الأرقام

الفصل الثالث
العرب وإسهامهم في تطور الأرقام والحساب

اطلع العرب على حساب الهنود، فأخذوا عنه نظام الترقيم، وهذَِّبوه، وكوَّنوا منه سلسلتين، الهندية والغبارية. الهندية هي التي نستعملها، أما الغبارية، فلأن أهل الهند كانوا يأخذون غباراً لطيفاً، ويبسطونه على لوح "تخت"، ويرسمون عليه الأرقام، التي يحتاجون إليها في عملياتهم الحسابية، ومعاملاتهم التجارية .

ولقد قسَّم العرب الحساب إلى غباري، وهو الحساب الذي يُحتاج فيه إلى استعمال أدوات كالقلم والورق، وإلى هوائي، وهو الحساب الذهني الذي لا يحتاج إلى استعمال أدوات. واشتغل العرب بالجبر فجعلوه علماً ونظماً، وهم أول من أطلق لفظة الجبر على العلم المعروف الآن بهذا الاسم، وعنهم أخذ العالم لفظة الجبر، وهم أول من ألَّف فيه بصورة علمية منظمة، عندما كلَّف الخليفة المأمون محمد بن موسى الخوارزمي (*) أن يضع كتاباً في الجبر والمقابلة  ، يكون سهل المنال، لينهل منه علماء العرب. وقد استفاد علماء أوروبا من هذا الكتاب، واعتمدوا عليه في بحوثهم، وأخذوا عنه الكثير من النظريات، ولقد سبق الغربيون العرب إلى نشر هذا الكتاب، والتعليق عليه، فلم يُعثر على الأصل العربي لكتاب "الجمع والتفريق" أو أي كتاب في الحساب لمحمد بن موسى الخوارزمي، وإنما عُثر على عدد من الترجمات اللاتينية، والراجح أنها اعتمدت على أصل واحد لترجمة لاتينية ترجع إلى القرن الثاني عشر الميلادي، وقد طُبعت إحدى هذه الترجمات في روما عام 1857، وأُعيد طبعها عام 1963. وفي الكتاب الأول شرح للنظام العشري في الترقيم، وقد وُضعت الأرقام بعضها فوق بعض، وفيها دائرة صغيرة للصفر، غير أن الأرقام التي كُتبت فيه، هي الأرقام الرومانية، ومن الواضح أن هذه الأرقام كتبها المترجم، الذي لم يشر إلى أشكال الأرقام في الكتاب الأصلي .

البدايات الأولى:

في حدود المائة العاشرة قبل الميلاد، ظهر الخط المعروف ب "المسند"، وذلك في بلاد اليمن القديم، واستخدم العرب صوراً معينة للأرقام. فعبَّروا عن العدد من 1 إلى 4 بخطوط عمودية. وأما الرقم 5 فيرمزون إليه بالحرف خ الذي هو الحرف الأول من كلمة (خمس)، وإذا أرادوا الإشارة إلى الرقم 6 وضعوا خطاً عمودياً على الجانب الأيسر لحرف الخاء، أما الرقم 7 فيرمزون إليه بوضع خطين على الجانب الأيسر لحرف الخاء، وثلاثة للرقم 8، وأربعة للرقم 9. وأمّا الرقم 10 فيرمزون إليه بحرف العين، الذي يُمثل الحرف الأول من كلمة عشرة. وأمّا الرقم 100 فيرمزون إليه بالحرف م، وهو الحرف الأول من كلمة مائة. وأما الرقم 1000 فيرمزون إليه بحرف ألف أي الحرف الأول من الكلمة أيضاً. فيلاحظ هنا أن العرب الجنوبيين استعملوا الحروف الأولى من أسماء بعض الأرقام عوضاً عن الأرقام نفسها .

والظاهر أن استعمالهم حرف الخاء مقام العدد (5) جعلهم يحارون بعض الحيرة في التعبير عن العدد (50) الذي يبدأ مثل العدد (5) بحرف الخاء، ولما كان من الصعب كتابة ال (5) عشر مرات للتعبير عن العدد (50)؛ فكَّروا في حل آخر، فالعدد (50) هو نصف العدد (100)، فلما كان حرف الميم يدل على المائة، وهو حرف يظهر في "المسند" على شكل خط عمودي، يرتكز عليه مثلثان قاعدتاهما ملتصقتان على ذلك العمود، فإن كل مثلث يعبر في الواقع عن الرقم (50)، فأبقوا على مثلث واحد (الأعلى) مرتكزاً على الخط العمود .

ثم بعد ذلك، جاءت مرحلة استخدم العرب فيها أرقاماً مشتقة من الأرقام السريانية، المنحدرة من الأرقام الآرامية الفينيقية، وهذا واضح في نقش عُثر عليه يسمى نقش النمَّارة، المكتوب بالخط النبطي العربي القديم، والذي يعود إلى عام 223م، ونجد السنين مؤرَّخة فيه بالأرقام السريانية. وكذلك نقش حرَّان الذي يعود إلى عام 568م، والمكتوب بخط عربي، إلا أن تاريخ السنين المدون في السطر الثالث منه مكتوب بالأرقام السريانية .

حساب الجُمَّل:

هجر العرب أنظمة الترقيم، التي ورثوها عن الفينيقيين والآراميين، واستخدموا طريقة التعبير عن الأرقام بالحروف الهجائية. وكانوا قبلها، بزمن يسير، يعبِّرون عن العدد بالكلمات، فيقولون مثلاً (ستمائة وخمسون ديناراً) ، ثم عندما شعروا بالحاجة الملحة إلى الحساب ـ بعد الإسلام، ونزول القرآن الكريم ـ وانتشار الرسالة الإسلامية وقيام دولتها الكبرى، ولم يكن لديهم ما يرمزون به إلى الأعداد، لبعد العهد بخط المسند وحروفه وأرقامه، الذي ساد في اليمن وغيرها من قديم؛ وانقطاع العلاقة بينهم وبين الأرقام السريانية. اقتبسوا فكرة حساب الجُمل عن البلاد التي فتحوها، عندما وجدوا أن المصريين يستعملون نظام الترقيم بالحروف القبطية، بينما في الشام تُستعمل الحروف اليونانية. وتقوم هذه الطريقة "حساب بالجُمل" على إعطاء كل حرف من حروف الهجاء قيمة عددية موجبة ثابتة، لا تتغير  ، حسب الجدول التالي:

الحرف

العدد

الحرف

العدد

أ

1

س

60

ب

2

ع

70

ج

3

ف

80

د

4

ص

90

هـ

5

ق

100

و

6

ر

200

ز

7

ش

300

ح

8

ت

400

ط

9

ث

500

ي

10

خ

600

ك

20

ذ

700

ل

30

ض

800

م

40

ظ

900

ن

50

غ

1000

ثم بعد ذلك، يلجأون إلى التركيب للتعبير عن الأعداد من 2000 إلى 9000.000 وغيرها، عن طريق القاعدة المرتكزة على حرف غ أي 1000، كالتالي:

بغ

2000

طغ

9000

جغ

3000

يغ

10.000

دغ

4000

كغ

20.000

وكذلك

قغ

100.000

رغ

200.000

شغ

300.000

ظغ

900.000

غغ

1000.000 ، وهكذا .

فإذا أرادوا كتابة الرقم "1240" مثلاً كتبوا "مرغ" لأن الميم أربعون، والراء مائتان، والغين ألف، حيث يراعون، عند تركيب الجمل، أن يكون الحرف المعبِّر عن عدد أكبر هو المقدم، ثم يليه العدد الأصغر، وهكذا، فنجد:

رب          =            202

ريح          =            218

شعب         =            372  

وقد استمر حساب الجُمل، زمناً طويلاً، يستعمله العرب في علومهم، وأعمالهم التجارية، وجداولهم الفلكية، وحساب أوزانهم، فعلى سبيل المثال، نرى في كتاب "القانون" لأبي الريحان البيروني، الذي عاش فيما بين سنة 362 و 440 هجرية (937 ـ 1048م) يكثر استعمال طريقة حساب الجُمل.


         

 

المصدر : مقاتل من الصحراء

www.mokatel.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام