سورة النمل

مدخل لا بد منه :

الأرض التي بارك الله فيها للعالمين هي أرض الجزيرة وليس فلسطين !

     قال تعالى : (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ {71} الأنبياء .

     لما خرج أبو الأنبياء وتبعه ابن أخيه لوط لم يكن لتستقبلهم أي أرض سوى أرض الجزيرة العربية لانها خارج حدود المملكة المصرية ، ولكنا نفاجأ بأن كل كتب التفسير بلا استثناء تجمع على أنها أرض فلسطين ، وهذا في حد ذاته خطأ كبير ويناقض في حقيقة الامر الآية القرآنية التي ينطلقون منها إلى هذا المعنى ؛

     (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ {81} الأنبياء .

     ويقولون في تفسير هذه الآية من سورة الأنبياء أن الأرض المباركة هنا هي أرض فلسطين ، دون أن ينوهوا إلى أي إشكالية في الموضوع ، وكانها بديهية من البديهيات ، وهي وللحق ليست بديهية .

     فالملاحظ أن الآية التي صدرنا بها هذا المقال هي آية رقم (71) من نفس السورة (الأنبياء) ، أهذه مصادفة أم أن الله تعالى أراد أن يورد لنا معلومة جغرافية في خط سير القبيلة الموحدة ، وأراد أن يشرحها في الآية رقم (81) سالفة الذكر ، ولكن ماذا حدث ؟ لقد فشلنا في تفسير الاثنتين ، ألا يدعو هذا للحسرة !!

     ولنحاول الآن أن نسترجع ما فاتهم في تفسير الآية (81) : (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ {81} الأنبياء . فإذا قلنا إن سليمان كان مقر حكمه في أرض الشام فلسطين ، فالبديهي أنه عندما تجري الريح مسخرة بأمره يكون اتجاهها إلى مكان آخر وليس إلى حيث يقيم ، لأن حرف الجر (إلى) يفيد الإرسال في اتجاه آخر غير الذي نحن فيه .

     ويكون الأوْلى أن نقول أنه يسير الريح إلى أرض اخرى غير فلسطين تكون مباركة . فما تلك الأرض المقصودة إن لم تكن أرض الحجاز ؟ .

     وقد يثير البعض تساؤلا "ما الحكم إذن في آية سورة الإسراء : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ .......) (1) الإسراء .

     نقول بأن المسجد الأقصى المبارك حوله لا يستتبع بالضرورة أن تكون الأرض التي يقع فيها مباركة بالضرورة ، إضافة إلى ذلك أنه على طول مراحل التاريخ المعروف لم تظهر على أرض فلسطين أي بوادر للبركة ، فالحروب والفتن هي السائدة في هذه البقعة إلى يومنا هذا .

     فلا يبقى لنا الآن إلا أن نسلم بأن الأرض التي بارك الله فيها للعالمين فحفظها وأمنها هي أرض الجزيرة العربية ولا ريب .

     ويكون معنى الآية رقم (71) - من سورة الأنبياء : (ونجى الله إبراهيم ولوطا من أرض الظالمين المعتدين الوثنيين إلى الأرض المباركة وهي أرض الجزيرة العربية .

     ويكون معنى الآية رقم (81) : (سخر الله لسليمان الريح يجريها بأمره إلى الأرض المباركة لكل العالمين التي هي أرض الحجاز . لأنه لا حاجة به للدوران في مكانه بل يسخر الريح لتنقله من أرض فلسطين حيث هو إلى أرض الحجاز المباركة حيث يريد .

المصدر : فصل من كتاب (الخليل اخناتون في القرآن الكريم)  لمؤلفه / الأستاذ / سعد عبد المطلب العدل .

 

تفسير سورة النمل

 

     سورة النمل من السور المكية وترتيبها في المصحف هو رقم 27 وعدد آياتها 93 . أما من حيث ترتيب النزول فقد نزلت بعد سورة الشعراء التي تبدأ بالرمز فتقع في رقم 9 بعد سورة الشعراء أيضا .

     ولم يرد في أسباب النزول أي شيء يمكن أن يوضح لنا معنى الرمز - طس - في بداية السورة ، وعلينا أن نبحث بمنهجنا عن المعنى الذي يفض الغموض واللغز في لفظ - طس - .

منهج البحث : -

     في الكلام عن معنى - طس - فلنا فيه وجهتان :

                                الوجهة الأولى : -

التحليل : -

     والمعنى الذي يتراءى للفهم أولا هو تقبيل الأرض علامة على الحمد والثناء لله على نعمه ولا يقبل الإنسان الأرض إلا إذا سجد .

     والمعنى الآخر الذي يتبادر إلى الذهن وهو أن تكون بمعنى أرض ومقام للناس أو ناحية سكنية وتكون - سين - بمعنى التبجيل والتقديس . والمراد بهذا المعنى البلد الحرام أو ما يفيده في المعنى في هذا الاتجاه ، وبالطبع يكون المقصود بها البلدة الحرام - مكة - .

     وفي هذا الاتجاه يكون القسم بالبلدة الحرام مكة هو التفسير الممكن لبداية السورة .

النص :  بسم الله الرحمن الرحيم (طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ {1} هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ {2} الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ {3} النمل .

المعنى :  يقسم الله عز وجل بالبلدة الحرام مكة على أن ما ينزل من آيات مبينات الحق من الباطل هي آيات هذا الكتاب ، وتلك الآيات إنما هي الهدى للناس إلى الطريق المستقيم ، وهي البشرى لهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس والجنة هي المثوى والمقام لهم في الآخرة .

     وتعرض لنا السورة قصص الأنبياء الذين سبقوا : قصة موسى مع فرعون ، وقصة سليمان مع ملكة سبأ ، وقصة ثمود ونبيهم صالح ، وقصة لوط مع قومه ، كما تعدد آلاءه وآياته للبشر .

     فإذا اعتبرنا أن تفسير الرمز - طس - معناه تقبيل الأرض والسجود لله حمدا وشكرا على آلاءه وفضله ببعث محمد إلى مكة ومن حولها واختصاص هذه الأمة بالنبوة دون غيرها ، فتكون الآية الأخيرة تأكيدا لهذا التفسير وإيضاحا لوحدة بنيان السورة والآية تقول : (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ {93} النمل .

    أما إذا أخذنا المعنى الثاني للرمز - طس - أي البلدة الحرام مكة ، فتكون الآيتان قبل الأخيرة هي مفتاح تأكيد معنى الرمز الذي عنيناه في التفسير الثاني ، والآيات تقول : (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ {91} وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ {92} النمل .

     ومكة وهي عند الله مباركة ، وهي البلدة التي حرمها وفيها البيت الحرام - الكعبة - بؤكد لنا مفاهيم كثيرة على درجة عالية من الأهمية ويدحض مزاعم عديدة واهية يروج لها من قبل أتباع الديانات الأخرى والذين ينفون نفيا قاطعا أن مكة مباركة وأن رحلة سيدنا إبراهيم عليه السلام إليها لم تحدث ، وأنه لم يقم ولم يرفع قواعد الكعبة .

     ونقول لهؤلاء : إن إبراهيم عليه السلام لما اضطر للخروج من مصر منفيا وتوجه إلى خارج سيناء اتجه جنوبا وذلك الجنوب لا يكون ولا يصح إلا في اتجاه مكة (بكة) ، وتذكر التوراة الحالية انه لما خرج من مصر توجه إلى الجنوب إلى خيمته التي كانت هناك في البداءة ، واستخدام كلمة - خيمة - هنا إنما هو للتضليل لكي يعود الضمير المفرد الغائب على إبراهيم ، بيد أن الصحيح أن إبراهيم توجه إلى الجنوب بأمر من الله وبحكم ظروف سياسية اضطرته إلى ذلك وتوجه إلى مكة التي فيها بيته (بيت الله) الذي كان هناك في البداءة .

     فبيت الله الحرام هو الذي كان هناك في البداءة ، وعلى هذا يتسق خط سير سيدنا إبراهيم مع المنطق والواقع الفعلي .

     (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ {96} فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ {97} آل عمران .

     وعلى الرغم من وجاهة هذا التفسير إلا أننا نفضل التفسير الذي عنيت به الوجهة الأولى والذي يقول بأن معنى الرمز هو : "يا أيها الرسول ، لأنه في الحقيقة يتفق مع قاعدة أساسية ومهمة في نظام الترقيم القرآني والذي يتعلق بالتساؤل : لماذا لم تعتبر- طس - آية قائمة بذاتها ، ونحن هنا نعتبر - طس - نداء أي يا أيها الرسول ، لتفادي أن تكون أسلوب قسم والذي كان يحتم أن تكون طس آية قائمة بذاتها .

                    وسنتعرض لهذا الموضوع بالبحث المستفيض في رابط آخر من نفس المصدر إن شاء الله .

 

 المصدر :  فصل من كتاب (السبع المثاني ليست سورة الفاتحة)  لمؤلفه الأستاذ :   سعد عبد المطلب العدل .

البريد الإلكتروني :    saadeladel2000@yahoo.de             saadeladel2000@hotmail.com