الأرقام

انتقال الأرقام إلى أوروبا

      من العجيب ان الأوروبيين لم يتمكنوا من استعمال هذه الأرقام إلا بعد انقضاء قرون عديدة من إطلاعهم عليها، أي أنه لم يعم استعمالها في أوروبا والعالم إلاّ في أواخر القرن السادس عشر للميلاد، وطغى على كل النظم القديمة، التي ظلَّت مستخدمة ألفي سنة. والحقيقة أن هذا الانتقال لم يكن فجائياً، ولكنه استغرق قروناً طويلة. وكان جيربرت، الذي صار بابا الفاتيكان باسم سيلف ستروس الثاني ، هو أول من نشر الأرقام العربية في أوروبا  .

تُرجمت مؤلفات الخوارزمي إلى اللغة اللاتينية، وأطلق اسمه على الحساب بالأرقام العربية، وسُمي هذا الحساب بالجورزم Algorism، نسبة إلى الخوارزمي ثم أوجريمAugrim   . ثم قدم عدد من طلاب العلم الأوروبيين إلى الأندلس، خلال القرنين الحادي عشر، والثاني عشر، لدراسة علوم العرب. ومن بين هؤلاء الطلاب، الطالبان الإنجليزيان روبرت الشستري Robert Chester، وأثلارد الباثي Athelard of Path، إذ ترجم كل منهما مؤلفات الخوارزمي، مما عمل على تعريف أوروبا بالأرقام العربية. أما صاحب أكبر انجاز في نشر الأرقام العربية، في أوروبا، فهو ليونارد فيبوناكي   Leonardo Febonacci، صاحب كتاب "كتاب الحساب Liber Arabic" عام 1202م. يلي ذلك ظهور كتاب "Algorismos" أي "الحساب الخوارزمي" لمؤلفه جون هاليناكس John Halifax، المشهور باسم "ساكرو بوسكو "Sacrobosco حوالي عام 1250م.

وهكذا انتشر استعمال الأرقام العربية من خلال كتابات هؤلاء الباحثين، السابق ذكرهم، إلا أن من الراجح أنه كان للمعاملات التجارية أثر بالغ في انتشار هذه الأرقام، والتي أخذت أشكالاً متنوعة كثيرة، يختلف بعضها عما هو مستخدم أيضاً، ولكن اختراع الطباعة أدى إلى توحيد أشكالها، وبقيت منذ ذلك الحين دون تغيير يذكر. وقد استغرق الانتقال إلى الأرقام الجديدة عدة قرون، إذ استمرت عادة استعمال الأرقام الرومانية، وأصر عليها كثير من المتعصبين، الذين أطلقوا على أنصار الأرقام العربية اسم "الخوارزميين "Algorismists، الذين كان أغلبهم من التجار. واستمر الصراع بين الفريقين إلى قرب نهاية القرن الخامس عشر الميلادي. وفي بعض الأماكن صدرت قرارات بتحريم استعمال الأرقام العربية في أي مستند أو مكاتبات رسمية، ومع ذلك، فقد ظل استعمالها سارياً بشكل خفي، وكان التجار جميعاً يستخدمون الحساب العربي كنظام سري بينهم. ولا يمكن تحديد يوم معين لانتصار اتخاذ النظام الحسابي العربي، ولكن في أوائل القرن السادس عشر استقر النظام الحسابي العربي بصورة شاملة. وبعد ذلك بنحو قرن من الزمان، طغى النسيان تماماً على المعداد الأوروبي القديم وأنصاره، وعلى الأعداد الرومانية، ومن أمثلة ذلك أن النظام العددي العربي كان يسمى، في ألمانيا النظام الألماني لتمييزه عن النظام الروماني، الذي اعتبروه نظاماً أجنبياً دخيلاً عليهم . وأما بالنسبة للمعداد نفسه، فلم توجد له آثار في أوروبا خلال القرن الثامن عشر. وحدث في القرن التاسع عشر أن وقع أحد القادة الفرنسيين، من قادة نابليون بونابرت في الأسر في روسيا، وظل هناك عدة سنوات. ولدى عودته إلى فرنسا أحضر معه بعض التحف منها معداد روسي، وظل هذا المعداد مثار دهشة وتعجب .

