| 6 - ثم كان عاقبة َ الذين أساؤوا السُّوأى قال تعالى : " أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة ُ الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر ممّا عمروها وجاءتهم رسلهم بالبيّنات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسَهم يظلمون * ثمّ كان عاقبة َ الذين أساؤوا السُّوأى أن كذ ّبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون * " آية 9-10 الروم
" ثمّ كان عاقبة َ الذين أساؤوا السوأى " . تقرأ كلمة " عاقبة " بالنصب , وكلمة " السوأى " بالنصب حسب القراءة الشائعة وهي قراءة حفص عن عاصم . كلمة " عاقبة " قراها أهل الحجاز والبصرة ونافع وابن كثير وأبو عمرو بالرفع , وبذلك تصبح هذه الكلمة اسماً للفعل الناقص " كان " , وكلمة " السوأى " خبرها . وكلمة " السوأى " قرأها الأعمش بالرفع , وبذلك تصبح هذه الكلمة اسم كان المؤخر وكلمة " عاقبة " خبرها المقدم . أمّا تشكيل هذه الجملة حسب قراءة حفص فمن المؤكد أن كلمة " عاقبة َ " هي خبر كان المقدم , ولكن أين اسمها ؟ هنالك من أعرب كلمة " السوأى " بأنها الإسم المؤخر المرفوع بالضمة المقدرة على الألف المقصورة تمشياً مع التفسير لكلمة " السوأى " بأنها اسم جهنم تقابله كلمة " الحسنى " اسماً للجنة . وهنالك من أعرب كلمة " السوأى " بأنها نائب مفعول مطلق من الفعل " أساؤوا " , والمصدر المأوّل من الجملة " أن كذبوا بآيات الله " بأنه اسم كان . والله أعلم أن الإعراب الأرجح هو أن كلمة " السوأى " هي صفة مؤنثة لكلمة محذوفة هي العاقبة : ثم كان عاقبة َ الذين أساؤوا ( العاقبة ُ ) السوأى . وقد حذفت كلمة " العاقبة ُ " تجنباً لتكرار الكلمة , ونابت عنها الصفة . والتوثيق الرقمي في القرآن يدعم هذا الإستنتاج .
في هذه الآية رقم 10 من سورة الروم جاءت كلمة " السوأى " منتهية بألف التأنيث المقصورة , وارتبطت اسماً لفعل الكون الذي جاء بدون تاء التأنيث . الفعل " كان " تكرر في القرآن 422 مرة . منها خمس وثلاثون مرة ارتبط بكلمات تنتهي بتاء التأنيث أو ألف التأنيث المقصورة , وبقي الفعل " كان " من ثلاثة أحرف بدون إضافة تاء التأنيث . قواعد اللغة العربية هي أصلاً مشتقة عن القرآن , ولكن للقرآن طبيعة خاصّة استوعبتها قواعد اللغة العربية . لا أريد أن أدخل في تحليل الكلمات وأيها مؤنث حقيقي وأيها مؤنث مجازي . ولكن أريد أن أقول إن دراسة القرآن لا تتوقف عند عصر معيّن , ولا عند اجتهادات عالم معيّن . والجانب الرقمي فائق الإعجاز والذي توصّلنا في العصر الحاضر إلى اكتشاف وجوده في القرآن يعزز كلّ شيء في القرآن من توزّع وتنوّع كلمات وإعرابها ومعانيها . وفيما يلي بيان بهذه الكلمات المؤنثة الخمس والثلاثين والتي ارتبطت بالفعل " كان " بدون أن تلحق بآخره تاء التأنيث .
الكلمة الآية التي ارتبطت بها الكلمة مع الفعل " كان " آيات أخرى وردت فيها الكلمة واستكملت تأنيثها ـــ ــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ آية ( 1 ) " قد كان لكم آية في فئتين التقتا " " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " آية 13 آل عمران آية 106 البقرة
( 2 ) " لقد كان لسبأ في مسكنهم آية " " وما تأتيهم من آية من آيات ربهم " آية 15 سبأ آية 46 يس
آيات ( 3 ) " لقد كان في يوسف وإخوته آيات " قد كانت آياتي تتلى عليكم " للسائلين " آية 7 يوسف آية 66 المؤمنون
عاقبة ( 4-25 ) كلمة " عاقبة " ارتبطت بالفعل " ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده " كان " في الآيات التالية : ومن تكون له عاقبة الدار " 137 آل عمران , 11 الأنعام , آية 37 القصص 84 , 86 , 103 الأعراف , 39 , 73 يونس , 109 يوسف , 36 النحل , 14 , 51 , 69 النمل , 40 القصص , 9 , 42 الروم , 44 فاطر , 73 الصافات , 21 , 82 غافر , 25 الزخرف , 10 محمد , 9 الطلاق , " وكان عاقبة ُ أمرها خسرا " آية 9 الطلاق
دعواهم ( 26 ) " فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا " " فما زالت تلك دعواهم " آية 5 الأعراف آية 15 الأنبياء
طائفة ( 27 ) " وإن كان طائفة منكم آمنوا " " ودّت طائفة من أهل الكتاب " آية 87 الأعراف آية 69 آل عمران
صلاتهم ( 28 ) " وما كان صلاتهم عند البيت إلا " إن الصلاة كانت على المؤمنين مكاء وتصدية " آية 35 الأنفال كتاباً موقوتا " آية 103 النساء
الكلمة الآية التي ارتبطت بها الكلمة مع الفعل " كان " آيات أخرى وردت فيها الكلمة واستكملت تأنيثها ـــ ــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ عبرة ( 29 ) " لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب " آية 111 يوسف
السوأى ( 30 ) " ثمّ كان عاقبة َ الذين أساؤوا السوأى " آية 10 الروم
الخِيَرة ( 31 ) " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخِيَرة ُ سبحان الله وتعالى عمّا يشركون " آية 68 القصص
أسوة ( 32 ) " لقد كان لكم في رسول الله أسوة " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم حسنة " آية 21 الأحزاب والذين معه " آية 4 الممتحنة
( 33 ) " لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة " آية 6 الممتحنة
حجتهم ( 34 ) " وإذا تتلى عليهم آياتنا بيّنات ما " والذين يحاجّون في الله من بعد ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا استجيب له حُجّتهم داحضة عند إن كنتم صادقين " آية 25 الجاثية ربهم " آية 16 الشورى
خصاصة ( 35 ) " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " آية 9 الحشر
التوثيق الرقمي والذي ترتبط فيه هذه الكلمات بالفعل " كان " متنوّع ومعقد, وفيما يلي علاقتان رقميتان بهذا الشأن : الكلمات المؤنثة التي ارتبطت بالفعل " كان "
**** **** الفعل " كان " عدد تكرار الفعل " كان " في القرآن +422 عدد ارتباط هذه الكلمات المؤنثة به +35 457 ********** أمّا العلاقة الثانية لهذه الكلمات الإثنتي عشرة وارتباطاتها بالفعل " كان " في 35 آية وهذه أرقامها :
******
7 - الإعجاز الرقمي يعزز قيمة الإعجاز اللغوي القرآن الذي أنزله الله على خاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلّم , هو المعجزة الخالدة على مدى العصور . وكان أول جانب من جوانب هذه المعجزة هو انبهار العرب ببلاغته ووقوفهم حيارى أمامه , وهم الذين فطروا على البلاغة والفصاحة . ويدلّ على ذلك ما قاله الوليد بن المغيرة عن القرآن : " والله إن لقوله لحلاوة . وإن أصله لعذق وإن فرعه لجناة " . أي شبهه بالنخلة التي ثبت أصلها وطاب فرعها . وكلما مرت العصور زادت قناعة الباحثين بالإعجاز اللغوي للقرآن الكريم وتوسّعوا في اكتشاف أبعاد هذا الإعجاز الذي عجز العرب عن الإتيان بمثله . ومن الأمثلة على الإعجاز البلاغي للقرآن هذه النقاط السريعة : 1 – اختيار اللفظ : قال تعالى : " وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذ بّحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم " . كلمة " يذ بّحون " مشتقة من الفعل " ذبح " . واختيارها مع تضعيف عين الفعل يصوّر كثرة ما حدث من الذبح . قال تعالى : " والذين كفروا أعمالهم كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف " . الآية قصدت التراب الدقيق الذي لا يقوى على عصف الريح فاختارت كلمة الرماد بدلاً من التراب أو الثرى . قال الجاحظ في البيان والتبيين الجزء الأول ص 34 : " وقد يستخف الناس ألفاظاً ويستعملونها , وغيرها أحق بذلك منها . ألا ترى أن الله تبارك وتعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر . والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حالة القدرة والسلامة . وكذلك ذكر المطر فإنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الإنتقام , بينما العامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث " . 2- التقديم والتأخير : قال تعالى : " لا تأخذه سِنَة ولا نوم " . ذكر النوم الخفيف قبل النوم العميق , لأنه إذا حدث النوم العميق فلا قيمة للنوم الخفيف ولا وجود له . 3- الذكر والحذف : قال تعالى : " وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكّأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى " . في هذه الآية كانت إطالة سيدنا موسى للكلام هي رغبته التلذذ بالمناجاة . قال تعالى : " كلا إذا بلغت التراقي . وقيل من راقٍ " . النفس لا تبلغ التراقي إلا عند الموت . وبقية الكلام مفهوم ولذلك تم حذفه . 4- حذف الخبر : قال تعالى : " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه , فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله " . المعنى هو : أفمن شرح الله صدره للإسلام كمن لم يشرح الله صدره ؟ لقد تم حذف الخبر لأنه مفهوم 5- التنكير والتعريف : قال تعالى : " ولتجدنّهم أحرص الناس على حياة " . كلمة " حياة " في صيغة النكرة تعني أنه لا يهمهم أن تكون تلك الحياة رفيعة أو وضيعة . 6- التوكيد : قال تعالى : " فسجد الملائكة كلهم أجمعون ".الآية أفادت اجتماعهم على السجود ولم يسجدوا متفرقين --------- إعجاز القرآن لا يقتصر على البلاغة . ولو كان يقتصر على البلاغة فقط لما تحدّى الله غير العرب أن يأتوا بكتاب بليغ فصيح كالقرآن باللغة العربية . قال تعالى في الآيتين 88 , 89 الإسراء : " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا * ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا * " .رب العزة يتحدّى جميع المخلوقات على سطح الكرة الأرضية , وليس العرب فقط أن يأتوا بمثل هذا القرآن , ويؤكد أنهم لن يستطيعوا أن يأتوا بمثله . فإن في القرآن إعجازاً لا يستطيع أن يأتي بمثله جميع المخلوقات ولو تعاونوا وشدّ بعضهم أزر بعض . فهل الإعجاز البلاغي هو الإعجاز الوحيد في القرآن ؟ رب العزة يتابع كلامه ويقول : ولقد صرّفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل . ماذا تعني كلمة " مثل " ؟ إن لها عدة معان ومنها الحُجّة والبرهان . قال تعالى : " ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا " . أي لا يأتونك بحُجّة وبرهان إلا جئناك بأفضل منه وأقوى وأصح وأوضح . من كلام الله تعالى الصريح نستنتج أن في القرآن براهين كثيرة تثبت إعجازه , وهذا يعني أن الإعجاز اللغوي ليس هو الوحيد في القرآن . ومن البديهي أن رب العالمين لم يحدد عدد وماهية هذه الأمثال والحُجج والبراهين والتي رتبها لتنكشف على مدى العصور . إن الله سبحانه وتعالى يقول في آية أخرى إن هذا القرآن ليس للعرب فقط ولكنه تذكرة لكل العالمين , وسيعلمون عجائبه على مدى العصور . قال تعالى : " إن هو إلا ذكر للعالمين * ولتعلمُنّ نبأه بعد حين " آية 87 , 88 ص . تتمة لموضوع الإعجاز الرقمي يعزز الإعجاز البلاغي الأرقام هي لغة عالمية , وهي لغة العصر الذي نعيشه . والإعجاز الرقمي الذي وجدناه في القرآن شيء يستطيع العقل البشري أن يفهمه لأن الذي رتّب الإعجاز الرقمي في القرآن هو الذي خلق العقل البشري وهو الذي يعرف طاقته وقدرته . ولكن هذا العقل لا يستطيع أن يتصوّر كيف تمّ ترتيب هذا الإعجاز الرقمي في القرآن , كيف تمّ ترتيب كتاب يزيد عن الثماني وسبعين ألف كلمة بحيث تكون كل كلمة وكل حرف تدخلان في حساب دقيق من حيث التعداد وموضعها المناسب والدوائر الرقمية التي ترتبط بها , ثم يأتي الكلام بعد ذلك قمة في البلاغةوالأسلوب -------- لو طلبنا من شخص أن يكتب موضوعاً من صفحة واحدة , وحدّدنا له عدد فقرات هذه الصفحة وعدد كلماتها وعدد أحرفها , وعدد تكرار كل حرف من حروف الأبجدية من باء وخاء ودال وميم وغيرها في هذه الفقرة , وقيّدناه بشروط من عدد أحرف الجر والعطف وغيرها , ومن عدد جذور الأفعال والأسماء . فهل يستطيع ذلك ؟ الجواب طبعاً : لا . وإذا استطاع شيئاً من ذلك فكيف سيكون أسلوب هذه الكتابة ؟ -------- على سبيل المثال أورد آية قرآنية هي قمة في البلاغة , ثم أشرح بعض ما توصّلت إليه من أرقام في هذه الآية . حكى العلاّمة القرطبي عن الأصمعي أنه قال : سمعت جارية أعرابية تنشد : أستغفر الله لذنبي كله قتلت إنسانا ً بغير حِلّه مثل الغزال ناعماً في دلّه انتصف الليل ولم أصلّه |