الأرقام

أهمية علم الحساب

   علم الحساب له من الأهمية ما يجعل تاريخه ذا قيمة كبرى، لأنه، لولا ذلك العلم، لظل القدماء في جهل مطبق، ينظرون في بله إلى ظواهر الطبيعة، ولظل القدماء عاجزين عن أن يعيِّنوا الحدود الفاصلة، بين بعضهم البعض، ولظلت طريقتهم، في تسوية خلافاتهم، طريقة بدائية هي طريقة الحرب والقوة، ولولا ذلك العلم، لما سجَّل الإنسان حوادث الزمن، ولما وُجدت التقويمات والنقود والضرائب، ولما تقدم علم الفلك، أو الملاحة، أو وسائل القياس، أو غيرها من العلوم الحديثة.

ونتناول، فيما يلي، الرموز القديمة، التي تخص الأعداد، في بعض الحضارات القديمة:

أولاً: الأعداد عند قدماء المصريين

بدأت الحضارة المصرية في حوالي الألف الرابع، قبل الميلاد، وبدأ المصريون يستخدمون رموزاً للأعداد بالخط الهيروغليفي في حوالي عام 3400 ق.م.

وتمثِّل هذه الرموز الأعداد 1، 10، 100، 1000، 10000، والمليون، أي استخدموا النظام العشري، الذي سبق بيانه، وسجلوا ذلك على الجدران، والأحجار، ثم بعد ذلك استخدموا الخط الديموطيقي. وقد استمد المصريون رموزهم من بيئتهم، فجعلوا الواحد خطاً قائماً 1، والاثنين خطين (11)، إلى تسعة، وجعلوا العشرة باباً مقنطراً ضيقاً، والمائة جزءاً من سلسلة مقياس النيل، والألف عبارة عن زهرة اللوتس، والعشرة آلاف عبارة عن صورة الإصبع، والمائة ألف عبارة عن صورة الضفدع الصغير، وجعلوا العلامة الدالة على المليون رجلاً رفع يديه يتعجب من هذا الشيء الكثير.

وكانوا يكررون كتابة الرموز، فكانوا يكتبون من اليمين إلى اليسار، أو من اليسار إلى اليمين، أو رأسياً من أعلى إلى أسفل. ويسير ترتيب الأرقام من الأصغر إلى الأكبر، فقد ذُكر في إحدى اللوحات الأثرية 123440 رأساً من الماشية، و 223400 حماراً، و 232413 رأساً من الماعز، و 243688 رأساً من الغنم.

أما النظام الذي استخدموه، فهو نظام التجميع البسيط؛ فيكررون الرموز عدداً من المرات لا يزيد على تسعة، ثم ينتقلون بعد ذلك إلى الرمز الذي يليه، فإذا أرادوا كتابة الرقم 13546 مثلا؛ً فإنهم يذكرون الرمز الدال على العشرة آلاف، ثم يكررون رمز الألف ثلاث مرات، ثم رمز المئات خمس مرات، ثم رمز العشرات أربع مرات، ثم رمز الواحد ست مرات، وهكذا.

وليس هناك من ريب في أن مقتضيات الحياة في مصر وجهود المصريين في حل المشاكل المتصلة ببيئتهم، وحرصهم الشديد على ذلك، أوجب ضرورة معرفة الحساب من أجل تنظيم مياه النيل، وقياسها، وضبطها، وتحديد مواسم الزراعة والحصاد، وأعمال المقايضة، والتجارة، وجمع الضرائب العينية، وتقدير أبعاد الأراضي الزراعية، ومساحاتها عند بيعها، وتأجيرها، وتقسيمها، حسب توجيهات الدولة، وتنفيذ المشروعات العامة، كتنفيذ عمليات حفر القنوات، وبناء الأهرامات، وما يتطلبه ذلك من تحديد أعداد العمال، وكميات الطعام اللازمة لهم، والوقت الذي سيستغرقه العمل، وما إلى ذلك، كتغيير حدود الأرض الزراعية بعد موسم الفيضان، فمثلاً إذا ما طاف طائف من الفيضان فأزال حدود الحقل، فإنه لا يمكن إعادتها إلى ما كانت عليه على وجه محقق، إلا إذا كان المرء يعرف مقاييسه بدقة. كما استعمل المصريون الحساب في مسائل تتعلق بأحوالهم المعيشية، في بيوتهم، كعمل الجعة (أي البيرة)، أو مشروب الشعير، والخبز، وتكاليف صنع الحلى.

