:: ولا تستفتِ فيهم منهم أحدا ::
قال تعالى مخاطباً رسوله عليه السّلام في شأن أصحاب الكهف:(... فلا تمار فيهم إلا مراءً ظاهرا، ولا تستفتِ فيهم منهم أحداً)، ويمكن أن يستفاد من هذه الآية الكريمة الآتي:
أ ) القول في قصّة أصحاب الكهف يجب أن يستند إلى الدليل الظاهر الذي تقوم به الحجة، وعليه لا يجوز الاعتماد على التخرّصات وقيل وقال...
ب ) لا يصلح في قصّة أصحاب الكهف أن نرجع إلى ما عند الناس من أقوال وتفصيلات: (ولا تستفت فيهم منهم أحداً) وهذا يعني أن النّاس لا يعلمون حقيقة ما حصل، ولا يقدّمون ما يمكن أن يقود إلى الحقيقة.
جـ ) إذا كان النّاس لا يملكون الحقيقة في هذه المسألة فليس أمامهم إلا طريق واحد، ألا وهو الوحي الربّاني: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق).
سبق لنا أن استفتينا القرآن الكريم في مسألة أصحاب الكهف فكان كتاب: (ولتعلموا عدد السنين والحساب)[1] وكانت المفاجأة أنّ الدّراسات العدديّة لألفاظ القصّة في القرآن الكريم تقاطعت مع دراسة سابقة متعلّقة بسورة الإسراء مفادها أنّ العام 2022م الموافق 1443 هـ [2]يمكن أن يكون العام الذي تتحقق فيه نبوءة سورة الإسراء المتعلّقة بزوال إسرائيل من الأرض المباركة فلسطين. وهنا ثار سؤال: ما علاقة قصة أصحاب الكهف بالأرض المباركة؟! ويلحّ هذا السؤال على الباحث عندما يعلم أنّ السّورة (17) في ترتيب المصحف هي سورة الإسراء، وتليها سورة الكهف، التي تليها سورة مريم. ومعلوم أن أحداث الإسراء كانت في الأرض المباركة فلسطين، وأن أحداث قصّة مريم عليها السّلام كانت في فلسطين، فلماذا لا تكون أحداث قصة الكهف في فلسطين أيضاً ؟!
قد يقول البعض إنّ هذا الفرض يتناقض مع ما هو سائد من أنّ الكهف موجود في تركيا، وعند البعض في سوريا، وعند آخرين في الأردن!! ونحن بدورنا نقول إنّ تعدد الأقوال يدل على أنّ الحقيقة بعيدة المنال، ولا يكفي في مثل هذه المسألة أن نجد سبعة قبور في كهف يفتح بابه جنوباً حتى نحكم بأنّه الكهف المقصود، وحتى لو وجدنا كتابات قديمة تقول إنّ هذا هو كهف أصحاب الكهف، لأن مثل هذه المزاعم المدوّنة وجدت عند الأمم المختلفة، وعلى وجه الخصوص عندما يتعلق الأمر بمسائل ذات بعد ديني، وذات قداسة، وهذا ما يفعله النّاس اليوم حينما يذكرون أنّ كهف الرّجيب في الأردن هو كهف أصحاب الرّقيم، وهم في ذلك يستندون إلى أدلّة منها أنّ كلمة (الرّجيب) هي تحريف لكلمة (الرقيم)، وليس هناك ما يثبت أنّ هذه التّسمية لم تأت كنتيجة... وعلى أية حال لا نقصد هنا أن نناقش الأقوال المتعددة المتعلقة بالكهف، ولا نسعى لتقديم الأدلة التاريخيّة التي تثبت أن الكهف يقع في بيت المقدس، بل نهدف إلى تقديم أدلة قرآنيّة جعلتنا نرجّح أن كهف أصحاب الرقيم هو كهف صخرة بيت المقدس.
إن ما نقدّمه من أدلة يتلخص في ملاحظات عدديّة جاءت مؤيّدة للفرضيّة التي ذكرناها آنفاً. وتدهشك الأنماط العددية المختلفة، التي يحكم العقل بعدم إمكانية إتيانها إتفاقاً. وإذا جاز القول (بالصدفة) في حق البشر، فهل يجوز ذلك في حق الله سبحانه وتعالى؟! أمّا أولئك الذين لا يؤمنون بأن القرآن الكريم هو كلام الله تعالى فإنّ عليهم أن يقدّموا لنا تفسيراً لهذه التوافقات العدديّة.
_____________________________
[1] ولتعلموا عدد السنين والحساب، ط1، 1999 م ، مركز نون للدراسات والأبحاث القرآنية _البيرة _ فلسطين .
[2] راجع كتابنا ( زوال إسرائيل 2022م نبوءة أم صدف رقمية).
المصدر لجميع محتويات الكتاب : موقع إسلام نون (الأستاذ بسام جرار) .