فاتحة سورة "طه" (الحلقة الثالثة)
عطية زاهدة
بسم الله الرحمنِ الرحيم
"طه. ما أنزلنا عليكَ القرآنَ لتشقى. إلّا تذكرةً لِمنْ يخشى" (طه :1-3) - ما "طه" ؟
يبدو من سياقِ الآياتِ التاليةِ لها أنَّ اللهَ تعالى يريدُ أنْ يسرّيَ عن رسولِهِ ، يريدُه أنْ لا يشقَّ على نفسِهِ ، وأنْ لا يشقى ، وأنْ لا يبخعَها تأثُّراً من عدمِ استجابةِ قومِهِ للإيمان .. يريدُ منه أنْ يدعوَهم لعلّهم يهتدونَ .. كأنّهُ يعاتبهُ لمصلحتِهِ : "إنْ عليكَ إلّا البلاغ" .. "وإنَّ عليْنا لَلْهدى".. "إنّكَ لا تهدي مَنْ أحبَبتَ ولكنَّ الله يهدي مَنْ يشاءُ".. "إنْ تحرصْ على هداهم فإنَّ اللهَ لا يهدي مَنْ يُضِلُّ".
مناسبةُ الخطابِ ؟ ..
نعودُ للسؤالِ : ما "طه" ؟
فَلْننظُرْ في الآيةَ الثانيةَ : "ما أنزلْنا عليك القرآنَ لِتَشقى" .. لقد جاءت "ما" النافية بدايةً لها.. وفي الآيةِ الثانية نفسِها يوجدُ خطابٌ للرسولِ عليْهِ السلامُ : "عليْكَ ..... لِتَشقى".
فكيفَ تأتي "ما" النافيةُ في حالةِ الخطابِ؟
ما الذي يسبقُ "ما" النافيةَ في حالةِ الخطابِ؟
تأتي"ما" النافيةُ في حالةِ الخطابِ منعقدةً معَ النداءِ أوْ معَ القسمِ ، أيِ العادةُ هيَ أنْ يسبقَ "ما" النافية في حالةِ الخطابِ :
1- إمّا نداءُ المنادى الذي تتمُّ مخاطبتُهُ : "يا أختَ هارونَ ما كانَ أبوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وما كانتْ أُمُّكِ بَغِيّاً" (مريم : 28) .
2- وإمّا قسَمٌ يقوّي النفيَ ويعزّزُ الطلبَ ، أوْ يؤكِّدُ موضوعَ الإخبارِ ، أوْ ليثيرَ الاهتمامَ في نفسِ المخاطَبِ : "... واللهِ ربِّنا ما كنّا مشركين" (الأنعام : 32) ، "قالوا تاللهِ لقدْ علمتم ما جِئْنا لِنُفسِدَ في الأرضِ وما كنّا سارقينَ"(يوسف : 73).
والإحساسُ باحتمالِ أنْ تكونَ "طه" هيَ المنادى ، قدْ أوصلَ البعضَ للقولِ بأنَّ "طه" هيَ اسمٌ من أسماءِ النبيِّ عليْهِ السلامُ .. ووصلَ الأمرُ بالمسلمينَ أنْ يسمّوا أبناءَهم بهذيْن الحرفيْنِ "طه" تيمُّناً بهما باعتبارِهِما اسماً لنبيّهم ، صلواتُ الله عليْهِ وسلامُهُ. ورَغْمَ توارُثِ هذا الحِسْبانِ ، إلّا أنَّه لا يوجدُ أيُّ روايةٍ عنِ الرسولِ بأنَّهُ قدْ نوديَ بهِ ، أوْ قالَ بأنَّهُ اسمٌ منْ أسمائِهِ. ولا أدري في أيِّ تاريخٍ قْدْ وُلِدَ أوّلُ أبناء المسلمينَ الذي جعلوا "طه" اسماً لهُ. هل كانَ في عصرِ بني أميّةَ؟
وعلى كلِّ حالٍ ، فسياقُ بداياتِ السورةِ يوحي أنَّ الآياتِ الثلاثَ تحملُ تذكيراً للرسولِ بأنَّهُ لا يملكُ هدايةَ أحدٍ إلَا أنْ يشاءَ اللهُ تعالى.
أينَ الحلُّ ؟
قلتُ إنَّ هناكَ احتمالاً بأنْ يكونَ قد سبقَ النفيَ قسَمٌ أو قسمانِ . فما تُراهُ يكونُ ، أوْ يكونانِ؟
إنَّهُ القسمُ بطورِ الهدى : (وطورِ الهدى) ، أو القسمانِ بالطورِ وبالهدى : (والطورِ والهدى).
"طه. (وطورِ الهدى). ما أنزلنا عليكَ القرآنَ لِتشقى"..
"طه. (والطورِ والهدى). ما أنزلنا عليكَ القرآنَ لِتشقى"..
فلماذا تمَّ التقديرُ من الطورِ والهدى؟
1- قلنا إنَّ السياقَ هوَ في الحديثِ عنْ أنَّ تحقيقَ الهدى للناسِ ليسَ من الحتْمِ المقضيِّ على الرسولِ ، عليهِ السلامُ ؛ فما هوَ عليْهم بحفيظٍ ، ولا بمسيطرٍ ، ولا بوكيلٍ .. ليسَ عليْهِ أنْ يخلقَ استجابةً لدعوتِهِ في نفوس قومِهِ : "فذكِّرْ إن نفعتِ الذكرى" (الأعلى :9 ).. "إنَّما أنتَ منذرٌ ولكلِّ قومٍ هادٍ" (الرعد : 7).
"ومَنْ أظلمُ مِمَّنْ ذُكِّّرَ بآياتِ ربِّهِ فأعرضَ عنها ونسيَ ما قدّمتْ يداهُ إنّا جعلْنا على قلوبِهم أكنّةً أنْ يفقهوهُ وفي آذانِهم وَقْراً وإنْ تدْعُهم إلى الهدى فلنْ يهتدوا إذاً أبداً" (الكهف : 46).. فالقرآنُ تذكرةٌ لأنَّ فيهِ الهدى.
2- وكانتْ قصصُ الأنبياءِ تأتي للتسريةِ عنهُ وتسليتِهِ ، وللتدليلِ على أنَّه ما يُقالُ لهُ إلّا ما قدْ قيلَ لهم من قبلُ ، ففي السورةِ نفسِها : "كذلكَ نقصُّ عليْكَ مِنْ أنباءِ ما قدْ سبقَ وقدْ آتيْناكَ من لَدُنّا ذكْراً"(99).
3- وقدْ وردَ في أوائلِ السورةِ تذكيرٌ بالطورِ من خلالِ ذكر الوادي المقدسِ "طُوى"حيثُ ترجّى موسى أنْ يجدَ الهدى : "وهلْ أتاكَ حديثُ موسى . إذْ رأى ناراً فقالَ لأهلِهِ: امكُثوا إنّي آنسْتُ ناراً لعلّي آتيكم منها بقبَسٍ أو أجدُ على النارِ هدىً" (9-10) ، وأمّا في سورةِ القصصِ فيقولُ الله تعالى : " فلمّا قضى موسى الأجلَ وسارَ بأهلِهِ آنسَ من جانبِ الطورِ ناراً قالَ لأهلِهِ: امكُثوا إنّي آنسْتُ ناراً لعلّي آتيكم منها بخبَرٍ أوْ جذوةٍ من النارِ لعلّكم تصطلونَ"(آية 29).
4- وذُكِرَ الطورُ في الآيةِ 80 من السورةِ نفسِها حيثُ جاءَ في السورةِ حديثٌ عن موسى عليهِ السلامُ وما كانَ من عنادِ قومِه. وذِكْرُ موسى في تفانيهِ لهدايةِ بني إسرائيلَِ مرتبطٌ بالطورِ: "يا بني إسرائيلَ قدْ أنجيْناكم من عدوِّكم وواعدْناكم جانبَ الطورِ الأيمنَ ونزَّلْنا عليكمُ المنَّ والسلوى" (80).. فما من رسولٍ إلّا كانَ حريصاً على أنْ يهتديَ قومُهُ ، ولا يألو جهداً في العملِ على هداهم وطلبِ الآياتِ الهاديةِ لهم . فها هوَ موسى من قبْلِكِ قدْ شهدَ قومُهُ الآياتِ تتنزّلُ عليهم ، والطورَ يرتفعُ فوقَهم ، فاهتدوْا إلى حينِ . ولكنّهم ، كثيراً منهم ، قد عادوا للضلالِ : "قالَ يا هرونُ ما منعَكَ إذْ رأيتَهم ضلّوا . ألّا تَتَّبعنِ؟! أفعصيْتَ أمري؟" (92-93) .. لقدْ كانَ موسى في حالةٍ غضبٍ وأسَفٍ، وأخذَ برأسِ أخيهِ يجرُّهُ إليْهِ. كادَ يشقى ، كادَ يبخعُ نفسَهُ على آثارِهم ليهتدوا ، ولكنّهم اتّبعوا الهوى فعادوا ، كثيرٌ منهم ، مغضوباً عليهم . والمحصّلةُ من القصّةِ هيَ أنْ تكونَ عبرةً للرسولِ في ضرورةِ أنْ يجنّبَ نفسَهُ الشقاءَ ؛ لأنَّ الشقاءَ من عواقبِ الضلالِ؛ فليسَ محموداً منهُ أنْ يحرصَ على هداهم إلى حدِّ أنْ يشقى هوَ فيُضيعَ هداهُ : ".. فإمّا يأتينّكم منّي هدىً فمنِ اتّبعَ هدايَ فلا يضلُّ ولا يشقى" (123).. فالأوْلى بهِ أنْ يحرصَ على هدى نفسِهِ أوّلاً : "طه. ما أنزلْنا عليْكَ القرآنَ لِتشقى"، بلْ أنزلَهُ ليكونَ بهِ أوّلَ مَنْ يتّبِعُ هداهُ.. وفي ذكرِ الطورِ في قصّةِ بني إسرائيلَ تذكيرٌ بأنَّ الأصلَ في الهدى هوَ أنْ يكونَ عنْ طريقِ الخشيةِ بالتذكرةِ وليسَ بالضرورةِ عنْ طريقِ الآياتِ الماديّةِ: "لعلّكَ باخعٌ نفسَكَ ألاّ يكونوا مؤمنينَ . إنْ نشأْ نُنّزِّلْ عليهم آيةً من السماءِ فظلّتْ أعناقُهم لها خاضعينَ" (الشعراء: 3-4).
5- في مجيءِ كلمةِ "الهدى" يتمُّ التساوقُ معَ رؤوسِ الآياتٍ، ويتمُّ تناسبُ الفواصل : (الهدى) ، تشقى، يخشى، العُلى، استوى،الثّرى، أخفى، الحُسنى،...
6- وردَ القسَمُ بالطورِ في قولِ اللهِ تعالى "والطور . وكتابٍ مسطور" في سورةِ "الطور".. وهذا الكتابُ المسطورُ الذي قد يكون التوراةَ هوَ هدى .. وقد بيّنَ القرآنُ في غيرِ آيةٍ أنَّ التوراةَ نورٌ وهدى.
7- الهدى هوَ اسمٌ للتوراةِ : "وآتَيْنا موسى الهدى" (غافر : 51).
8- وقدْ جاءتِ "اهتدى" آخرَ كلمةٍ في السورة : "قلْ كلٌّ متربّصٌ فتربّصوا فستعلمونَ مَنْ أصحابُ الصراطِ السويِّ ومَنِ اهتدى". وكذلكَ تكرّرَ في السورة ذكرُ الهدى ، وهدى ، واهتدى بشكلٍ لافتٍ للنظرِ (في الآيات: 47، 50، 79، 82، 122، 123، 128، 135).
9- يوجدُ في سورةِ "الطورِ" كثيرٌ ممّا يذكِّرُ بسورةِ "طه" .. من الأمرِ بالتذكيرِ والتسبيحِ ، وطلبِ الصبر ، ومن القولِ بالتربُّصِ وغيرِ ذلكَ.
10- يقولُ اللهُ تعالى في الآيةِ "123" من سورةِ "طه" نفسِها : "..... فإمّا يأتينّكم منّي هدىً فمنِ اتّبعَ هدايَ فلا يضلُّ ولا يشقى".. فهنا قدِ ارتبطَ انتفاءُ الشقاءِ بوجودِ الهدى . فناسبَ هذا أنْ يكونَ الهدى مُشاراً إليْهِ قبلَ قولِهِ: "ما أنزلنا عليكَ القرآنَ لِتشقى"، أيْ إنّ في "طه" نفسِها تذكرةً بالهدى. أليستِ الهاءُ بكافيةٍ للتذكرةِ بالهدى؟
11- وقدْ يسألُ بعضُنا : كيفَ سيكونُ سعيُهُ لهداهم هوَ ممّا يُشقيهِ ؟..
ذلكَ لأنَّ شدّةَ الحرصِ على هداهم إذا لمْ تعملْ في هدايتِهم فعليّاً فإنَّها ستكونُ سبباً في أنْ يصيرَ غضبانَ أسِفاً فيبخعَ نفسَهُ ويهلكَها.. فمَنْ يغضَبْ يعطَبْ ومنْ يأسفْ يخسَفْ.
