بسم الله الرحمن الرحيم

 :: مُســيّر أم مُخــيّر ::

       بقلم: بسّام جرّار

 

       هي إشكال فلسفي، أمّا على المستوى الشعوري فالكل يدرك أنّه مخيّر، والنص الديني يُصرّح بذلك. ومن هنا سيبقى هذا السؤال مطروحاً في عالم الفلسفة فقط. أمّا واقع الناس فيحكمه الواقع الشعوري المنسجم مع النص الديني، المتمثل بالقرآن والسنّة.

       عندما يعجز الإنسان عن تصور قضية ما، فإن العقل قادر على حل الإشكال، وتحصيل القناعات، على الرغم من تجلي عجزه عن التصور. أي أن بإمكاننا أن نتعقّل الأمور التي نعجز عن تصورها.

مثال: لدينا ورقة سمكها(0.1) مليمتر، قمنا بشقها نصفين فيكون سمك القسمين مجتمعين (0.2) مليمتر. ثم قمنا بشق ذلك قسمين أيضاً فكان سمك المجموع (0.4) مليمتر. وهكذا ... ونكرر ذلك (50) مرّة. وهنا نسأل: كم يبلغ سمك المجموع بعد التمزيق رقم (50) ؟

       إذا قلنا إن سمك المجموع يساوي المسافة بين الأرض والقمر فإن الناس يعجزون عن تصور ذلك، فكيف بهم إذا قلنا لهم بل إن السمك الحقيقي هو المسافة بين الأرض والقمر مكررة (317) مرّة؟! نعم هذا فوق قدرة الإنسان على التصور. ويكمن الحل في التعقّل؛ فبإمكاننا أن نحسب ذلك رياضياً بسهولة فتتحصّل القناعة العقلية مع إقرارنا بالعجز عن تصوّر المسألة.

       بإمكان الإنسان أن يتوقّع المستقبل على ضوء المقدمات التي تُرهص بهذا المستقبل، وكلما قويت هذه المقدّمات كان توقّع المستقبل أقرب إلى الصّدق. إذن بالإمكان أن نتوقع هطول المطر في جو عاصف، ويصعب ذلك في جو مشمس. وبإمكان الطبيب أن يتوقّع وفاة العجوز المريض، ويصعب ذلك في الشاب الصحيح ... وهكذا. وهذه المسألة مفهومة ولا تعتبر إشكالاً في العقل البشري. ولكن عندما تنعدم المقدّمات يصبح من المستحيل توقّع المستقبل بصورة جازمة. وإليك هذا المثال:

قال شخص: أتوقع في الغد، وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً، أن يحدث صدام بين حافلتين، الأولى بيضاء قادمة من الشرق، والثانية سوداء، قادمة من الغرب، ويكون التصادم في الشارع الفلاني، وفي النقطة الفلانية. وينتج عن هذا التصادم جرح اثنين في الحافلة البيضاء، وقتل سائق الحافلة السوداء. إنّ مثل هذا التوقع هو من المستحيلات، لأنه لا توجد مقدمات، كما أن عناصر الحدث متعددة؛ فالحدث معقد، والمقدمات منعدمة. ولأن مثل هذه الأمور من المستحيلات في عالم البشر فقد صح في العقل أن يكون الإخبار الجازم بها من المعجزات الدّالة على صدق الأنبياء.

       في الوقت الذي نحكم فيه باستحالة الإخبار بمثل هذا الحدث عن وعي في حالة اليقظة، نقبل أن يكون هذا الخبر نتيجة لرؤيا منامية، وهي ما نسميه (الرؤيا الصادقة)، لعلمنا أنّ هذا يحدث في الواقع الإنساني، بل هو متواتر في المجتمعات البشرية، ولا توجد أمة تجهل ذلك. ولقد شكلت الرؤيا الصادقة إحراجاً للملاحدة عبر العصور، لأننا نجد أن المستحيل في حالة الوعي يتحقق في المنام، ولا يجد العقل تفسيراً مادياً لهذه الظاهرة، فوجود صورة للحدث قبل حصوله بأيام يُثبت وجود العلم به قبل حصوله، على الرغم من انعدام المقدمات والدواعي. ولما لم يجد الملاحدة تفسيراً مادّياً لهذه الظاهرة المتواترة، ذهبوا إلى القول بأن ذلك يحدث على وجه الصدفة. وهذا باطل من وجوه:

أولاً:  لو كان الأمر من قبيل الصدفة لما كان متواتراً في الأمم والشعوب، بل ستجده مجهولاً للكثيرين. وقد قمنا بدراسة إحصائية فوجدنا أن جميع المستطلعة آراؤهم من الناس تعلم بهذه الظاهرة بطريق أو أخرى.

ثانياً:  هناك الكثير من الرؤى الصادقة تتعدد فيها عناصر الحدث بحيث يصعب، بل يستحيل أحياناً تصور حدوث ذلك على وجه الصُدفة.

ثالثاً:  من الظواهر الموجودة في المجتمعات البشرية أن هناك أشخاصاً معينين تتكرر عندهم الرؤى الصادقة بشكل لافت، في حين نجد الكثيرين لا يرون شيئاً من ذلك على مدى العمر. وهذه الظاهرة تلغي احتمال حصول ذلك على وجه الصدفة.

       لقد جاءت النبوّات، وكذلك الرؤى الصادقة، لتخبر الإنسان بوجود العلم بالحدث قبل حصوله. وخاصة في القضايا التي تنعدم مقدماتها. فالنُبُوّات رحمة، وكذلك الرؤى الصادقة، لأن الإخبار بالغيب المستقبلي يجعل الإنسان متعقّلاً لقضّيةٍ يستحيل تصورها، فمن يستطيع أن يتصور كيف يمكن معرفة الغيب قبل سنوات من وقوعه؟! وبمعنى آخر: كيف يمكن للإنسان أن يتصور وجود القضاء قبل وقوعه قدراً؟! والذي لا يستطيع أن يتصور ذلك لا بد أن ينكر، وهو معذور في إنكاره، لأنه لا يطيق ذلك، فجاءت النبوّات، وكانت الرؤى الصادقة، فأصبح الأمر في دائرة التعقل، ومن هنا لم يعد هناك عذر للإنكار.

       بعد أن آمن الإنسان عن طريق النبوّات والرؤى الصادقة بوجود العلم بالواقع قبل حصوله واقعاً، أي بوجود القضاء قبل وقوعه قدراً، نشأت لديه مشكلة فلسفية، لا تزال تحيّر عقول البشر. ويمكن تلخيص هذه المشكلة في الآتي:

بما أن الله يعلم ما سأفعل،

وبما أنّ علم الله لا يخطئ،

إذن أنا لا بد أن أفعل،

إذن أنا مجبر

       قلنا إن هذه المشكلة هي مشكلة فلسفية، والإنسان لا يشعر بها قبل أن تطرح على عقله، بل لم يكن ليطرحها قبل أن يؤمن بأن علم الله المطلق يحيط بكل شيء، حتى بالواقع قبل أن يكون واقعاً. وهي مشكلة تتناقض مع ما يشعر به من حريةٍ واختيار. ونحن نرى أنّ بإمكاننا أن نحل المشكلة بالتعقل، حتى وإن عجزنا عن التصور، ولكن كيف؟ نقول:

إذا كان (س+ص)= (س+ع) فإنَّ (ص) تساوي (ع). وهذا بَدَهي في العقل. وإذا استخدمنا هذا المنطق في عالم (اللانهائيات) فسوف نصل إلى نتائج تناقض بدهيات العقل، فصحيحٌ في المنطق الرياضي أن نقول:

(ما لا نهاية + 1000) = (ما لا نهاية – 1000)

وإذا كان هذا يصح في المنطق الرياضي، فهل يصح أن نقول: وعليه فإن (+1000) يساوي (-1000) ؟!

أين الخلل في هذا المنطق؟:

عندما كنا نتعامل مع عالم النهائيات أمكننا أن نقول بما أنّ (س= س) فإن (ص= ع). وبما أننا لا نعرف قيمة اللانهائي فلا يصح أن نقول : بما أنّ (ما لا نهاية) تساوي (ما لا نهاية) إذن (-1000 = +1000).

فلا مكان لمفهوم (التساوي) في عالم (اللانهائيات) فالتناقض الناتج بقولنا إن (-1000) = (+1000) نتيجة للمقدمة غير الصحيحة.

       عندما يقرّب علماء الرياضيات فكرة اللانهائي يقولون: لكل عدد صحيح يوجد عدد أكبر منه... وهكذا . وهذا يكشف لنا بعض أسرار عبارة "الله أكبر"، ولا نقول: (الله كبير)، لأن قولنا الله كبير توهم التناهي، أما قولنا الله أكبر فتعني بالضرورة (اللانهائي)، فهو سبحانه وتعالى مطلق في ذاته، وصفاته، ومنها العلم. ومهما يخطر في بالك من كبير فالله أكبر. وفي الوقت الذي يحاول فيه الإنسان تصوّر الوجود اللانهائي يعجز ويضطرب في منطقه، ولا تعود المقدمات ذات صلة بالنتائج كما هو الحال في عالم النهائي.

صفة القدرة هي صفة مؤثرة في الأشياء، بل لا توجد صفة غيرها مؤثرة. فعندما نتحدث عن عالم التأثير نعبّر بالقدرة. أمّا صفة العلم، فهي صفة كاشفة غير مؤثرة في العالم الخارجي. وهذا أمر بدهي. وإذا عرفنا هذا أمكننا أن نوجد حلاً للمشكلة الفلسفية: (بما أنّ الله يعلم ما سأفعل، وبما أنّ علمه لا يخطئ، إذن أنا لا بد أن أفعل، إذن أنا مجبر) . كيف يمكننا أن نكشف الخطأ في هذا المنطق؟! وكيف يمكن أن نكشف عدم وجود علاقة بين المقدمات والنتيجة ؟! يمكننا أن نكتشف ذلك بسهولة إذا عوّضنا مكان كلمة (يعلم) و (علمه) كلمات: (يكشف) و(كشفه) فتصبح المقولة : (بما أنّ الله يكشف ما سأفعل، وبما أنّ كشفه لا يخطئ، إذن أنا لا بد أن أفعل، إذن أنا مجبر) بهذا التعويض يتم كشف زيف هذا المنطق؛ فالمقدمة تتحدث عن صفة العلم، والتي هي صفة كاشفة غير مؤثرة، والنتيجة تتحدث عن القدرة، والتي هي صفة مؤثرة، لأن الإجبار لا يكون إلا بالقدرة، فقولنا: (إذن أنا مجبر) يعني: (إذن أنا مؤثَّر عليّ) .

فأين القدرة في المقدمات؟! وكيف أنتج الكشف تأثيراً؟

إذن هو التناقض الناتج عن محاولة تصور اللانهائي، والناتج عن استخدام منطق عالم النهائي لفهم عالم اللانهائي. وبهذا نكتشف عجز العقل البشري عن التعامل مع عالم اللانهائيات، فلم تعد المقدمات المنطقية تقود إلى نتائج صحيحة. وبعد أن تكشّفت لنا حقيقة العقل البشري، ومحدوديته، كان لا بد من الاكتفاء بالنبوّات والرؤى الصادقة لإثبات واقعية عالم القضاء. فإذا كان الشعور بحرية الاختيار كافياً لاقناع الإنسان بأنّه مخيّر، فإنّ الإحاطة بعالم الغيب المستقبلي قبل حصوله يكفي لتحصيل القناعة بحقيقة هذا الوجود.

 

المصدر لهذا البحث : موقع إسلام نون (الأستاذ بسام جرار) .