الأرقام
|
ثانياً: الأعداد عند شعوب ما بين النهرين: عُثر، في أماكن متفرقة، على أختام قديمة، تدل على وجود علاقات تجارية بين السومريين ـ أقدم شعوب بلاد ما بين النهرين ـ ومصر والهند كما عُثر أيضاً على كثير من الألواح الطينية، وعليها كتابات سومرية، تكشف عن حياة تجارية نشطة، فيها عقود يشهد عليها شهود، ووثائق تكشف عن أساليب القروض، وفوائدها، التي تتراوح بين 25 % إلى 33 % في السنة. ويبدو أن السومريين قد أخذوا علوم الحساب عن المصريين، أو العكس، ولكنهم على أية حال، توصلوا إلى اكتشاف الأرقام، في حدود عام 3700 ق.م، في تل حرمل بالعراق ، ومما ورد، في هذا الشأن، نص عن رجل يسمى آشور بانيبال يذكر فيه أنه تعلَّم كيفية إيجاد العوامل المشتركة، وإجراء العمليات الحسابية. ونصٌ آخر، بعنوان "قضايا علمية"، يتحدث عن أساليب تدريس الرياضيات، في المدارس، وجداول الضرب. وجاء البابليون، بعد السومريين، وورثوا عنهم معرفة الأعداد، في حوالي 2400 ق.م، ثم الآشوريون كذلك. وقد أولت شعوب ما بين النهرين الأعداد عناية بالغة، وتوصلوا إلى وضع عدد من القواعد الحسابية، مثيرة للإعجاب. وكتبوا الأعداد على أقراص من الفخار، باستخدام آلات حادة، في خط أفقي من اليمين إلى اليسار، واستخدموا علامات تدل على الطرح، فمثلاً العدد 19 يكتبونه 20 مطروحاً منها واحد، كما فعل الرومان بعد ذلك. وكانت الرموز التي استخدموها تُعرف بالأشكال
المسمارية، فجعلوا رمز العدد "واحد" على شكل مسمار قائم، يتكرر من الواحد إلى
التسعة، أما العشرة فجعلوها على الشكل 1 = آش 2 = من 3 = إش 4 = لمو 5 = أي أويا ثم يضيفون "أي" إلى الأرقام الأولى، لتعني زيادة خمسة، فأصبحت: 6 = ياش (آي آش) 7 = أي من 8 = أيشو (آي شو) 9 = ألمو (أي لمو) أما العشرة، فاسمها (أو)، وضعفها العشرون هو نش، ومن العشرة ومركباتها جاءت: 30 = أو شو (أي 3 عشرات) 40 = نش من (أي 2 × 20) 50 = نينو (نيني أو) أي (2 × 20 + 10) . وهكذا توصل السومريون، ومن بعدهم، إلى النظام العشري، وابتكروا النظام الستيني، واتخذوه وحدة عددية، عندما رأوا أن محيط الدائرة ينقسم إلى ستة أوتار متساوية، كل وتر منها يساوي نصف قطر الدائرة، وقد فطنوا لذلك لمَّا رأوا بيوت النحل سداسية الأشكال. ثم لاحظوا أن الدائرة تنقسم إلى ستة مثلثات متساوية الأضلاع، قياس كل زاوية فيها ستون درجة، ثم وافق تقسيمهم هذا تقسيم السنة موافقة عجيبة: 6 × 60 = 360 يوماً. ويظهر اعتماد النظام الستيني في تقسيم الساعة إلى ستين دقيقة، والدقيقة إلى ستين ثانية. ولا يزال هذا النظام معمولاً به، حتى الآن، في قياس الزوايا والزمن. وكذلك المثقال يساوي ستين وَزْنَة، والوزنة ستين حبة. ومن ثم كان للرقم ستين اسم خاص، وليس مركباً كغيره، فهو "جش"، ومربعه (60×60)= 3600 يسمى "سار"، أما قوته المربعة (3600×3600)= 12.960.000 فتسمى "السار العظيم". والنظام الستيني أفضل من النظام العشري؛ نظراً لقابلية العدد 60 للقسمة بسهولة على 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 12، وهذا يُيسِّر عمليات حساب الكسور (فالكسر 3/10 مثلاً يُعبَّر عنه، في النظام الستيني، بالعدد الصحيح 18)، ومن ثم، أدى استعمال النظام الستيني، من جانب علماء بابل، إلى التخلص من بعض الكسور، مما نتج عنه سهولة في إجراء عمليات الضرب والقسمة. عرف البابليون النظام الإثني عشري للأعداد؛ فقسَّموا اليوم إلى اثنتي عشرة فترة، مدة كل منها ساعتان، وقسَّموا الأعداد إلى دزّينات (أي وحدات، قيمة الوحدة 12). وجعلوا الرطل (وهو 12 أوقيَّة) وحدة للوزن، ثم جاء النظام الستيني مكملاً للنظام الإثني عشري، لا ناقضاً له. ولقد استعمل علماء بابل الجداول الرياضية لإجراء عمليات الضرب والقسمة، واستخراج الكسور، وأسس الأعداد، والجذور التربيعية، والتكعيبية. وقد وُضعت الجداول لتعليم الرياضيات للطلاب. وقد اكتشف العلماء نحو مائتي لوح فخاري تتضمن جداول رياضية. وقد وفَّرت هذه الجداول للبابليين الكثير من الوقت والجهد، ومكنتهم من إجراء عمليات الضرب والقسمة في الأعداد الكبيرة. ومن هذه الجداول، الجداول المقلوبة، التي
استخدموها في القسمة، وبذلك حوَّلوا عملية القسمة إلى عملية ضرب، فلإيجاد قيمة
وقد مكنهم العدد 60 من كتابة كسور كثيرة
بسهولة فإن
كما نكتبها كسراً اعتيادياً، ويُلاحظ هنا أن تحويلها إلى الطريقة العشرية سوف يؤدي إلى كسر دوري غير مُنْته. وقد اُكتشفت، مؤخراً، وثيقة في منطقة تل الضباعي، في العراق بها نماذج من هذا القبيل. وتوصل البابليون إلى طرق إيجاد مساحات المثلثات، والمستطيلات، والأجسام متعددة السطوح، والأسطوانة، وشبه المنحرف، واستخدموا معادلات من الدرجة الثانية، كالمسألة الآتية (التي وردت في أحد نصوصهم). ما طول بعدي مستطيل، إذا كان مجموع مساحته، والفرق بين ضلعيه يساوي 183، ومجموع الضلعين يساوي 27. والوضع الجبري لهذه المسألة: س ص + س - ص = 183 س + ص = 27 . (الحل: س = 14 ، ص = 13 أو س = 15 ، ص = 12) الصفر. هل اكتشفه البابليون؟ يكاد يجمع النقاد على أن أهل بلاد ما بين النهرين ـ شأنهم شأن أهل الحضارات القديمة الأخرى ـ لم يتوصلوا إلى معرفة الصفر وإن كان البعض يرى أن البابليين عرفوا الصفر، وكانوا يستعملونه بانتظام، بدءاً من العصر السليوقي حوالي عام 300 ق.م، وأنه انتقل، بعد ذلك، إلى الهنود، الذين وضعوا له رمزاً خاصاً، وسموه سونيا أي الفراغ . ثالثاً ـ الأعداد عند الصينيين رمز الصينيون إلى اللون الأبيض، والنهار، والحرارة، والشمس، والنار بالأعداد الفردية، ورمزوا إلى اللون الأسود، والليل، والبرودة، والماء، والأرض، والمادة بالأعداد الزوجية. وكانوا يكتبون الأعداد على لوحة مقدسة، هي المربع السحري، أو يستخدمون حبات، تشبه الكرات، مثقوبة تنزلق على قضبان رفيعة من الخيزران، وهو ما يُعرف بالمعداد الصيني. وقد اشتهر بين الصينيين العالم الرياضي جانج تسانج (الذي توفي 152 ق.م)، الذي وضع كتاباً في الجبر والهندسة. كما برز العالم تسو تشونج جي، الذي توصل إلى القيمة الصحيحة للنسبة التقريبية إلى ثلاثة أرقام عشرية . ووضع الصينيون أساس التقويم الفلكي، بتقسيم اليوم إلى 12 ساعة، والسنة إلى 12 شهراً قمرياً، يتحدد بداية الشهر فيها بظهور الهلال، وكانوا يضيفون شهراً آخر في كل ثلاث سنوات تقريباً، ليتوافق التقويم القمري مع التقويم الشمسي. أمّا نظام الترقيم لدى الصينيين، فيرجع تاريخه إلى القرن الثاني عشر ق.م. وهو نظام بدائي، يسمى نظام "الباكو"، ويقوم أساساً على شكلين، أولهما يانج Yang، ويرمز إليه بالخط ــ، والثاني ينج Ying، ويرمز إليه بخطين ــ ــ ، ومن هذين الرمزين تتركب الأرقام. ولقد عرف الصينيون نظام المراتب العددية، والمرجح أنهم اقتبسوه من النظام البابلي، أما أشكال الأرقام الصينية، وبالأحرى الصينية اليابانية فكانت عبارة عن رسوم خاصة.
رابعاً: الأعداد عند اليونان والرومان أ. اليونان دامت الحضارة المصرية، والحضارة البابلية، نحو خمسة وثلاثين قرناً، ولكنهما شهدا نهايتهما عندما زحفت الجيوش اليونانية، وعلى رأسها الإسكندر المقدوني، في القرن الرابع ق.م، واستولت على مصر والعراق ومن ثمّ، أخذ اليونانيون الكثير من العلوم والفنون عن المصريين، والبابليين. بالإضافة إلى ذلك أن اليونانيين كانت لهم صلات كبيرة بهاتين الحضارتين، عن طريق التجارة، والهجرات. وقد استفادوا في علوم الحساب من هاتين الحضارتين. وزادوا على ما أخذوا، وأضافوا إضافات هامة. واشتغلوا بالهندسة (وقد ارتبطت عندهم بالحساب ارتباطاً وثيقاً) وحققوا في ذلك تقدماً ملحوظاً، وأقاموا لها البراهين العقلية، والخطوات المنطقية ويعدُّ كتاب إقليدس، في الهندسة، هو أهم الكتب التي وُضعت في هذا العلم، فقد جعله في ثلاثة عشر بابا، خصصَّ الأبواب السابع، والثامن، والتاسع، عن الأعداد والحساب. ذكر إقليدس، في هذه الأبواب الثلاثة، خواص الأعداد القابلة للقسمة، وحدَّد ما هية وخواص الأرقام الفردية والزوجية، والأُس التربيعي، والتكعيبي، والأعداد التامة، والأعداد الناقصة. وخصصَّ الكتاب السابع للأرقام الأولية، وأثبت أنها لا نهائية، فمهما يكن عدد الأرقام الأولية، المعروفة لدينا، فإن بالإمكان إيجاد رقم آخر يختلف عن كل منها. اقتبس اليونانيون الأبجدية الفينيقية أو الأرامية، في نهاية الألف الثاني ق.م، وزادوا بعض الحروف، وأجروا بعض التغيير على الأشكال الأصلية لها لتلائم لغتهم، واستخدموا حروفها للدلالة على الأرقام منذ القرن السابع ق.م. ولتمييز الحرف الهجائي عن الرقم التعدادي، رسموا خطاً صغيراً إلى يمين الحرف من أعلى بالنسبة للآحاد والعشرات، والمئات، حتى العدد 900 . أما ما يلي ذلك فقد عادوا فاستخدموا له الحروف الأبجدية التسعة الأولى بعد تمييزها بوضع خط صغير إلى يسار الحرف من الأسفل . فجاء نظام العدد عند اليونان خليطاً مشوشاً من النظام العشري البابلي المصري، والنظامين الاثني عشري والستيني السومري.
المصدر : مقاتل من الصحراء www.mokatel.com مع تحيات موقع الأرقام
|