12- ولا ريْبَ أنَّ "الهدى" هوَ مّمَا يتسمّى بهِ كلُّ كتابٍ أنزلَه اللهُ تعالى على رسولٍ من رُسلِهِ . فالتوراةُ منَ الهدى وكذلكَ الإنجيلُ والقرآنُ. ومن هنا فالقسَمُ بالهدى مقترناً بالقسَمِ بالطورِ هوَ قسَمٌ بالتوراةِ : "والطورِ. وكتابٍ مسطورٍ".. "ولقدْ آتيْنا موسى الهدى وأوْرثْنا بني إسرائيلَ الكتابَ" (غافر : 51) . والعربُ قدْ تسمّي الشيءَ بصفةٍ فيهِ.
"إنّكَ لا تهدي مَنْ أحبّبْتَ ولكنَّ اللهَ يهدي مَنْ يشاءُ وهوَ أعلمُ بالمهتدينَ (56) وقالوا إنْ نتّبعِ الهدى معكَ نُتَخطَّفْ من أرضنا.. (57) {القصص}.. فها هيَ قريشٌ تسمّي القرآنَ بالهدى ، أوْ هيَ تقرُّ بأنَّهُ هوَ الهدى وإنْ لمْ تُرِدْ أنْ تتّبَعَهُ : "هوَ الذي أرسلَ رسولَهُ بالهدى ودينِ الحقِّ لِيُظْهرَهُ على الدّينِ كلِّهِ ولوْ كرهَ المشركونَ" (الصف : 9).
13- واللهُ تعالى فرضَ القرآنَ على رسولِهِ الأمينِ ليسَ لِيشقى بل للهدى : "إنَّ الذي فرضَ عليْكَ القرآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ قلُ: ربّي أعلمُ مَنْ جاءَ بالهدى ومَنْ هوَ في ضلالٍ مبينٍ" (القصص :85).
14- ولوْ أنَّا طبّقنا حسابَ الجُمّلِ فإنَّ قيمةَ "طا ها" هي : "16" {قراءة الحرفيْنِ باسمِهما بدون همز ، وقيمةُ الهمزةِ المنفردةِ في الجُمّلِ هي صفرٌ} ، ولو حسَبنا جمّلَ الاسم "طُوى" فنجدُهُ مساوياً "16" .. وكأنَّ هذهِ المساواةَ إشارةٌ ترشدُنا إلى أنَّ الطاءَ والهاءَ مرتبطانِ بِطُوىً الذي هوَ الوادي المقدسُ .. فماذا في طُوىً؟ .. فيهِ طورُ الهدى.
15- وربّما يميلُ البعضُ إلى تفضيلِ "والطورِ والهدى" على "وطورِ الهُدى" ، باعتبارِ أنَّ فيه قسَميْنِ .. فقَسَمانِ أفعلُ من قسَمٍ واحدٍ وأقوى توكيداً ، علاوةَ على التناسبِ معَ قسَميْنِ وارديْنِ في القرآنِ : "والطورِ . وكتابٍ مسطورٍ".
16- ولا ريْبَ أنَّهُ بتقديرِ الهاءِ من الهدى سيظهرُ تناسبٌ بينَ بدايةِ وبينَ نهايةِ سورةِ "طه" .
=========
طريقة التقدير:
(1) لا بدَّ أنْ نحوِّلَ الحروفَ إلى نصٍّ من كلماتٍ.
(2) وأنْ نسيرَ على قاعدة ثابتة وهيَ اعتبارُ أنَّ كلَّ حرفٍ منها هوَ الحرفُ الأولُ من الكلمة المُختصرة.
(3) وأنْ تكونَ الكلمةُ المختصرةُ من القرآن نفسِهِ.
(4) والأولويّةُ في التقدير هيَ أن نقدّرَ الكلمةَ من الآيةِ أوِ الآياتِ التاليةِ للفاتحةِ المشتملةِ على ذلك الحرفِ ، أوْ من السورةِ نفسِها. وإنْ لمْ يتيسّرِ التقديرُ من نفسِ السورةِ فيكونُ من أيِّ آياتٍ في السورِ الأخرى.
(5) وأن يكونَ النصُّ المختارُ عندَ ربطهِ معَ الآية التالية للفاتحة موضوعِ التقديرِ متوافقاً معَ اللسانِ العربيِّ.
(6) وأنْ ينسجمَ النصُّ المختارُ في معناهُ معَ سياقِ الآيةِ أوِ الآياتِ التي تتلو الفاتحةَ موضوعَ التقدير، أوْ يندمجُ فيهِ.
|
|