هكذا أخذ الأوروبيون الأعداد العربية، وأهمها الصفر الذي لا يزال يحتفظ بتسميته ذاتها في لغاتهم، إذ كان في البداية Cipher وChiffre، ثم في مطلع القرن الثالث عشر سُمي باللاتينية Zephirum، ومنها الإيطالية Zero، والألمانية Cifra  وإلى جانب الصفر، أخذ الأوروبيون عن العرب منازل الأرقام، وهي الخانات، الآحاد والعشرات والمئات، وهلم جرا. وظل الصفر بالنسبة للأوروبيين سراً غامضاً أتى إليهم من الشرق، لا معنى له بمفرده، لأنه لا شيء، ولكنه، في الوقت نفسه لديه قوة سحرية، لأنه ينقل الرقم من الواحد إلى العشرة أو المائة أو الألف، وفي الوقت نفسه، يمكنه أن يتعامل مع عمليات الحساب جميعها، كالجمع والطرح والضرب والقسمة. وبقي الصفر حديث الساعة، وموضوعاً للجدل، بين الأوروبيين، على مدى القرن السادس عشر . وكان تفهّم الناس لمعنى الخانات، وقيمة الأرقام في العشرات والمئات أكبر مشكلة تواجه الراغبين في تعلم الأرقام العربية، وركّزت عشرات من كتب الحساب جهودها لإفهام الناس معنى الخانات، وطرق استخدام تلك الأرقام.

وهناك منظومة ألمانية، من شعر العصور الوسطى، تبين أهمية موقع الصفر، والصعوبة التي واجهها الناس، في تلك الفترة، وكانت تلك المنظومة يتم تلقينها للدارسين، ويُطالبون بحفظها، وهي كالتالي:

الأرقــام تسعة فاحترس

 

تُنطق كلها دون لبــس

ولكن انتبه أيضاً لـــي

أنا الصفر لا يُنطق بـي

دائرة مستديرة متكاملــة

لي قيمة في المعاملـة

إن أضفتني إلى يُمنى عدد

أُصبح عشرة أمثالــه

وبي تستطيع الترقيـــم

فتتضح الأعداد وتستقيم

وفي تعليق منقول عن ترجمة لكتاب الخوارزمي باللغة اللاتينية، يرجع إلى عام 1200م:

"إن الله يتمثَّل في ذلك الصفر، الذي لا نهاية له ولا بداية. وكما لا يمكن للصفر أن يتضاعف أو ينقسم، كذلك الله لا يزيد ولا ينقص. وكما أن الصفر يجعل من الواحد الصحيح عشرة، إن وضع على يمينه، كذلك فإن الله يضاعف كل شيء آلاف المرات، والواقع، إنه يخلق كل شيء من العدم، ويبقيه، إن شاء، ويسيِّره" .

العرب والكسور:

أولاً: الكسور العشرية:

من الأمور المسلَّم بها أن علماء العرب هم الذين ابتدعوا الكسور العشرية، فكان أبو الحسن أحمد بن إبراهيم الإقليدس، هو أول من وضع الكسور العشرية، وكان يكتبها عبارة عن شَرطة تفصل الأرقام الصحيحة عن الكسرية، وذلك في عام 341 هجرية (953 ميلادية) . ولكن الذي أبرزها ونشر استخدامها فهو العالم الرياضي المسلم جمشيد بن محمود غياث الدين الكاشي (المتوفي عام 839 هجرية ـ 1436 ميلادية)، والذي ترك كتاباً يسمى "الرسالة المحيطية"، توصَّل فيه إلى معرفة النسبة بين محيط الدائرة، وقطرها، وهي ما يطلق عليها "ط"، بالكسر العشري، مقربة لستة عشر رقماً عشرياً كالآتي: 2ط= 6.283185071795865 ولم يسبقه أحد في إيجاد هذه النسبة بهذه الدقة المتناهية . ولقد ادعى الغربيون، تعصَّباً، أن العالم الأوروبي ستيفن، هو مبتكر الكسر العشري، رغم أن ستيفن هذا أتى بعد الكاشي بنحو 175 سنة .

وكذلك أدخل الكاشي، في كتابه "مفتاح الحساب"، فصولاً في الكسور الستينية والعشرية واستعمالها. ويوجد من هذا الكتاب عدة مخطوطات. وفي مستهل المخطوطة، وعلى الصفحة الخامسة منها، يذكر الكاشي أنه قد اخترع الكسور العشرية ليسهل الحساب على الذين يجهلون الطريقة الستينية ويذكر في الباب السادس، من المقالة الثالثة، من كتابه مفتاح الحساب، اختراعه للكسور العشرية، وطريقة تحويل الكسور العشرية إلى الستينية، وبالعكس. حيث يقول:

"الباب السادس في تحويل الأرقام الستينية إلى الهندية، وبالعكس، صحاحاً وكسوراً، وتحويل كسورها إلى مخرج آخر، ومعرفة الكسور التي وضعناها على قياس الكسور الستينية. ولنقدِّم هذا لما استخرجنا نسبة المحيط إلى القطر في رسالتنا المسماة بالمحيطية، وبلغنا الكسور إلى التاسعة، أردنا أن نحولها إلى الرقوم الهندية، لئلا يعجز المحاسب، الذي لم يعرف حساب المنجمين. أخذنا كسر المحيط، من مخرج عشرة آلاف مكررَّة خمس مرات، وهذا عدد مجرد؛ فكأننا قسمنا الواحد الصحيح عشرة أقسام، وقسمنا كل عشرة أقسام، ثم كل قسم منها عشرة أقسام، وهكذا بالغاً ما بلغ؛ فسمينا الأقسام الأولى أعشاراً لكونها كذلك، والثانية ثاني الأعشار، والثالثة ثالث الأعشار. وهكذا بالغاً ما بلغ، ليكون مراتب الكسور والصحاح على نسبة واحدة، على قياس المنجمين، وسميناها بالكسور الأعشارية" .

العمليات الحسابية، وطرق إجرائها عند العرب

أتى العرب بطرق جديدة، وأسلوب خاص، في إجراء العمليات الحسابية، منها ما يصلح للتعليم في المراحل الأولية، ومنها ما يصلح لأبعد من ذلك.

توصل علماء العرب إلى طريقة جديدة، في أسلوب سهل ومتميز، في عملية الجمع، فقد وضعوا الآحاد فوق بعض والعشرات فوق بعض.. الخ، ثم جمعوا الآحاد مع بعضها، ووضعوا المحفوظ في سطر خاص تحت العشرات، وكذلك مع المئات، والآلاف، كالمثال التالي:

                   44568
                    9423
                    15087
                    1111           المحفوظات
                    69078          المجموع

أما الطرح، ويسمونه التفريق، فقد اتبعوا فيه طريقة وضع المنقوص منه تحت المنقوص، ثم تدوين الباقي، ثم بدَّلوا الأوضاع فجعلوا المنقوص تحت المنقوص منه، ثم تدوين الباقي مثال:

                   6453                     المنقوص
                    258737                  المنقوص منه
                    252284                  الباقي

أما الضرب، فقد استعمل العرب طرقاً عديدة ومختلفة، في بعضها طرافة وابتكار، يمكن للمعلمين أن يستفيدوا منه وأن يستعملوه في تدريس الحساب للصفوف الابتدائية . ولعل طريقة (الشبكة) من أطرفها وأمتعها، وهي مذكورة في كتاب "الخلاصة" لبهاء الدين العاملي، وفيها تُقسَّم ورقة أو لوح الكتابة إلى مربعات تشبه لوح الشطرنج، وتوصَّل الأقطار. وكمثال على ذلك لضرب 527×432، نتبع الخطوات التالية:

نرسم مستطيلاً، ونكتب العدد 527 فوق المستطيل، والعدد 432 على جانبه، ثم نضرب الأرقام بعضها في بعض، نضرب أول رقم من جانب المستطيل في أرقام العدد الذي يعلوه، ثم ثاني رقم، ثم الثالث، ونضع حواصل الضرب في مربعات في صفوف، ثم نجمع الأعداد، فينتج حاصل الضرب وهو 227664.

وتوجد طرق أخرى، غير هذه الطريقة، في بعضها صعوبة، ولكنها لا تخلو من متاع للذين يهتمون بالرياضيات.

أما القسمة، فكان للعرب طرق متنوعة لإجرائها، فيها تفنن وإبداع، تدل على المدى، الذي وصل إليه العقل العربي في التلاعب بقوانين الضرب والجمع والقسمة. وقد عُثر على مخطوطة قيمة في عام 1971 في لندن، توضح الطريقة التي استعملها المسلمون، وهي أقدم طريقة للقسمة المطولة عُرفت في الدول الإسلامية، ومن أمثلتها:

اقسم 17568 على 472، ولإجرائها نقسم صفحة من الورق إلى أعمدة عددها مساوٍ لعدد الأرقام في العدد المراد قسمته، ويُكتب العدد المراد قسمته في أعلى الصفحة، ويُكتب المقسوم عليه في أسفلها، وذلك بجعل الرقم الأول لكل عدد في الجهة اليسرى في الورقة. فإذا أخذنا في ذلك الجهة اليمنى من الورقة نجد أن ناتج قسمة 1 على 4 هو صفر، لذلك فإن الرقم الأول في المقسوم هو صفر يُكتب تحت آخر رقم من المقسوم عليه. ثم نقسم 17 على 4  ونختار ال 3، ولذلك نكتب ال 3 تحت الرقم الأخير من المقسوم عليه، ثم نضرب 3×4= 12، نضعها تحت 17 في المقسوم، ثم نطرح، فيتبقى لنا 5568، ثم نضرب 3×7= 21، ونضعها تحت 55 ونطرح، يتبقى لنا 3468، ثم نضرب 3×2= 6 ونضعها تحت 6، ثم نطرح فنحصل على 3408، وتتكرر العملية ذاتها، أي بقسمة العدد 3408 على 472 يكون الناتج 37 والباقي 104، وهو موضح في الشكل التالي:

8

6

5

7
2

1
1

8

6

5
1

5
2

 

8

6
6

4

3

 

8

0

4
8

3
2

 

8

0
9

6
4

 

 

8
4

1
1

1

 

 

4

0

1

 

 

2

7

4

 

 

7

3

0

 

 


         

المصدر : مقاتل من الصحراء

www.mokatel.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام