|
السبع المثاني ليست سورة الفاتحة هكذا يفاجئنا بحث في شكل كتاب يتناول البسملة في جزءه الأول بالتحليل ، ثم يسلط الضوء على العلاقة بين الفاتحة والسبع المثاني ، حتى يتوصل إلى أن السبع المثاني ليست الفاتحة كما هو مبين من عنوانه ، وليس هذا فحسب بل يستنتج المؤلف بأن السبع المثاني هي الفواتح النورانية والتي هي عبارة عن كلمات من اللغة المصرية القديمة. نحن موقع الأرقام لا يعنينا هذا البحث كونه ليس عدديا ، ولكن لتعرضه للحروف النورانية (والتي أفردنا لها العدد الكبير من الروابط) نرى بأنه استكمالا لذلك علينا التعرض لذلك ، هذا أولا . وثانيا لأن البحث يحتوي على الكثير من اللمسات البيانية في التعرض لبعض ألفاظ القرآن الكريم ، وهو ما يساهم في إثراء المتابع ، باعتبار أن كل ما نقوم بتلخيصه وتقديمه من هذا البحث ما هو إلا إنعكاسا لوجهة نظر المؤلف ، يقبلها من يشاء ويرفضها من يشاء. ويكون تقديمنا كالتالي :
أولا : المدخل : (ملخص يسير عن البسملة) : بعد مطالعتنا لما قدمه المؤلف عن (البسملة) نلخصه لكم في الآتي : قسم المؤلف الأقوال المختلفة حول البسملة إلى تسعة فروع ، وهي كالتالي :
وخلاصة القول في كل هذه المقابلة الواضحة بين المذاهب المختلفة الأربعة والشيعة :
------------------------ ونريد في ساحة هذا الصراع أن نشير إلى عدة نقاط مهمة تحسم القضية ، ومنها أن البسملة وطبقا لما ذكر من أحاديث ربما لم تكتب إلا بعد نزول سورة النمل بآيتها (إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (30) سورة النمل) ، وقد تنزلت سورة الفاتحة كخامس سورة تتنزل من القرآن بعد سورة العلق والقلم والمزمل والمدثر ، بينما تنزلت سورة النمل في الترتيب (48) ، ربما بعد عدة سنوات من تنزيل الفاتحة . فنقول لأصحاب الرأي بأن البسملة آية من الفاتحة كيف كانت سورة الفاتحة عند تنزيلها بغير البسملة ؟ !!! . والقول بأن البسملة تيجان السور وهي فواصل بين السور قول له منطقه سواء أثناء تنزيل القرآن أو في مرحلة تدوينه ، ولم يرد أن عدت البسملة آيات . إذا كانت البسملة من القرآن فالقرآن لا يثبت بأخبار الآحاد ، ولا بالنظر أو الاستدلال ، بل يتم بالنقل المتواتر القطعي الاضطراري . الصراع بين السنة والشيعة ظهر أيضا في قضية البسملة ، فالشيعة تقول بأن البسملة آية من الفاتحة ، والسنة لا تريد أن تتابع الشيعة كما هو الحال في باقي القضايا ، فالأمر لا يخرج عن كونه سياسة فلا يجب أن تكون السياسة هي المعيار في قضايا القرآن الكريم ، ولا يجب أن يكون الدين هو ساحة الاقتتال بين الفريقين . في ذات الوقت يريدون أن يثبتوا البسملة في الفاتحة من أجل ان الفاتحة هي السبع المثاني ، تناقض عجيب في كلا الموقفين لا يفيد إلا محاولة "فبركة" أدلة تثبت أن الفاتحة هي السبع المثاني ، بينما هي في الحقيقة شيء آخر غير سورة الفاتحة . أما الأحاديث التي توضع من كل فريق للدفاع عن وجهة نظر أي من الفريقين فتلك مسألة خطيرة يجب التصدي لها بكل الحسم . وهو بعينه ما حذر منه الرسول (ص) وقد توعد بصريح العبارة كل من يكذب عليه . كما أن مسألة وضع أحاديث مضمونها المفاضلة بين آية وباقي القرآن ، أو بين سورة وباقي سور القرآن فهو مسألة يرفضها الدين كما يرفضها المنطق ، فكلام الله كله هو كلام الله ، ولا يوجد آية أفضل من آية أو سورة أفضل من سورة . اقتطاع بعض الفقرات من كتاب (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة) :
ثانيا : السبع المثاني ليست الفاتحة وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ {87} * الحجر .
القرطـبي : * اختلف العلماء في السبع المثاني ؛ فقيل الفاتحة ؛ قاله علي بن أبي طالب وأبو هريرة والربيع بن أنس وأبو العلية والحسن وغيرهم ، وروي عن النبي (ص) من وجوه ثابتة ، من حديث أبيّ بن كعب وأبي سعيد بن المعلّى ، وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله (ص) "الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني" ، قال : هذا حديث حسن صحيح ، وهذا نص ، وقال الشاعر : نشدتكم بمنزل القرآن * أم الكتاب السبع من مثاني وقال ابن عباس : هي السبع الطوال : البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة معا ، إذ ليس بينهما التسمية . روى النسائي حدثنا علي حجر أخبرنا شريك عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله عز وجل (سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي) قال : السبع الطوَل ، وسميت مثاني لأن العبر والأحكام والحدود ثنيت فيها . وأنكر قوم هذا وقالوا: أنزلت هذه الآية الكريمة بمكة، ولم ينزل من الطوّل شيء إذ ذاك، وأجيب بأن الله تعالى أنزل القرآن إلى السماء الدنيا ثم نزله منها نجوما (منجماً)، فما أنزله إلى السماء الدنيا فكأنما آتاه محمدا - صلى الله عليه وسلم - وإن لم ينزل عليه بعد، وممن قال إنها السبع الطوال: عبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر وسعيد بن جبير ومجاهد، وقال جرير: جزى الله الفرزدق حين يمسي * مضيعاً للمفصل والمثاني وقبل : المثاني القرآن كله ، قال الله تعالى : {....... كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ .......} (23) سورة الزمر، هذا قول الضحاك وطاؤوس وأبي مالك ، وقاله ابن عباس ، وقيل له مثاني لأن الأنباء والقصص ثنيت فيه ، وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثى رسول الله (ص) : فقد كان نورا ساطعا يهتدى به * يخص بتنزيل القرآن المعظم وقيل: المراد بالسبع المثاني أقسام القرآن من الأمر والنهي والتبشير والإنذار وضرب الأمثال وتعديد نعم وأنباء قرون, قاله زياد بن أبي مريم. والصحيح الأول لأنه نص، وقد قدمنا في الفاتحة أنه ليس في تسميتها بالمثاني ما يمنع من تسمية غيرها بذلك، إلا أنه إذا ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وثبت عنه نص في شيء لا يحتمل التأويل كان الوقوف عنده. قوله تعالى : { والقرآن العظيم} فيه إضمار تقديره: وهو أن الفاتحة هي القرآن العظيم لاشتمالها على ما يتعلق بأصول الإسلام. وقيل: الواو مقحمة، التقدير: ولقد آتيناك سبعا من المثاني القرآن العظيم، ومنه قول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وقد تقدم عند قوله " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (88) سورة الحجر فيه مسألتان: - الأولى قوله تعالى: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} المعنى: قد أغنيتك بالقرآن عما في أيدي الناس، فإنه ليس منا من لم يتغن بالقرآن، أي ليس منا من رأى أنه ليس يغنى بما عنده من القرآن حتى يطمح بصره إلى زخارف الدنيا وعنده معارف المولى، يقال: إنه وافى سبع قوافل من البصرة وأذرعات ليهود قريظة والنضير في يوم واحد، فيها البر والطيب والجوهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى: " ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم" أي فهي خير لكم من القوافل السبع، فلا تمدن أعينكم إليها. ومعنى { أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ } أي أمثالا في النعم، أي الأغنياء بعضهم أمثال بعض في الغنى فهم أزواج. - الثانية: هذه الآية تقتضي الزجر عن التشوف إلى متاع الدنيا على الدوام، وإقبال العبد على مولاه، ومثله {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} (131) سورة طـه الفخر الرازي: مفاتيح الغيب قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ {87} {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (88) سورة الحجر اعلم أنه تعالى لما صبّر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أذى قومه وأمره بأن يصفح الصفح الجميل أتبع ذلك بذكر النعم العظيمة التي خص الله تعالى محمدا - صلى الله عليه وسلم - بها، لأن الإنسان إذا تذكر كثرة نعم الله عليه سهل الصفح والتجاوز. وفي الآية مسألتان: - المسألة الأولى: اعلم أن قوله تعالى {آتَيْنَاكَ سَبْعاً } يحتمل أن يكون سبعاً من الآيات وأن يكون سبعاً من السور وأن يكون سبعاً من الفوائد، وليس في اللفظ ما يدل على التعيين. وأما المثاني: فهو صيغة جمع، واحده مثناة، والمثناة: كل شيء يثنى أي يجعل اثنين، من قولك: ثنيت الشيء إذا عطفته أو ضممت إليه آخر، ومنه يقال لركبتي الدابة ومرفقيها مثاني لأنها تثنى بالفخذ والعضد، ومثاني الوادي معاطفه. إذا عرفت هذا فنقول: سبعاً من المثاني مفهومه سبعة أشياء من جنس الأشياء التي تثنى، ولا شك أن هذا القدر مجمل ولا سبيل إلى تعيينه إلا بدليل منفصل. وللناس فيه أقوال: القول الأول: وهو قول أكثر المفسرين: أنه فاتحة الكتاب، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة والحسن وأبي العالية ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ الفاتحة وقال: هي السبع المثاني، رواه أبو هريرة، والسبب في وقوع هذا الاسم على الفاتحة أنها سبع آيات. - وأما السبب في تسميتها بالمثاني فوجوه: الأول: أنها تثنى في كل صلاة، بمعنى أنها تقرأ في كل ركعة. الثاني: قال الزجاج: سميت مثاني لأنها يثنى بعدها ما يقرأ معها. الثالث: سميت آيات الفاتحة مثاني، لأنها قسمت قسمين اثنين، والدليل عليه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... والحديث مشهور. الرابع: سميت مثاني لأنها قسمان: ثناء ودعاء، وأيضاً النصف الأول منها حق الربوبية وهو الثناء، والنصف الثاني حق العبودية وهو الدعاء. الخامس: سميت الفاتحة بالمثاني لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة في أوائل ما نزل من القرآن ومرة بالمدينة. السادس: سميت بالمثاني لأن كلماتها مثناة مثل { الرحمن الرحيم } و {إياك نعبد وإياك نستعين } و { اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين ..... }. السابع: قال الزجاج: سميت الفاتحة بالمثاني لاشتمالها على الثناء على الله عز وجل وهو حمد الله وتوحيده وملكه. واعلم: أنا إذا حملنا قوله تعالى: {سَبْعاً مِّنَ الْمَثَانِي } على سورة الفاتحة فههنا حكمان: -الحكم الأول: نقل القاضي عن أبي بكر الأصم أنه قال: كان ابن مسعود لا يكتب في مصحفه فاتحة الكتاب رأى أنها ليست من القرآن. وأقول: لعل حجته فيه أن السبع المثاني لما ثبت أنه هو الفاتحة، ثم إنه تعالى عطف السبع المثاني على القرآن، ولما كان المعطوف مغايراً للمعطوف عليه وجب أن يكون السبع المثاني غير القرآن، إلا أن هذا يشكل بقوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ .......} (7) سورة الأحزاب ، وكذلك قوله تعالى: { وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ .......} البقرة 98. وللخصم أن يجيب بأنه لا يبعد أن يذكر الكل، ثم يعطف عليه ذكر بعض أجزائه وأقسامه لكونه أشرف الأقسام. أما إذا ذكر شيء ثم عطف عليه شيء آخر كان المذكور أولاً مغايراً للمذكور ثانياً، وههنا ذكر السبع المثاني، ثم عطف عليه القرآن العظيم، فوجب حصول المغايرة. والجواب الصحيح: أن بعض الشيء مغاير لمجموعه، فلم لا يكفي هذا القدر من المغايرة في حسن العطف؟ - الحكم الثاني: أنه لما كان المراد بقوله تعالى { سبعاً من المثاني } هو الفاتحة، دل على أن هذه السورة أفضل سور القرآن من وجهين: أحدهما: أن إفرادها بالذكر مع كونها جزءاً من أجزاء القرآن، لا بد وأن يكون لاختصاصها بمزيد الشرف والفضيلة. ثانيهما: أنه تعالى لما أنزلها مرتين دل ذلك على زيادة فضلها وشرفها. وإذا ثبت هذا فنقول: لما رأينا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واظب على قراءتها في جميع الصلوات طول عمره، وما أقام سورة أخرى مقامها في شيء من الصلوات دل على أنه يجب على المكلف أن يقرأها في الصلاة وأن لا يقيم سائر آيات القرآن مقامها وأن يحترز عن هذا الإبدال فإن فيه خطراً عظيماً. القول الثاني: في تفسير قوله تعالى { سبعاً من المثاني} أنها السبع الطوال، وهذا قول ابن عمر وسعيد بن جبير في بعض الروايات ومجاهد وهي: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة معاً، قالوا: وسميت هذه السور مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر ثنيت فيها. وأنكر الربيع هذا القول وقال: هذه الآية مكية، وأكثر هذه السور السبعة مدنية ، وما نزل شيء منها في مكة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية عليها. وأجاب قوم عن هذا الإشكال بأن الله تعالى أنزل القرآن كله إلى السماء الدنيا، ثم نزله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - منها منجماً، فلما أنزله إلى السماء الدنيا وحكم بإنزاله عليه، فهو من جملة ما آتاه، وإن لم ينزل عليه بعد. ولقائل أن يقول: إنه تعالى قال: {ولقد آتيناك سبعاً من المثاني} وهذا الكلام إنما يصدق إذا وصل ذلك الشيء إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فأما الذي أنزله إلى السماء الدنيا وهو لم يصل بعد إلى محمد - صلى الله عليه وسلم، فهذا الكلام لا يصدق فيه. وأما قوله بأنه لما حكم الله تعالى بتنزيله على محمد - صلى الله عليه وسلم - كان ذلك جارياً مجرى ما نزل عليه فهذا أيضاً ضعيف، لأن إقامة ما لم ينزل عليه مقام المنزل عليه مخالف للظاهر. القول الثالث: في تفسير السبع المثاني أنها هي السور التي هي دون الطوال والمئين وفوق المفصل، واختار هذا القول قوم واحتجوا عليه بما روى ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنحيل وأعطاني المثاني مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصل. قال الواحدي: والقول في تسمية هذه السور مثاني كالقول في تسمية الطوال مثاني، وأقول إن صح هذا التفسير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا غبار عليه وإن لم يصح فهذا القول مشكل، لأنا بينا أن المسمى بالسبع المثاني يجب أن يكون أفضل من سائر السور، وأجمعوا على أن هذه السور التي سموها بالمثاني ليست أفضل من غيرها، فيمتنع حمل السبع المثاني على تلك السور. القول الرابع: أن السبع المثاني هو القرآن كله، وهو منقول عن ابن عباس في بعض الروايات وعن طاؤوس، قالوا ودليل هذا القول قوله تعالى {......كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ......} الزمر 23، فوصف كل القرآن بكونه مثاني. ثم اختلف القائلون بهذا القول في أنه ما المراد بالسبع، وما المراد بالمثاني؟ أما السبع فذكر فيه وجوهاً: - أحدها: أن القرآن سبعة أسباع - ثانيها: أن القرآن مشتمل على سبعة أنواع من العلوم: التوحيد، النبوة، المعاد، القضاء والقدر، أحوال العالم، القصص، التكاليف. - ثالثها: أنه مشتمل على الأمر، والنهي، والخبر، والاستخبار، والنداء، والقسم، والأمثال. وأما وصف كل القرآن بالمثاني، فلأنه كرر فيه دلائل التوحيد والنبوة والتكاليف، وهذا القول ضعيف أيضاً لأنه لو كان المراد بالسبع المثاني القرآن، لكان قوله تعالى {والقرآن العظيم} عطفاً للشيء على نفسه، وذلك غير جائز. وأجيب عنه بأنه إنما حسن إدخال حرف العطف فيه لاختلاف اللفظين كقول الشاعر: إلى المك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم واعلم أن هذا وإن كان جائزا لأجل وروده في هذا البيت إلا أنهم أجمعوا على أن الأصل خلافه. القول الخامس: يجوز أن يكون المراد بالسبع المثاني: سورة الفاتحة، لأنها سبع آيات، ويكون المراد بالمثاني كل القرآن ويكون التقدير، ولقد آتيناك سبع آيات هي الفاتحة وهي من جملة المثاني الذي هو القرآن العظيم، وهذا القول عين الأول والتفاوت ليس إلا بقليل. لفظ " من " في قوله تعالى {سبعاً من المثاني} قال الزجاج: فيه وجهان؛ - أحدها: أن تكون للتبعيض من القرآن، أي ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى وآتيناك القرآن العظيم. - ثانيهما: قال ويجوز أن تكون "من " صلة، والمعنى: آتيناك سبعاُ هي المثاني كما قال تعالى {.......فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ .......} (30) سورة الحـج، والمعنى اجتنبوا الأوثان، لا أن بعضها رجس. أما قوله تعالى: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} فاعلم أن الله تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين، وهو أنه آتاه سبعاً من المثاني والقرآن العظيم، نهاه عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها. أما قوله {أزواجاً منهم} قال ابن قتيبة: أي أصنافاً من الكفار، والزوج في اللغة: الصنف. ثم قال تعالى {ولا تحزن عليهم} إن لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون. والحاصل أن قوله تعالى {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم} نهي له عن الالتفات إليهم وأن يحصل لهم في قلبه قدر ووزن. وننوه بعد كل هذا الكلام إلى مسألة لغوية هي في غاية الأهمية لعلم التفسير إن لم تكن هي الأهم: الفروق في اللغة: إن الكثير من الناس يأت الكلام المملوء حكما ً ونصحاً وطرافة وظرفاً، ولكن ينسى أو يجهل الكثير من معاني الأسماء والصفات أو معاني الأفعال والحروف، ولذلك يقع في الخطأ من لا يعرف الفرق بين اسم واسم أو صفة وصفة، أو حين يذكر فعلاً مكان فعل أو يجعل حرفاً مكان حرف. ولا شك أن هذا يعتبر خللا ً في التعبير وعيباً في الكتابة وخطأ في الخطابة. وقد ألف العلماء كتباً في الفروق اللغوية، ومن أحسن من ألف في ذلك الإمام الأديب اللغوي أبو هلال الحسن بن عبدالله بن سهل العسكري، فقد ألف سنة 395 هجرية كتاباً في ذلك سماه ( الفروق اللغوية) ذكر فيه أن اختلاف العبارات والأسماء موجب لاختلاف المعاني في كل لغة فقال " الشاهد على أن اختلاف العبارات والأسماء يوجب اختلاف المعاني أن الاسم كلمة تدل على معنى دلالة الإشارة، وإذا أشير إلى الشيء مرة واحدة فعرف، فالإشارة إليه ثانية وثالثة غير مفيدة، وواضع الكلمة حكيم لا يأتي فيها بما لا يفيد، فإن أشير منه في الثاني والثالث إلى خلاف ما أشير إليه في الأول كان ذلك صواباً. فهذا يدل على أن كل اسمين يجريان إلى معنى من المعاني في كل لغة فقال: الشاهد على أن اختلاف العبارات والأسماء يوجب اختلاف المعاني وعين من الأعيان في لغة و& |