ومن الجدير بالذكر، في هذا الصدد، ما فعله الفرعون أمنمحات الأول (1991 ـ 1962 ق.م)، حين أرسى سياسة جديدة بين أفراد الأقاليم، منعت التنافس بينهم، وذلك عن طريق إقامة حدود ثابتة بين كل إقليم وآخر، كما سن قانوناً نظَّم به نصيب كل إقليم من مياه النيل الخاصة بريِّ الأرض الزراعية، كما عيَّن تبعية كل قناة بمفردها. وجاء في القرار، الذي أعلنه:

"إن جلالته اعتمد ما هو موجود في السجلات القديمة، وما هو مقرر في النصوص القديمة". وهذا يعني، أنه منذ عهد الدولة القديمة، كانت حدود الأقاليم ثابتة، ومدونة، ويعني بالتالي افتراض وجود سجلات زراعية لأراضي المدن المختلفة، ومناطقها. كما حدد "أمنمحات الأول" كمية المواد الغذائية، التي يتعيَّن على كل إقليم، أن يقدمها، وعدد السفن اللازمة للأسطول، وأعداد أفراد القوات، فقد كان أمراء الأقاليم مكلفين بحشد الجنود الذين يشكلون الجزء الأكبر من القوات المسلحة  

وكان يدخل ضمن إطار الواجبات، الملقاة على عاتق المشرفين على الحقول التابعة للمعابد، ومخازن الغلال، متابعة مقاييس، ومساحة الأراضي التابعة للمعابد. ويظهر على الجدران صور لرئيس الكهنة ممسكاً بعصا طويلة في إحدى يديه، وفي الأخرى أداة الكتابة، يشرف على عملية القياس التي يقوم بها اثنان من العمال، معهما شريط قياس، يصل طوله إلى مائة ذراع، مقسَّم إلى أجزاء باستخدام عقد في أجزاء معينة، لابد وأن تكون إدارة معابد آمون قد تأكدت من صحة قياسها، ودقته.

ومن الجدير بالذكر، كذلك، أن الكهنة لجأوا إلى طريقة يسجلون بها كميات السلع التي يتبادلونها؛ فبدأوا باستخدام وحدات مثل: "سلة من الغلال"، أو "جرة من الخمر"، أو "قطعة من قماش". ثم بعد ذلك، اختاروا الوزن، وكان الميزان على شكل عمود يُحمل على الكتف، ويتدلى ثقل من كلٍ من طرفيه. ولما كان من الضروري تسجيل أعداد الأشياء لتقدير رؤوس الماشية، أو سلال الحبوب، بدأوا بحفر حزَّات على سطح عصا، ثم توصلوا إلى رموز الأعداد، واستخدموا النظام العشري، كما استخدموا العد على الأصابع كذلك، وقد جاء في أحد النصوص، التي عثر عليها في منطقة الأهرامات، أن روح شيطان تحدت فرعونا مصرياً أن يعد أصابعه، ويعرف عددها الصحيح. ثم تطور الأمر إلى استخدام الأحجار في العد، وبعد ذلك، استعاضوا عن الأحجار بالحبات التي تُصَّف كل عشرة منها على سلك، ممثلة بذلك أول آلة حاسبة معداداً، وأخذوا يجرون عمليات الجمع والطرح، ثم توصلوا إلى عمليات الضرب والقسمة، ولكنهم، شأن غيرهم من الشعوب القديمة، جهلوا الصفر.

وكانوا يجرون عمليات الضرب على أساس الجمع، فعلى سبيل المثال، إذا أرادوا ضرب 5×6، فإنهم يجرونها كالتالي:

العمود الأيمن

العمود الأيسر

5

1

10

2

20

4

40

8

يضعون تحت العمود الأيمن (5)، وتحت العمود الأيسر (1)، ثم يضاعفون الرقمين، فيصيرا 10 و 2، ثم يكررون عملية التضعيف على الرقمين الجديدين، فيصيرا 20 و 4، ثم يضاعفونهما، فيصيرا 40 و 8، ثم عندئذ، يتبين لهم أن هناك مجموعة أرقام في العمود الأيسر تساوي رقم المضروب فيه، أي 2+4= 6، ويقابلهما، في العمود الأيمن، 10+20= 30، إذاً يكون 5×6= 30.

مثال آخر:             11 × 14

العمود الأيمن

العمود الأيسر

1

14

2

28

4

56

8

112

حيث نجد في 1، 2، 8، ما يساوي 11، ويقابلها تماماً 14+28+112 ومجموعها 154 فيكون 11 × 14 = 154

والمضاعفة تكون لأي من رقمي الضرب، فيمكن إجراء المسألة السابقة كالتالي

العمود الأيمن

العمود الأيسر

1

11

2

22

4

44

8

88

نجد 2 + 4 + 8 = 14

يقابلها 22 + 44 + 88 = 154

وأما القسمة: فكانت تجرى عكس عملية الضرب، أي أنها كانت تعتمد على مضاعفة المقسوم عليه حتى يتعادل مع القاسم، فتجرى قسمة 154÷14 بأعداد الجدول السابق، ثم جمع ما يقابل مجموع 154، أي 1 + 2 + 8 = 11، فيكون ذلك هو خارج القسمة.

ولتوضيح الفكرة نقدم مثالاً آخر: 539÷49

العمود الأيمن

العمود الأيسر

1

49

2

98

4

196

8

392

نجد أن مجموع 49 + 98 + 392  = 539، فيكون مجموع الأرقام المقابلة لها (1 + 2 + 8 = 11) هو خارج القسمة.

عرف المصريون، أيضاً، مساحة الدائرة، وبعض الأشكال الهندسية الأخرى، وأحجام المكعب، ومتوازي المستطيلات، والأسطوانة. وهذه أهرامهم، ومبانيهم، الباقية بعد آلاف السنين، تشهد ببراعتهم في الرياضيات، وعرفوا أيضاً نظرية فيثاغورس، المتعلقة بالمثلث قائم الزاوية، والمتواليات العددية، والهندسية ، وعرفوا أيضاً الكسور، واتبعوا في جمع الكسور، وضربها، وقسمتها، الطريقة نفسها، التي اتبعوها مع الأعداد الصحيحة.

وقد عُثر على بردية مهمة، يسميها الباحثون بردية رند الرياضية (أو كراسة أحمس)، وهي ترجع إلى عام 1991 ـ 1786 ق.م، وتتضمن مجموعة من الأمثلة النموذجية لمسائل حسابية، وبها جدول يبين نتائج قسمة العدد 2 على المقامات الفردية من 3 إلى 101 في تفصيلات تشير إلى صحة النتائج، التي توصلوا إليها، مع جداول تتضمن نتائج قسمة الأعداد من 1 إلى 9 على العدد 10 معبراً عنها بالكسر ذي بسط الواحد الصحيح، مستهدفاً من ذلك غرضين، أولهما: حفظ نتائج القسمة في كسور مجردة وثانيهما: تقديم مسائل عملية، تستطيع عقلية التلميذ أن تسايرها بعد تقديم البرهان على صحة النتائج. ومن أمثلة ذلك المسألة الرابعة في بردية رايند:

قسّم سبعة أرغفة على عشرة رجال، بحيث يأخذ كل رجل 2/ 3 و 1/ 30

البرهان: اضرب

والحل هو:

1

2

4

8

المجموع 10 يقابل 7 أرغفة، وهذا صحيح وهنا تظهر، مرة ثانية، طريقة المصريين في الضرب عن طريق الجمع.

مثال آخر: كمية وسُبعها يضافان معاً فيصبحان 19 فما هي الكمية؟

الحل:  نفرض أن الكمية        7

فسبعها يساوي               1

المجموع= 7+1=           8

نقسم المجموع الحقيقي على المجموع المفترض فيصير ، ونضاعفه سبع مرات، أي نضربه في 7، فيكون الناتج:

أي أن الكمية المطلوبة هي
ومما ينبغي ملاحظته أن المصريين اشتقوا علامات الكسور من أسطورة دينية عندهم، تحكى أن الإله ست، إله الشر، قطع عين الإله حورس، إله المصريين المحبوب (ابن الإله أوزورويس، إله العدل والعالم السفلي، والإلهة إيزيس المشهورة) إلى أجزاء متفرقة، ثم جمعها إله الطب "تحوت"، وأعادها سليمة مرة أخرى، فوجد أن مجموع أجزائها

ثم بحث عن الجزء الباقي، وأضافه. فتعلم المصريون الكسور من ذلك. وكانوا يفضلون أن يكون البسط هو رقم 1 في معظم الأحوال،

فكانوا إذا أرادوا كتابة كتبوهـــــا أي .

يمكن إجمال النتائج المهمة فيما يتعلق بالمصريين القدماء والأعداد والحساب فيما يلي:

  1. أجمعت المصادر القديمة على أن علم الحساب، والهندسة المترتبة عليه، من وضع المصريين، وإن كان المؤرخ يوسيفوس اليهودي يرى أن إبراهيم ( ) جاء بالحساب من كلديا (أي من أرض الجزيرة العربية إلى مصر). وليس ببعيد أن يكون الحساب، وغيره، قد جاء إلى مصر من كلديا أو غيرها.
  2. حرصت الدولة المصرية، منذ إرساء دعائمها، على استخدام عدد معين من الموظفين والكتبة ذوي الخبرة، يتولون مسح الأرض الزراعية، وتقدير كمية المحاصيل، وتحديد الضرائب عليها، وتحصيلها، وحساب إيراد الدولة، ونفقاتها، فضلاً عن تعيين المهندسين، الذين يتولون منشآتها، وعمائرها، فكان ذلك حافزاً على نشأة علوم المساحة، والهندسة والحساب، ورقيها.
  3. يسَّر للرياضيات المصرية سبيل التقدم عاملان:

أ . عامل قديم:

وهو اهتداء المصريين إلى تصوير رموز مفردة بسيطة، عبروا بها عن العشرات، ومضاعفاتها، إلى المليون، منذ أوائل عصورهم التاريخية. وذلك على خلاف ما جرى عليه أغلب أصحاب الحضارات الأخرى، المعاصرة لهم، أو جاءوا بعدهم، والذين اعتادوا على أن يعبروا عن مضاعفات العشرات بكلمات هجائية، تتكون كل منها من عدد من الحروف، والمقاطع الصوتية، خلال عصور طويلة من التاريخ.

ب . أما العامل الآخر:

فهو تعدد المشكلات الحسابية، والمساحية، التي استمرت تشغل الكتبة المصريين، خلال مسح الحدود الزراعية، ومساحاتها، عند بيعها، وتأجيرها، وتقسيمها، باسم الدولة، وعند تقدير الضرائب عليها، وعلى محاصيلها. ثم تعدد المشكلات الهندسية، التي استمرت تشغل المهندسين والفنيين، عند تصميم المنشآت المعمارية الضخمة الكثيرة.

  1. كانت براعتهم، في الحساب، دافعاً لعمل التقاويم، ونشأة علم الفلك، الذي تتطلبه هذه التقاويم. ولا بد أن المصري القديم أولى بعض اهتمامه إلى النجوم والكواكب، ومع معرفة الزراعة، أصبح من اللازم معرفة مواعيد البدء في الاستعداد لمواسم الزراعة. وبدأوا تقسيم السنة إلى ثلاثة فصول، في كل واحد منها أربعة شهور، أولها: فصل ارتفاع النيل، وفيضانه وانحساره، وثانيها: فصل الربيع، وهو فصل الزرع، وكان ظهور طائر الوقواق بشرى بمقدم الربيع، ولذا قدَّسوا هذا الطائر. وثالثها: فصل الحصاد. وكانت عدة كل شهر، من شهورهم، ثلاثين يوماً، لأن هذا العدد هو أقرب الأعداد السهلة إلى طول الشهر القمري، الذي يبلغ تسعة وعشرين يوماً ونصف يوم. وكانوا يضيفون، بعد آخر الشهر الثاني عشر، خمسة أيام، حتى تتفق السنة، في الحساب، مع فيضان النهر، ومع مواقع الشمس. واختاروا، لبدء السنة، اليوم الذي يصل فيه النيل، أي ابتداء الفيضان، الذي تتوقف عليه حياة البلاد، والذي كانت تبزغ فيه، فوق الأفق، مع إشراقة الشمس، في وقت واحد، النجمة سوتيس (أي الشعرى) رمز إيزيس. ولمَّا كان التقويم المصري يجعل السنة 365 بدلاً من 365 ; فقد ترتب على ذلك ازدياد الفرق بين شروق الشمس ، وبزوغ الشعرى ليكمل يوماً تاماً، في كل أربع سنين . ولم يصحح المصريون هذا الخطأ قط، حتى جاء فلكيو الاسكندرية اليونانيون، فأصلحوه، بأمر يوليوس قيصر، في عام 46 ق.م، وذلك بإضافة يوم، بعد كل أربع سنين .

جدير بالملاحظة أن المصريين توصَّلوا إلى اختراع الساعة المائية، منذ زمن بعيد، وكانوا يقولون إن الإله "تحوت"، هو الذي أنعم عليهم، وهداهم إليها. وأقدم الساعات الموجودة لدينا يرجع عهدها إلى أيام الفرعون تحتمس الثالث، وهي الآن في متحف برلين، وتتكون من لوح خشبي، مقسم إلى ستة أقسام، تمثل ست ساعات، وفوقه لوح خشبي آخر مستعرض، وقد وضع بحيث ينعكس ظله على اللوح الخشبي الأول، ويتحرك الظل، مع تواصل النهار.


         

المصدر : مقاتل من الصحراء

www.mokatel.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام