بيان فضيلة الفقر

اعلم أن الناس قد اختلفوا في هذا فذهب الجنيد والخواص والأكثرون إلى تفضيل الفقر وقال ابن عطاء‏:‏ الغني الشاكر القائم بحقه أفضل من الفقير الصابر‏.‏

ويقال أن الجنيد دعا على ابن عطاء لمخالفته إياه في هذا فأصابته محنة وقد ذكرنا ذلك في كتاب الصبر وبيَّنا أوجه التفاوت بين الصبر والشكر - ومهدنا سبيل طلب الفضيلة في الأعمال والأحوال وأن ذلك لا يمكن إلا بتفصيل‏.‏

فأما الفقر والغنى إذا أخذا مطلقاً لم يسترب من قرأ الأخبار والآثار في تفضيل الفقر ولا بد فيه من تفصيل فنقول إنما يتصور الشك في مقامين‏:‏ أحدهما فقير صابر ليس بحريص على الطلب بل هو قانع أو راض بالإضافة إلى غني منفق ماله في الخيرات ليس حريصاً على إمساك المال‏.‏

والثاني فقير حريص مع غني حريص إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص الممسك وأن الغني المنفق ماله في الخيرات أفضل من الفقير الحريص‏.‏

أما الأول فربما يظن أن الغني أفضل من الفقير لأنهما تساويا في ضعف الحرص على المال والغني متقرب بالصدقات والخيرات والفقير عاجز عنه وهذا هو الذي ظنه ابن عطاء فيما نحسبه فأما الغني المتمتع بالمال وإن كان في مباح فلا يتصور أن يفضل على الفقير القانع وقد يشهد له ما روي في الخبر‏:‏ أن الفقراء شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق الأغنياء بالخيرات والصدقات والحج والجهاد فعلمهم كلمات في التسبيح وذكر لهم أنهم ينالون بها فوق ما ناله الأغنياء فتعلم الأغنياء ذلك فكانوا يقولونه فعاد الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ‏"‏‏.‏

وقد استشهد ابن عطاء أيضاً لما سئل عن ذلك فقال‏:‏ الغني أفضل لأنه وصف الحق أما دليله الأول ففيه نظر لأن الخبر قد ورد مفصلاً تفصيلاً يدل على خلاف ذلك‏:‏ وهو أن ثواب الفقير في التسبيح يزيد على ثواب الغني وأن فوزهم بذلك الثواب فضل الله يؤتيه من يشاء فقد روى يزيد بن أسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ بعثني الفقراء رسولاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ إني رسول الفقراء إليك فقال‏:‏ ‏"‏ مرحباً بك وبمن جئت من عندهم قوم أحبهم ‏"‏ قال‏:‏ قالوا يا رسول الله إن الأغنياء ذهبوا بالخير يحجون ولا نقدر عليه ويعتمرون ولا نقدر عليه وإذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخيرة لهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ بلغ عني الفقراء أن لمن صبر واحتسب منكم ثلاث خصال ليست للأغنياء‏:‏ أما خصلة واحدة‏:‏ فإن في الجنة غرفاً ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر أهل الأرض إلى نجوم السماء لا يدخلها إلا نبي فقير أو شهيد فقير أو مؤمن فقير والثانية‏:‏ يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمسمائة عام والثالثة‏:‏ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال الفقير مثل ذلك لم يلحق الغني بالفقير ولو أنفق فيها عشرة آلاف درهم وكذلك أعمال البر كلها ‏"‏ فرجع إليهم فأخبرهم بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ رضينا رضينا‏.‏

فهذا يدل على أن قوله‏:‏ ‏"‏ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ‏"‏ أي مزيد ثواب الفقراء على ذكرهم‏.‏

وأما قوله‏:‏ إن الغني وصف الحق فقد أجابه بعض الشيوخ فقال‏:‏ أترى أن الله تعالى غني بالأسباب والأعراض فانقطع ولم ينطق وأجاب آخرون فقالوا‏:‏ إن التكبر من صفات الحق فينبغي أن يكون أفضل من التواضع ثم قالوا‏:‏ بل هذا يدل على أن الفقر أفضل لأن صفات العبودية فضل للعبد كالخوف والرجاء وصفات الربوبية لا ينبغي أن ينازع فيها ولذلك قال تعالى فيما روى عنه نبينا صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما قصمته ‏"‏‏.‏

