الحبات متدرجة أحياناً في المسبحة الواحدة . كما أن ذلك يستدعي إلى استغلال مخلفات التصنيع في صناعات تحويلية متعددة أخرى .

       فقسم من المخلفات وهي الشذرات والقطع الصغيرة والناعمة تدمج مع سائل بلاستيكي أو كيماوي وتصب في قوالب صغيرة وتكبس ، أو تصب في أعمدة ، ومنها تخرط حبيبات المسبحة وأجزائها الأخرى وحسب الطلب ، وأحيانا تصنع بعض العقود والقلائد النسائية بهذه الطريقة . وحيث يلاحظ وجود قطع مادة الكهرب الأصلية في جوفها وقد تشكل ما مقداره (50%) خمسون في المئة من حجم الحبيبات الإجمالي ، وهذا النوع من مسابح الكهرب المكبوس يفقد فيها الكهرب مواصفاته الأصلية بسبب المحتويات الأخرى في الحبات وعملية التصنيع .

       وهناك نوع آخر من التصنيع المرتبط بمادة الكهرب وتسمى (بمسابح الكهرب المضغوط) (Pressed Amber) يقوم على أساس الصهر الحراري العالي لمخلفات مادة الكهرب أو ترابها وشذراتها تحت ضغط جوي معين ومن ثم تصب بالضغط في قوالب خاصة ثم يتمم صقلها وإعدادها للمسابح أو العقود والأدوات النسائية . وفي ذلك النوع من التصنيع تفقد مادة الكهرب كافة خواصها الأصلية أيضاً . عموما فالمسابح ذات الحبات التي تصنع بطريقة الكبس أو بطريقة الضغط تتميز بكونها أكثر صلادة من الكهرب الأصيل ، كما أن أسعارها تقل عادة عن نصف سعر مادة الكهرب الطبيعي . أما ألوان مسابح مادة الكهرب المضغوط عادة تميل إلى اللون البني الداكن مع وجود توشيحات تركيبية داخلية .

6. اكتشاف تقليد حجر الكهرب

       مادة الكهرب نادرة وغالية الثمن كما أن المنتجات منها ذات أسعار مرتفعة وهذا السبب أغرى الكثير من الناس وأصحاب الصنعة على محاولة تقليدها من مواد أرخص ثمنا وأسهلا تحصيلا . وكان هناك تجارب لمواد يشابه لونها اللون الطبيعي لمادة الكهرب وبعضها له خاصية إستاتيكية في جذب الأشياء السيللوزية الصغيرة مثل المادة الأصيلة بالضبط ، مما جعل بعض المشترين لمنتجاتها يقبلون عليها لضنهم أنها من النوع الطبيعي ، إلا أن أحداً لم يستطع أن يقلد المادة الطبيعية في خاصيتها لبعث الرائحة الزكية عند الدعك وإن حاول بعض الصنّاع تضميخ منتجاتها بروائح العطور قبل البيع وبصورة وقتية . وبسبب ندرة أحجار الكهرب الطبيعي وغلاء أسعاره فقد لا تتاح الفرصة لعدد كبير من الناس أن يتعرفوا عليها بصورة جيدة أو عملية . ومنذ بداية القرن العشرين نجح الكثيرون في تقليد المادة الطبيعية وصنعوا منها المسابح وغيرها من المنتجات بالشكل الذي يصعب فيه على كثير من الناس التفرقة ظاهرياً بين الأصيل والمقلد ، خصوصا بعد تقدم العلوم الكيمياوية والتصنيع الحديث والذي أدى إلى الانتشار الكبير لصناعة رائجة وهي تصنيع المواد المقاربة لوناً وشكلاً ووزناً لمادة الكهرب الطبيعية . بل أن بعض المنتجات من الصنف المقلد فاقت في جمال ألوانها الحجر الطبيعي ، ومن جملة تلك المنتجات المسبحة ولا تزال قضية صعوبة التمييز قائمة لحد اليوم .

        ولغرض حل هذا الإشكال ، أي التفرقة ما بين الأصيل والمقلد في حالة وجود نوع من الاهتمام بذلك ، فقد اعتاد الناس على فحص المواد المستخدمة من منتجات الحجر الأصيل أو المواد المقلدة لغرض التمييز بطريقتين الأولى الطريقة البدائية والثانية الطريقة العلمية مع أن كلتا الطريقتين تفحص في الواقع الخواص الطبيعية لمادة الحجر الأصيل والتي تثبت عدم استطاعة الصنّاع تقليدها .

       الطريقة الأولى : وهي طريقة بدائية بسيطة تشمل تجربتين عند الالتباس أو حالة الشك بأصالة المادة تحت اليد ، وتتمثل هذه الطريقة بما عرف بتجربة الماء المالح "القريب ملوحته من ملوحة ماء البحر ، ويتم في هذه الحالة أخذ عدد من حبات المسبحة أو كل أجزاء المسبحة ( ما عدا الأشياء المعدنية كالملحقات ومن ثم تغطيسها في الماء المالح فنجد أن الحبات تطفو على سطح الماء المالح بينما تغوص الحبات المقلدة إلى قعر الماء المالح في معظم الأحوال ويعود سبب ذلك إلى أن وزن حجر الكهرب الأصيل النوعي (1.1) غرام في / السنتمتر المكعب من المادة ، وهذا العامل يجعل من المادة الأصلية تطفو فوق سطح الماء المالح وذلك لانخفاض الوزن النوعي للحجر مقارنة بالوزن النوعي للماء المالح . وعلى الرغم من نجاح هذه الخاصية في إثبات ماهية المادة إلا أننا وبالإضافة إلى ذلك نؤكد على إجراء العملية اللاحقة بسبب إمكانية تقليد الوزن النوعي أيضاً . وهذه العملية تتعلق باللسع بالنار ، وفيها يقرب من لهب النار جزء بسيط من جسم حبة المسبحة لثوانٍ وعلى بعد حذر ، وينجم عن ذلك انبعاث رائحة الكهرب الذكية ذات الأساس العنبري العطري بدلا من تنسم روائح المواد البلاستيكية أو الكيماوية الأخرى .

       وبسبب معرفتنا بعدم استطاعة تقليد هذه الرائحة في المنتجات وإلا لتزايدت الكلفة للمنتجين ، فإننا ننصح بالحذر في الوقت نفسه وأخذ الحيطة لئلا يحترق وجه الحبة من المسبحة مما يسيء إلى لونها ويغيره عند استمرار الحرق الغير مبرر .

       وهذه الطريقة تساعد إلى حد كبير ومن دون جهد بالغ في إجراء التمييز والتقدير بالإضافة إلى الخواص الأخرى ، مثل الملمس الدهني الدافئ لحبات المسبحة من المادة الطبيعية ،والتوزيع الطبيعي لألوان وشكل المادة وأحيانا وجود بعض الشوائب الدقيقة (يمكن أن يفحص بالعدسات المكبرة) .

       الطريقة الثانية : وتشمل إجراء التحليل العلمي على الحبات عند المختصين بمثل هذه التحاليل ، ويقضي ذلك إجراء التحليل الكيمياوي على مكونات الذرة حيث أن المواصفات التركيبية الكيمياوية لحجر الكهرب الأصيل معروفة . وبذلك يمكن البت نهائياً في مصدر الحجر على الرغم من أننا نعتقد أن إجراء التجارب  بالطريقة الأولى قد يكون كافيا في معظم الحالات كما أن أصحاب الباع الطويل في معرفة حجر الكهرب وأصحاب محلات المسابح لديهم الخبرة العملية في التمييز .

       إن بعض أحجار الكهرب الطبيعي ومنه على الأخص الكهرب الشفاف أو ذاك المستخرج حديثاً قد لا تظهر عليه خاصة بعث الرائحة الذكية عند الدعك ، مما يثير ريبة البعض من أنها ليست من الحجر الأصيل وبذلك يحصل الشك ويستريب الإنسان من ماهية هذا الحجر ولعل الطريقة الأولى تفيد الغرض .

       ويلاحظ أن المسبحة المقلدة تميل إلى اللون الأصفر البني أو البني الغامق مع توشيحات غامقة جوفية ، وجلّ الحبات تكون من النوع الشفاف أو نصف الشفاف Less Transparent / Misty المضبب . كما أن أسعاره المتهاودة جعلت المسبحة المنتجة منه محط أنظار بعض الناس . عموما لا شيء يضاهي المسبحة المصنعة من مادة الكهرب  الأصيلة ، حيث أن تلك التي تصنع من الكهرب المضغوط ذات ملمس بارد على عكس المادة الطبيعية ومواصفاتها الخلابة في دفئ ملمسها ورائحتها العبقة عند الاستخدام .

       وبودنا أخيرا الإشارة إلى بعض الأخطاء الشائعة عن مادة الكهرب ومحتوياتها . فالمسبحة المصنعة من هذه المادة والتي تكون حباتها من النوع الشفاف المحتوية لبعض شوائب لحاء الأشجار أو الغبار أو فقاعات هوائية ، يظنها بعض الناس في احتوائها الحشرات المتنوعة وبعضهم من يسميها فعلاً بمسبحة الكهرب (ذات الحشرات) أما تلك التي تحوي حباتها على حشرات فهي من النوادر الحقيقية في العالم وقد تعد أعدادها على أصابع اليد الواحدة . والواقع أن استخدام هذه الأنواع يسئ إلى الحفاظ على القيمة العلمية ، حيث أن مادة الكهرب قد حفظت هذا السجل التاريخي لملايين السنين ومن غير المنطقي أن نعرضه للتلف في مثل هذا الاستخدام .

       ولقد أبدى بعض الناس اهتمامهم بالمسبحة من الكهرب التي حباتها تحوي على بعض الشوائب الظاهرية كالبقع السوداء أو الخطوط البيضاء أو الزرقاء وما إلى ذلك . واعتبروا أن ذلك عنصر جديد يضاف إلى جمالية الحجر ويعبر عن تشكيلاته الطبيعية .

       واهتم الناس بشكل كبير ، بالمسبحة المصنعة من مادة الكهرب الطبيعي فتوجهوا بالبحث نحو هذه المادة الداخلة في بعض الصناعات الأخرى كالعقود أو مكعبات الكهرب القديمة حيث يتم تصنيعها كمسابح جديدة وأحيانا مسبحتين من العقد الواحد أو إعادة خراطة المسابح الكبيرة القديمة مع أسفنا الشديد وتحويلها أحيانا إلى مسبحتين مما يسيء حتما إلى تاريخ انتاج المسابح القديمة وضرورة الحفاظ عليها .

7 - مسابح الكهرب .

       هناك بعض الحقائق التكميلية التي وجدنا من المناسب هنا اضافتها لاتمام صنعة مسبحة الكهرب وتقريبها إلى أذهان المهتمين . وأولى هذه الحقائق أن مسبحة الكهرب مثل بصمة الأصبع من النادر أن تتواجد مسبحتين متماثلتين بشكل كامل تماما في اللون أو توزيعه الطبيعي أو في الصنعة وناتج العمل طالما أن الأحجار طبيعية وعلى الأخص عندما يكون العمل يدويا فضلا عن اختلاف أزمان التصنيع . إذ من الصعب جدا انتقاء الأحجار الطبيعية ذات اللون الواحد أو التشابك اللوني الواحد وكميات الاحجار المناسبة لصنع عدد كبير من المسابح . وهذا العامل جعل لمسبحة الكهرب الأصيل خاصية انفرادية قلما تحصل لمتجات أخرى خصوصا وان أمكنة وأشكال الشوائب واضحة للعين بينما قد لا يحصل ذلك تماما لبقية الأحجار شبه الكريمة الأخرى ، وأكثر مسابح الكهرب صنعت يدويا في الماضي لذا فالقديمة منها لا تتشابه صنعتها مع بعض لاختلاف الصنّاع واختلاف أمكنة التصتيع وتواريخها ، وهناك اختلاف واضح في نمط التصنيع بسبب ذلك أيضا . حاليا تنتج بعض مسابح الكهرب آليا وبصورة فنية متقنة إلا أن الفروقات ما بين مسبحة وأخرى لا تزال موجودة فيها بسبب اختلاف النكوينات الطبيعية للحجر وإن كانت لا تظهر بصورة جلية لأول وهلة .

       ومسبحة الكهرب قد تكون أحيانا متوارثة ومنذ قرون ومن الأجداد إلى الأحفاد وتعتبر أحيانا جزء من تراث عزيز يصعب التفريط فيه لارتباطه الوثيق بالشخصيات التي أورثتها ما لم يدفع عامل الحاجة المادية أو الجهل بقيمة التراث ، لبيع المسبحة القديمة ، من قبل بعض الأبناء وقد يؤدي ذلك في بعض الأحايين إلى بيعها بثمن بخس .

       ومسبحة الكهرب القديمة ذات الصنعة الجيدة لا يمكن التفريط بها على النحو الذي ذكرناه ، خصوصا وان كثيرا من الناس وخارج المنطقة العربية أو الإسلامية يرغبون في حبات المسبحة القديمة لغرض تحويلها إلى عقود أو مستلزمات أخرى أو إعادة صنعها ، مما يفقدنا تراث عزيز كلف الآباء مبالغ طائلة وجهد كبير في اقتنائه والمحافظة عليه . لذا فنحن نحث أخواننا على الحفاظ عليه ، أو عرضه في المتاحف (كما يحصل في بعض الدول المتقدمة) سواء المتاحف الشخصية أو العامة إن أمكن ذلك ، حيث أشرنا سابقا إلى أن التغيرات اللونية لا تحصل إلا بعد قرون ، وان بعض طرق صنعة الكهرب القديم قد انتهت لذا فلكل مسبحة قديمة طابع فريد ومميز ، ومن الخسارة حقا اتلاف ذلك أو خسارته وضياعه خصوصا إذا ما كانت مملوكة لشخصية تاريخية .

       والطلب على مسابح الكهرب سواء القديم منه أو الحديث التصنيع ، مختلف حسب أمكنة هذا الطلب ، فعلى الرغم من كون الكهرب الشفاف ذو النوعية الرائقة هو اندر واكثر تكلفة من بقية انواع الكهرب إلا أن الطلب عليه في صنعة المسبحة غير شديد ويكاد يتركز في لبنان ومصر بينما يزداد الطلب على الكهرب غير الشفاف والمعتم والأصفر اللون خصوصا في دول الخليج والعراق وتركيا وغيرها . ومن بين أنواع الكهرب الأخير يزداد الطلب على نوع أطلق عليه اسم (الكهرب الألماني الحجري) أي أن يكون شكل الكهرب حجريا ومن النوع الذي تطرقنا إليه سابقا ، ثم يتوزع بقية الطلب على الأنواع الأخرى من أنواع الكهرب .

         أما مسابح الكهرب ذات الألوان الطبيعية نصف الشفافة ، فلها من يرغبها ويهواها في بعض الدول مثل العراق وإيران وغيرها وذلك لجمال تمازج الاجزاء الشفافة والمعتمة الصفراء والذهبية اللون والبنية مما يوفر جمال خاص لرؤية التشكيلات الطبيعية لحجر الكهرب بصورة أكثر وضوحا .

       وبعض الناس من يهوى جمع المسابح النادرة من الكهرب ، كالكهرب الأسود اللون ، والكهرب الذي تميل ألوانه إلى الأزرق الغامق أو الموشح بشوائب زرقاء أو سوداء وما إلى ذلك ، كذلك نجد من يهوى حبات المسابح ذات اللون الحليبي أو اللون الشفاف الذي يشبه الزجاج في نقائه . وهذه الأنواع النادرة وغيرها ، يرتفع سعرها إلى حد كبير وعلى الاخص ما كان قديما وبعضها لا يمكن طبعا تقديره بثمن نظرا لندرته الشديدة وارتباطها بشخصيات أصحابها المعروفة بشكل عام .

       ولقد لاحظنا ، وعند الاتصال بطائفة من الناس من الشعوب التي تقع مراكز استخراج أو العثور على الكهرب فيها مثل ألمانيا وبولندا وروسيا ، انهم يتحسرون على الأنواع النادرة من حجر الكهرب حيث لم يعد في إمكانهم الحصول عليها أو رؤيتها فيما عدا وجودها في متاحف حجر الكهرب أو احتفاظ القلة القليلة من الناس هناك بقطع صغيرة او بعض القطع المصنعة في أدوات قديمة ، فمعظم القطع القديمة أو النادرة وثقت في المصادر وبعضها مملوكا لأفراد معروفين .

       وبسبب حبنا الشديد لمسبحة الكهرب وتقديرنا لمن يهواها ويرغب في اقتنائها وخصوصا من تلك الانواع غير النادرة الصفات فإننا نقدم نصحنا لهاوي المسبحة من هذه الأنواع أن يلاحظ ما يلي :

       وبهذه الشروط يمكن للإنسان أن يشعر أنه قد حصل على مسبحة الكهرب الأقرب إلى الكمال ، وبصفة خاصة فإنه أمكن لبعض الصناع إنجاز مثل هذا العمل وصنع مسابح كهرب طبيعي في غاية الجمال والدقة وقد يعتبرها البعض نادرة أو يخلط بينها وبين الكهرب المقلد لما فيها من تماثل في أجزاء المسبحة واللون والصنعة . وفي هذه الحالة فإن الصانع قد بذل جهده الكبير في جمع الأحجار المتماثلة لونا وشكلا وقد ينجم عن عمله خسارة كبيرة من مخلفات المادة .

       وعالم مسابح الكهرب عالم غريب وعجيب ، فلقد أُلقيت على كاهل مسبحة الكهرب جميع ما لصق بالحجر الأصيل من خرافات وعقائد وأساطير ومنذ زمن قديم . فبعض الناس من يعتقد أن ملامسة حبات مسبحة الكهرب الأصيل لجلد الإنسان سواء بالتسبيح بها يدويا أو بتعليقها على العنق العاري ، يشفي من أمراض معينة حسب طول مدة الاستخدام ، وكان قسما من الناس في العراق على سبيل المثال ، يعتقدون أنها تشفي من مرض الصفراء الكبدي (بالعامية يسمى مرض أبو صفار أو اليرقان) ولقد اعتاد الناس قبيل منتصف هذا القرن على رؤية عدد من الأطفال كان الناس يعتقدون أن المسبحة (أو حجرها في واقع الأمر) امتصت اللون الأصفر من أجسادهم وانتقل إلى المسبحة (لتماثل اللون) . وعند بعض الشعوب الأخرى كانوا يضعونه كمرهم للجروح أو لامتيازه بقطع النزيف أو زرع الهدوء في نفس الإنسان وإبعاد الأمراض العصبية أو القلق النفسي عند استخدام مسبحة الكهرب وهنالك وصفات شعبية أخرى .

       وهواية جمع مسابح الكهرب ، هواية مكلفة منذ قرون ولا تتاح إلا للطبقات الثرية في المجتمعات ، حيث اعتبرت من قطع الجواهر التي لا يقدر عليها إلا المقتدرون ماديا ولذا أطلق عليها البعض (هواية الملوك) . وقد تسمى مثل هذه المسبحة بالمسبحة الملوكية باللغة العامية . ويتداخل نوع الكهرب المستخدم في صناعة المسابح وكذلك طريقة التصنيع مع بعض المواصفات الأخرى في إطلاق أسماء معينة . فمسبحة الكهرب ذات النوع الشفاف الأصفر الخام والمشوب باللون الذهبي ، أو المتشققة محتوياتها ، وذات الشوائب الداخلية تسمى في العراق (سبحة الكهرب العطش) بينما يطلق أهل الخليج العربي ومصر هذا الاسم على مسابح الكهرب (أو المواد المقلدة لها) التي عوملت معاملة خاصة سواء بشي الحبات (قليها في سوائل حارة وإحداث تغير فيها ومن ثم لونت ببعض الألوان . وبردت ثم صقلت) بهذا الاسم أيضا .

       كذلك كان يؤثر مكان التصنيع على اسم المسبحة ، فقد قيل (مسبحة الكهرب الاستنبولية) أو (مسبحة الكهرب جرخ اسطمبول) بالعامية العراقية ، دلالة على مكان صنع مسبحة الكهرب ، والواقع فإن طريقة صنع وتشكيل الحبات يختلف عن غيرها في هذه الحالة (كما تطرقنا إلى ذلك في مكان سابق ) . وبودنا الإشارة في هذا المكان إلى أن مسابح الكهرب والتي أنتجها وخرطها صناع استانبول - تركيا- في السابق تعتبر اليوم تحفا فنية وأثرية لا يمكن تعويضها من حيث طرافة عملية خراطة الحبات للمسبحة وقدم أحجار الكهرب ونوعيتها والانقراض النسبي لها وابتعاد الصناع في تركيا عن صناعتها اليوم ، ومنها ما يعود (تاريخ صنعها) إلى ما يزيد عن أربعمائة عام ومعظم حباتها من النوع الكبير الحجم نسبيا وبعضها لايزال موجودا في تركيا والعراق ولبنان ومصر وبعدد محدود وعند بعض الأفراد مع وجود الأحجام الصغيرة الحبات أيضا . كذلك فلقد سميت بعض المسابح حسب أماكن صنعها مثل (مسابح الكهرب الألمانية) وهي قديمة أيضا ولم تعد تصنع بشكل كبير حاليا نظرا لارتفاع قيمة الكهرب المصنع في ألمانيا هذه الأيام ودخول مسابح الكهرب المصنعة في روسيا وبولندا وأماكن أخرى . عليه فقد اختلفت المسميات حسب المكان وهنا لا بد أن نشير إلى أن صناع المسابح في مصر والعراق ولبنان قد انتجوا مسابحا من الكهرب في غاية الجودة .

       ومسبحة الكهرب اليوم تصنع بأشكال عديدة وحسب الطلب ومعظمها ينتج في الدول التي تستخرج منها هذه المادة الكريمة وإن كان هناك انتاج وبشكل قليل في مصر والعراق وإيران وبعض الأقطار الأخرى عن طريق تحويل الأشكال القديمة من الكهرب إلى مسابح جديدة ، حسب الرغبة أو السوق أو الطلب الشخصي .

       كذلك يفضل بعض أهل العراق ومصر مسابح الكهرب ذات الأحجام والحبات الكبيرة بينما يفضل معظم الناس الحبات الصغيرة وعلى مختلف أشكالها للملائمة في الشكل والكلفة .

       وتقع قياسات معظم مسابح الكهرب الحديثة بحيث لا يزيد قطر الحبات (كمعدل) عن (5) ملم وأشكالها عموما تقع بين الكروي التام وغير التام أو البيضوي أو على شكل حبات الصنوبر كما فصلنا ذلك في مكان سابق ، إن ذلك يلائم جيوب المشترين من حيث الكلفة أو السعة . وقد لا يقترب جملة من الناس لشراء المسابح القديمة من الكهرب نظرا لارتفاع سعرها أو كبر حجم حباتها في بعض الأحيان .

       أخيرا بودنا الإشارة إلى ظاهرة تتعلق بالمسابح القديمة من الكهرب بصفة عامة . إذ لوحظ أن بعض الحبات تتعرض عبر الزمن إلى حدوث نوع من التآكل على شكل فوهات صغيرة وناعمة أو إلى تخرشات يمكن في بعض الأحيان رؤيتها بالعين المجردة ، ويعزى ذلك إلى حدوث التأكسد الشديد والسطحي لبعض المواد الداخلة في صلب حجر مادة الكهرب مع تأثرها بالاستخدام اليدوي أو تعرضها لمواد كيماوية أحيانا مما يخلق هذا التآكل ويكونه . لذا ننصح ومن غير مبالغة في ذلك ، في الحفاظ على مسبحة الكهرب وتنظيفها بين فترات متباعدة لهذا الغرض . إن حدوث التآكل يقلل من قيمتها ويهدر جماليتها بشكل عام .

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مع تحيات موقع الأرقام