سورة ص

        هي سورة مكية وعدد آياتها 88 وهي السورة رقم 28 في المصحف ، وقد نزلت بعد سورة القمر ، أما في ترتيب النزول فقد نزلت في الترتيب 38 .

أسباب النزول :

في أسباب نزول الآية رقم  5  أخرج احمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال : "مرض أبو طالب فجاءته قريش وجاءه النبي (ص) فشكوه إلى أبي طالب فقال : يا ابن اخي ، ما تريد من قومك ؟ قال : أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم العجم الجزية ، كلمة واحدة ، قال ما هي ؟ قال (لا إله إلا الله) ، فقالوا : إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ، فنزل فيهم : ص والقرآن ... إلى قوله : بل لم يذوقوا عذاب .

النص :

(بسم الله الرحمن الرحيم . ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ {1} بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ {2} كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ {3} وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ {4} أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ {5} وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ {6} مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ {7} أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ {8} أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ {9} أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ {10} جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ {11} سورة ص .

منهج البحث :

     كما أسلفنا وأفضنا في شرح أول سورة (ق) نجد من المفيد أن نعيد هنا جزءا من الشرح لأسلوب - بل - الذي تصدرت به أيضا سورة (ص) بعد الرمز ، لتشابه مطلع السورتين إلى حد ما .

     وكما قلنا في أسلوب - بل - البلاغي ، فإن - بل - لا يبدأ بها كلام في اللغة العربية ، بل لا بد وأن يتقدمها جملة إخبارية (وأيضا لا يمكن أن يتقدمه أسلوب قسم تام أو محذوف جوابه ، لأنه بتمام جملة القسم فإننا نحتاج مرة ثانية لجملة إخبارية جديدة تتصدر الكلام) ، فإما أن تأتي جملة إخبارية وتتبعها - بل - ثم تأتي جملة أخرى تستدرك ما قيل إذا كانت الجملة الأولى منفية أو منهية عنها أو مثبتة ، وإما أن تكون تلك الجملة في معناها نفيد الإضراب الإبطالي ، وبمعنى آخر : فإن - بل - تدخل على الجملة فتفيد حينا إبطال المعنى الذي قبلها والرد عليه بما بعدها مثل : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ {26} الأنبياء . و (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ {70} المؤمنون . ويقول النحاة : إنها هنا للإضراب الانتقالي . ومما يدعونا أيضا استبعاد أسلوب القسم هنا انه لكي يكون أسلوب - بل - مقبولا في هذا الوضع فلا بد وأن يكون جواب القسم منفيا كأن تقول : (والله ما فعلت كذا بل كذا) ، وهذا ليس الحال هنا ، كما أنه لا يوجد في الآيات بعد (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) أية علامات تؤيد ذلك مثل : (قد) ، (لقد) ، (إن) ، (لام التوكيد) إلخ .......والتي تصاحب أسلوب القسم عادة .

     وبنفس منهج البحث الذي اتبعناه في سورة (ق) نحاول قبل أن ندخل في شرح الرمز الحدس بما يمكن أن يكون معناه ، من خلال الاستعانة بتركيب أسلوب - بل - مع التغاضي عن قول البعض بأنه أسلوب قسم ، فالآية الثانية تقول : (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) والتي تعني أن الكفار في تعالٍ وعزة (وفي قراءات أخرى - في غرة) وتصد واختلاف مع ما يبلغ به الرسول (ص) من قرآن وفي حالة بغض وكراهية وعداوة له ، فالجملة السابقة لذلك ، والتي تضرب عنها هذه الجملة إضرابا إنتقاليا ، ألا ترى أنها أصبحت ممكنة الحدس الآن ؟

     ونستطيع أن نتعرف من السورة على أسلوبين من أساليب الكلام في اللغة العربية نستشهد بهما في هذا المقام لنستوضح بهما ما انتهينا إليه ونثبت صحة ما قلناه ، من هذه الأساليب أسلوب - بل - وأسلوب - أم - في الآيات (أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ {8} أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ {9} أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ {10} سورة ص ، فنحن هنا بصدد الأسلوبين معشقين ، ونتثبت الآن من أن - بل - لا تاتي إلا بعد جملة ولا يبدأ بها كلام ، كما هو الحال أيضا في - أم - . والآن لنر ما يكشف عنه معجم اللغة المصرية من معانٍ لكلمة - ص - وما إذا كان ما وصلنا إليه صحيحا .

     فيكون معناها : يسىء إلى سمعة فلان أو شيء ، يشنع على ، وهذا المعنى قريب جدا للمعنى المطلوب .

     وعلى هذا نجد أن كثيرا من المعاني السابقة تتفق مع المعنى والسياق ، فنحن حين نقول في تفسير الرمز - ص - تقول عليك وعلى القرآن الذي يذكر بالقصص للعلم وللموعظة ، وأساءوا إليك وإلى سمعتك وإلى القرآن نجد الذين كفروا في نكران لما تذكر به وجحود وعداء .

     ولنفسر الآيات العشر الأولى في ضوء هذا المعنى :

     تقولوا عليك وأساءوا واتهموك بإتيان ما ليس له سند ، وتقولوا أيضا على القرآن وأساءوا إلى ما تبلغ به من قصص السابقين ، بل هم في استكبار وإعراض عما تبلغ به ، وهم لا يتعضون بما فعلنا بمن سبقهم ، وتعجبوا كيف يأتيهم نذير منهم واتهموك بالسحر والكذب ، وأنكروا أن يكون الله واحدا ، واتهموك باختلاق كل ما تتلوه من قرآن ، ويطمئن الله رسوله بأنهم مهزومون في نهاية المطاف .

     وتفيض السورة بعد ذلك في قصص الأنبياء مع أقوامهم كي تعلم الرسول لتثبت به فؤاده وليتأسى بها (....... كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً {32} الفرقان .

     وعلى هذا يتضح لنا معنى الرمز - ص - وتأكيدا لما ذكرناه تأتي الآية رقم (86) (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ {86} سورة ص . في هذه الآية القول الفصل الذي يوضح لنا بما لا يدع مجالا للشك معنى الرمز - ص - ، فكلمة - الْمُتَكَلِّفِينَ - تحمل في معناها ما عنيت به كلمة - ص - ويرد عليهم الرسول بأنه ليس ما تقولوا عليه ولا يتكلف شيئا من عنده .

     ونلاحظ تواؤم وصف القرآن بأنه - ذي الذكر - مع معنى كلمة (ص) . كما توافقت من قبل كلمة (ق) في سورة (ق) مع وصف القرآن بصفة المجيد ، مما يدل على بلاغة القرآن العالية في أسلوبه حين يوائم ما بين الكلمة المعجمة في معناها بين جيرانها من ألفاظ اللغة العربية في الآيات التي تتلوها حتى كأنها أمست واحدة من مفرداتها .

     وكما ذكرنا فإن الآية (86) وما بعدها وهي نهاية السورة تفشي لنا بما يقض لنا عجمة لفظة - ص - لتربط أول السورة بآخرها لتكون ما قلناه في وحدة بنيان السورة .

     وهنا أيضا تضن علامات الترقيم القرآني (علامة الآية) بتوفير دليل يثبت أن افتتاحية سورة - ص - أسلوب قسم ، فلا يفصل - ص - عن باقي الآية (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) أي علامة للآية .

     والإعجاز البلاغي هنا في الافتتاحية لم يخذلنا أيضا هذه المرة فقد اتفقت كلمة - ص - في معناها مع وصف القرآن بأنه ذو الذكر .

المصدر : كتاب (اسبع المثاني ليست سورة الفاتحة)

لمؤلفه الأستاذ :   سعد عبد المطلب العدل .

البريد الإلكتروني :    saadeladel2000@yahoo.de              saadeladel2000@hotmail.com