وقال سهل‏:‏ حب العز والبقاء شرك في الربوبية ومنازعة فيها لأنهما من صفات الرب تعالى فمن هذا الجنس تكلموا في تفضيل الغني والفقير وحاصل ذلك تعلق بعمومات تقبل التأويلات وبكلمات قاصرة لا تبعد مناقضتها إذ كما يناقض قول من فضل الغني بأنه صفة الحق بالتكبر فكذلك يناقض قول من ذم الغني لأنه وصف للعبد بالعلم والمعرفة فإنه وصف الرب تعالى والجهل والغفلة وصف العبد وليس لأحد أن يفضل الغفلة على العلم فكشف الغطاء عن هذا هو ما ذكرناه في كتاب الصبر‏:‏ وهو أن ما لا يراد لعينه بل يراد لغيره فينبغي أن يضاف إلى مقصوده إذ به يظهر فضله والدنيا ليست محذورة لعينها ولكن لكونها عائقة عن الوصول إلى الله تعالى ولا الفقر مطلوباً لعينه لكن لأن فيه فقد العائق عن الله تعالى وعدم الشاغل عنه وكم من غني لم يشغله الغني عن الله عز وجل مثل سليمان عليه السلام وعثمان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما وكم من فقير شغله الفقر وصرفه عن المقصد وغاية المقصد في الدنيا هو حب الله تعالى والأنس به ولا يكون ذلك إلا بعد معرفته وسلوك سبيل المعرفة مع الشواغل غير ممكن والفقر قد يكون من الشواغل كما الغنى قد يكون من الشواغل وإنما الشاغل على التحقيق حب الدنيا إذ لا يجتمع معه حب الله تعالى في القلب والمحب للشيء مشغول به سواء كان في فراقه أو في وصاله وربما يكون شغله في الفراق أكثر وربما يكون شغله في الوصال أكثر والدنيا معشوقة الغافلين المحروم منها مشغول بطلبها والقادر عليها مشغول بحفظها والتمتع بها فإذن إن فرضت فارغين عن حب المال بحيث صار المال في حقهما كالماء استوى الفاقد والواجد إذ كل واحد غير متمتع إلا بقدر الحاجة ووجود الحاجة قدر الحاجة أفضل من فقده إذ الجائع يسلك سبيل الموت لا سبيل المعرفة وإن أخذت الأمر باعتبار الأكبر فالفقير عن الخطر أبعد إذ فتنة السراء أشد من فتنة الضراء ومن العصمة أن لا يقدر ولذلك قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم‏:‏ بلينا بفتنة الضراء فصبرنا وبلينا بفتنة السراء فلم نصبر‏.‏

وهذه خلقة الآدميين كلهم إلا الشاذ الفذ الذي لا يوجد في الأعصار الكثيرة إلا نادراً‏.‏

ولما كان خطاب الشرع مع الكل لا مع ذلك النادر - والضراء أصلح للكل دون ذلك النادر - زجر الشرع عن الغنى وذمه وفضل الفقر ومدحه حتى قال المسيح عليه السلام‏:‏ لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا فإن بريق أموالهم يذهب بنور إيمانكم‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ تقليب الأموال يمص حلاوة الإيمان‏.‏

وفي الخبر‏:‏ ‏"‏ إن لكل أمة عجلاً وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم ‏"‏ وكان أصل عجل قوم موسى من حلية الذهب والفضة أيضاً واستواء المال والماء والذهب والحجر إنما يتصور للأنبياء عليهم السلام والأولياء ثم يتم لهم ذلك بعد فضل الله تعالى بطول المجاهدة إن كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول للدنيا‏:‏ ‏"‏ إليك عني ‏"‏ إذ كانت تتمثل له بزينتها‏.‏

وكان علي كرم الله وجهه يقول‏:‏ يا صفراء غري غيري ويا بيضاء غري غيري‏.‏

وذلك لاستشعاره في نفسه ظهور مبادئ الاغترار بها لولا أن رأى برهان ربه وذلك هو الغنى المطلق إذ قال عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏ ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس ‏"‏‏.‏

وإذا كان ذلك بعيداً فإذن الأصلح لكافة الخلق فقد المال وإن تصدقوا به وصرفوه إلى الخيرات لأنهم لا ينفكون في القدرة على المال عن أنس بالدنيا وتمتع بالقدرة عليها واستشعار راحة في بذلها وكل ذلك يورث الأنس بهذا العالم وبقدر ما يأنس العبد بالدنيا يستوحش من الآخرة وبقدر ما يأنس بصفة من صفاته سوى صفة المعرفة بالله يستوحش من الله ومن حبه ومهما انقطعت أسباب الأنس بالدنيا تجافي القلب عن الدنيا وزهرتها والقلب إذا تجافى عما سوى الله تعالى وكان مؤمناً بالله انصرف لا محالة إلى الله إذ لا يتصور قلب فارغ وليس في الوجود إلا الله تعالى وغيره فمن أقبل على غيره فقد تجافى عنه ومن أقبل عليه تجافى عن غيره ويكون إقباله على أحدهما بقدر تجافيه عن الآخر وقربه من أحدهما بقدر بعده من الآخر ومثلهما مثل المشرق والمغرب فإنهما جهتان فالمتردد بينهما يقدر ما يقرب من أحدهما يبعد عن الآخر بل عين القرب من أحدهما هو عين البعد من الآخر فعين حب الدنيا هو عين بغض الله تعالى فينبغي أن يكون مطمح نظر العارف قلبه في عزوبه عن الدنيا وأنسه بها فإذن فضل الفقير والغني بحسب تعلق قلبيهما بالمال فقط فإن تساويا فيه تساوت درجتهما إلا أن هذا مزلة قدم وموضع غرور فإن الغني ربما يظن أنه منقطع القلب عن المال ويكون دفيناً في باطنه وهو لا يشعر به وإنما يشعر به إذا فقده فليجرب نفسه بتفريقه أو إذا سرق منه فإن وجد لقلبه إليه التفاتاً فليعلم أنه كان مغروراً فكم من رجل باع سرية له لظنه أنه منقطع القلب عنها فبعد لزوم البيع وتسليم الجارية اشتعلت من قلبه النار التي كنت مستكنة فيه فتحقق إذن أنه كان مغروراً وأن العشق كان مستكناً في الفؤاد استكنان النار تحت الرماد وهذا حال كل الأغنياء إلا الأنبياء والأولياء وإذا كان ذلك محالاً أو بعيداً فلنطلق القول بأن الفقر أصلح لكافة الخلق وأفضل لأن علاقة الفقير وأنسه بالدنيا أضعف وبقدر ضعف علاقته يتضاعف بل هو تحقيق فإنك لو شاهدت بنور البصيرة لرأيته مشحوناً بأصناف السباع وأنواع الهوام مثل الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب والرياء وغيرها وهي التي لا تزال تفترسك وتنهشك إن غفلت عنها لحظة إلا أنك محجوب العين عن مشاهدتها فإذا انكشف الغطاء ووضعت في قبرك عاينتها وقد تمثلت لك بصورها وأشكالها الموافقة لمعانيها فترى بعينك العقارب والحيات وقد أحدقت بك في قبرك وإنما هي صفاتك الحاضرة قد انكشفت لك صورها فإن أردت أن تقتلها وتقهرها وأنت قادر عليها قبل الموت فافعل وإلا فوطن نفسك على لدغها ونهشها لصميم قلبك فضلاً عن ظاهر بشرتك والسلام‏.‏

 كتاب الفقر والزهد

وهو الكتاب الرابع من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي تسبح له الرمال وتسجد له الظلال وتتدكدك من هيبته الجبال خلق الإنسان من الطين اللازب والصلصال وزين صورته بأحسن تقويم وأتم اعتدال وعصم قلبه بنور الهداية عن ورطات الضلال وأذن له في قرع باب الخدمة بالغدو والآصال ثم كحل بصيرة المخلص في خدمته بنور العبرة حتى لاحظ بضيائه حضرة الجلال فلاح له من البهجة والبهاء والكمال ما استقبح دون مبادي إشراقه كل حسن وجمال واستثقل كل ما صرفه عن مشاهدته وملازمته غاية الاستثقال وتمثل له ظاهر الدنيا في صورة امرأة جميلة تميس وتختال وانكشف له باطنها عن عجوز شوهاء عجنت من طينة الخزي وضربت في قالب النكال وهي متلفلفة بجلبابها لتخفي قبائح أسرارها بلطائف السحر والاحتيال وقد نصبت حبائلها في مدارج الرجال فهي تقتنصهم بضروب المكر والاغتيال ثم لا تجتزئ معهم بالخلف في مواعيد الوصال بل تقيدهم مع قطع الوصال بالسلاسل والأغلال وتبليهم بأنواع البلايا والأنكال فلما انكشف للعارفين منها قبائح الأسرار والأفعال زهدوا فيها زهد المبغض لها فتركوها وتركوا التفاخر والتكاثر بالأموال وأقبلوا بكنه هممهم على حضرة الجلال واثقين منها بوصال ليس دونه انفصال ومشاهدة أبدية لا يعتريها فناء ولا زوال والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأنبياء وعلى آله خير آل‏.‏

أما بعد فإن الدنيا عدوة لله عز وجل بغرورها ضل من ضل وبمكرها زل من زل فحبها رأس الخطايا والسيئات وبغضها أم الطاعات وأس القربات‏.‏

وقد استقصينا ما يتعلق بوصفها وذم الحب لها في كتاب ذم الدنيا من ربع المهلكات ونحن الآن نذكر فضل البغض لها والزهد فيها فإنه رأس المنجيات فلا مطمع في النجاة إلا بالانقطاع عن الدنيا والبعد منها لكن

مقاطعتها إما أن تكون بانزوائها عن العبد ويسمى ذلك فقراً وإما بانزواء العبد عنها ويسمى ذلك زهداً ولكل واحد منهما درجة في نيل السعادات وحظ في الإعانة على الفوز والنجاة ونحن الآن نذكر حقيقة الفقر والزهد ودرجاتهما وأقسامهما وشروطهما وأحكامها ونذكر الفقر في شطر من الكتاب والزهد في شطر آخر منه ونبدأ بذكر الفقر فنقول‏:‏ الشطر الأول من الكتاب وفيه بيان حقيقة الفقر وبيان فضيلة الفقر مطلقاً وبيان خصوص فضيلة الفقراء وبيان فضيلة الفقر على الغنى وبيان أدب الفقر في فقره وبيان أدبه في قبوله العطاء وبيان تحريم السؤال بغير ضرورة وبيان مقدار الغنى المحرم للسؤال وبيان أحوال السائلين والله الموفق بلطفه وكرمه‏.‏

 بيان حقيقة الفقر واختلاف أحوال الفقير وأساميه

اعلم أن الفقر عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه أما فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقراً وإن كان المحتاج إليه موجوداً مقدوراً عليه لم يكن المحتاج فقيراً وإذا فهمت هذا لم تشك في أن كل موجود سوى الله تعالى فهو فقير لأنه محتاج إلى دوام الوجود في ثاني الحال ودوام وجود مستفاد من فضل الله تعالى وجوده فإن كان في الوجود موجود ليس وجوده مستفاد له من غيره فهو الغني المطلق ولا يتصور أن يكون مثل هذا الموجود إلا واحداً فليس في الوجود إلا غني واحد وكل من عداه فإنهم محتاجون إليه ليمدوا وجودهم بالدوام وإلى هذا الحصر الإشارة بقوله تعالى ‏"‏ والله الغني وأنتم الفقراء ‏"‏ هذا معنى الفقر مطلقاً ولكننا لسنا نقصد بيان الفقر المطلق بل الفقر من المال على الخصوص وإلا ففقر العبد بالإضافة إلى أصناف حاجاته لا ينحصر لأن حاجاته لا حصر لها‏.‏

ومن جملة ما يتوصل إليه بالمال وهو الذي نريد الآن بيانه فقط فنقول‏:‏ كل فاقد للمال فإنا نسميه فقيراً بالإضافة إلى المال الذي فقده إذا كان ذلك المفقود محتاجاً إليه في حقه ثم يتصور أن يكون له خمسة أحوال عند الفقر ونحن نميزها ونخصص كل حال باسم لنتوصل بالتمييز إلى ذكر أحكامها‏:‏ الحالة الأولى وهي العليا‏:‏ أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه وتأذى به وهرب من أخذه مبغضاً له ومحترزاً من شره وشغله وهو الزهد واسم صاحبه الزاهد‏.‏

الثانية‏:‏ أن يكون بحيث لا يرغب فيه رغبة يفرح لحصوله ولا يكرهه كراهة يتأذى بها ويزهد فيه لو أتاه وصاحب هذه الحالة يسمى راضياً‏.‏

الثالثة‏:‏ أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه لرغبة له فيه ولكن لم يبلغ من رغبته أن ينهض لطلبه بل إن أتاه صفواً عفواً أخذه وفرح به وإن افتقر إلى تعب في طلبه لم يشتغل به وصاحب هذه الحالة نسميه قانعاً إذ قنع نفسه بالموجود حتى ترك الطلب مع ما فيه من الرغبة الضعيفة‏.‏

الرابعة‏:‏ أن يكون تركه الطلب لعجزه وإلا فهو راغب فيه رغبة لو وجد سبيلاً إلى طلبه ولو بالتعب لطلبه أو هو مشغول بالطلب وصاحب هذه الحالة نسميه بالحريص‏.‏

الخامسة‏:‏ أن يكون ما فقده من المال مضطراً إليه كالجائع الفاقد للخبز والعاري الفاقد للثوب ويسمى صاحب هذه الحالة مضطراً كيفما كانت رغبته في الطلب إما ضعيفة أو قوية وقلما فهذه خمسة أحوال‏:‏ أعلاها الزهد والاضطرار إن انضم إليه الزهد وتصور ذلك فهو أقصى درجات الزهد كما سيأتي بيانه ووراء هذه الأحوال الخمسة حالة هي أعلى من الزهد وهي أن يستوي عنده وجود المال وفقده فإن وجده لم يفرح به ولم يتأذ وإن فقده فكذلك وإن فقده

فكذلك بل حاله كما كان حال عائشة رضي الله تعالى عنها إذ أتاها مائة ألف درهم من العطاء فأخذتها وفرقتها من يومها فقالت خادمتها‏:‏ ما استطعت فيما فرقت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحماً نفطر عليه فقالت‏:‏ لو ذكرتيني لفعلت فمن هذا حاله لو كانت الدنيا بحذافيرها في يده وخزائنه لم تضره إذ هو يرى الأموال في خزانة الله تعالى لا في يد نفسه فلا يفرق بين أن تكون في يده أو في يد غيره وينبغي أن يسمى صاحب هذه الحالة المستغني لأنه غني عن فقد المال ووجوده جميعاً وليفهم من هذا الاسم معنى يفارق اسم الغني المطلق على الله تعالى وعلى كل من كثر ماله من العباد فإن كثر ماله من العباد وهو يفرح به فهو فقير إلى بقاء المال في يده وإنما هو غني عن دخول المال في يده لا عن بقائه فهو إذن فقير من وجه وأما هذا الشخص فهو غني عن دخول المال في يده وعن بقائه في يده وعن خروجه من يده أيضاً فإنه ليس يتأذى به ليحتاج إلى إخراجه وليس يفرح به ليحتاج إلى بقائه‏.‏

وليس فاقداً له ليحتاج إلى الدخول في يده فغناه إلى العموم أميل فهو إلى الغنى الذي هو وصف الله تعالى أقرب وإنما قرب العبد من الله تعالى بقرب الصفات لا بقرب المكان ولكنا لا نسمي صاحب هذه الحالة غنياً بل مستغنياً ليبقى الغني اسماً لمن له الغنى المطلق عن كل شيء‏.‏

وأما هذا العبد فإن استغنى عن المال وجوداً أو عدماً فلم يستغن عن أشياء أخر سواه ولم يستغن عن مدد توفيق الله له ليبقى استغناؤه الذي زين الله به قلبه فإن القلب المقيد بحب المال رقيق والمستغني عنه حر والله تعالى هو الذي أعتقه من هذا الرق فهو محتاج إلى دوام هذا العتق والقلوب متقلبه بين الرق والحرية في أوقات متقاربة لأنها بين إصبعين من أصابع الرحمن فلذلك لم يكن اسم الغني مطلقاً عليه مع هذا الكمال إلا مجازاً‏.‏

واعلم أن الزهد درجة هي كمال الأبرار وصاحب هذه الحالة من المقربين فلا جرم صار الزهد في حقه نقصاناً إذ حسنات الأبرار سيئات المقربين وهذا لأن الكاره للدنيا مشغول بالدنيا كما أن الراغب فيها مشغول بها والشغل بما سوى الله تعالى حجاب عن الله تعالى إذ لا بعد بينك وبين الله تعالى حتى يكون البعد حجاباً فإنه أقرب إليك من حبل الوريد وليس هو في مكان حتى تكون السماوات والأرض حجاباً بينك وبينه فلا حجاب بينك وبينه إلا شغلك بغيره وشغلك بنفسك وشهواتك شغل بغيره وأنت لا تزال مشغولاً بنفسك وبشهوات نفسك فكذلك لا تزال محجوباً عنه فالمشغول بحب نفسه مشغول عن الله تعالى والمشغول ببغض نفسه أيضاً مشغول عن الله تعالى بكل ما سوى الله مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وإلى بغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه ببغضه مصروف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه ولو استغرقه العشق لغفل عن غير المعشوق ولم يلتفت إليه فكما أن النظر إلى غير المعشوق لحبه عند حضور العاشق شرك في العشق ونقص فيه فكذا النظر إلى غير المحبوب لبغضه شرك فيه ونقص ولكن أحدهما أخف من الآخر بل الكمال في أن لا يلتفت القلب إلى غير المحبوب بغضاً وحباً فإنه كما لا يجتمع في القلب حبان في حالة واحدة فلا يجتمع أيضاً بغض وحب في حالة واحدة فالمشغول ببغض الدنيا غافل عن الله كالمشغول بحبها إلا أن المشغول بحبها غافل وهو في غفلته سالك في طريق البعد والمشغول ببغضها غافل وهو في غفلته سالك في طريق القرب إذ يرجى له أن ينتهي حاله إلى أن تزول هذه الغفلة وتتبدل بالشهود فالكمال له مرتقب لأن بغض الدنيا مطية توصل إلى الله فالمحب والمبغض كرجلين في طريق الحج مشغولين بركوب الناقة وعلفها وتسييرها ولكن أحدهما مستقبل الكعبة والآخر لها فهما سيان بالإضافة إلى الحال في أن كل واحد منهما محجوب عن الكعبة ومشغول عنها ولكن حال المستقبل محمود بالإضافة إلى المستدبر إذ يرجى له الوصول إليها وليس محموداً بالإضافة إلى المعتكف في الكعبة الملازم لها الذي لا يخرج منها حتى يفتقر إلى الاشتغال بالدابة في الوصول إليها فلا ينبغي أن تظن بغض الدنيا مقصود في عينه بل الدنيا عائق عن الله تعالى لا وصول إليه إلا يدفع العائق ولذلك قال أبو سليمان الداراني رحمه الله‏:‏ من زهد في الدنيا واقتصر عليه فقد استعجل الراحة بل ينبغي أن يشتغل بالآخرة فبين أن سلوك طريق الآخرة وراء الزهد كما أن سلوك طريق الحج وراء دفع الغريم العائق عن الحج فإذن قد ظهر أن الزهد في الدنيا إن أريد به عدم الرغبة في وجودها وعدمها فهو غاية الكمال وإن أريد به الرغبة في عدمها فهو كمال بالإضافة إلى درجة الراضي والقانع والحريص ونقصان بالإضافة إلى درجة المستغني بل الكمال في حق المال أن يستوي عندك المال والماء وكثرة الماء في جوارك لا تؤذيك بأن تكون على شاطئ البحر ولا قلته تؤذيك إلا في قدر الضرورة مع أن المال محتاج إليه كما أن الماء محتاج إليه فلا يكون قلبك مشغولاً بالفرار عن جوار الماء الكثير ولا يبغض الماء الكثير بل تقول‏:‏ أشرب منه بقدر الحاجة وأسقي منه عباد الله بقدر الحاجة ولا أبخل به على أحد فهكذا ينبغي أن يكون المال لأن الخبز والماء واحد في الحاجة وإنما الفرق بينهما في قلة أحدهما وكثرة الآخر وإذا عرفت الله تعالى ووثقت بتدبيره الذي دبر به العالم‏:‏ علمت أن قدر حاجتك من الخبز يأتيك لا محالة ما دمت حياً كما يأتيك قدر حاجتك من الماء على ما سيأتي بيانه في كتاب التوكل إن شاء الله قال أحمد بن أبي الحواري‏:‏ قلت لأبي سليمان الداراني‏:‏ قال مالك بن دينار للمغيرة‏:‏ اذهب إلى البيت فخذ الركوة التي أهديتها لي فإن العدو يوسوس لي أن اللص قد أخذها قال سليمان‏:‏ هذا من ضعف قلوب الصوفية‏:‏ قد زاده في الدنيا ما غلبه من أخذها فبين أن كراهية كون الركوة في بيته التفات إليها سببه الضعف والنقصان‏.‏

فإن قلت‏:‏ فما بال الأنبياء والأولياء هربوا من المال ونفروا منه كل النفار فأقول‏:‏ كما هربوا من الماء على معنى أنهم ما شربوا أكثر من حاجاتهم ففروا عما وراءه ولم يجمعوه في القرب والروايا يدبرونه مع أنفسهم بل تركوه في النهار والآبار والبراري للمحتاجين إليه لا أنهم كانت قلوبهم مشغولة بحبه أو بغضه وقد حملت خزائن الأرض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فأخذوها ووضعوها في مواضعاً وما هربوا منها إذا كان يستوي عندهم المال والماء والذهب والحجر وما نقل عنهم من امتناع فإما أن ينقل عمن خاف أن لو أخذه أن يخدعه المال ويقيد قلبه فيدعوه إلى الشهوات وهذا حال الضعفاء فلا جرم البغض للمال والهرب منه في حقهم كمال وهذا حكم جميع الخلق لأن كلهم ضعفاء إلا الأنبياء والأولياء وإما أن ينقل عن قوي بلغ الكمال ولكن أظهر الفرار والنفار نزولاً إلى درجة الضعفاء ليقتدوا به في الترك إذ لو اقتدوا به في الأخذ لهلكوا كما يفر الرجل المعزم بين يدي أولاده من الحية لا لضعفه عن أخذها ولكن لعلمه أنه لو أخذها أخذها أولاده إذا رأوها فيهلكون والسير بسير الضعفاء ضرورة الأنبياء والأولياء والعلماء فقد عرفت إذن أن المراتب ست وأعلاها رتبة المستغني ثم الزاهد ثم الراضي ثم القانع ثم الحريص وأما المضطر فيتصور في حقه أيضاً الزهد والرضا و القناعة ودرجة تختلف بحسب اختلاف هذه الأحوال واسم الفقير طلق على هذه الخمسة‏.‏

أما تسمية المستغني فقيراً فلا وجه لها بهذا المعنى بل إن سمي فقيراً فبمعنى آخر وهو معرفته بكونه محتاجاً إلى الله تعالى في جميع أموره عامة وفي بقاء استغنائه عن المال خاصة فيكون اسم الفقير له كاسم العبد لمن عرف نفسه بالعبودية وأقر بها فإنه أحق باسم العبد من الغافلين‏.‏

وإن كان اسم العبد عاماً للخلق فكذلك اسم الفقير عام ومن عرف نفسه بالفقر إلى الله تعالى فهو أحق باسم الفقير فاسم الفقير مشترك بين هذين المعنيين وإذا عرفت هذا الاشتراك فهمت أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ أعوذ بك من الفقر ‏"‏ وقوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ كاد الفقر أن يكون كفراً ‏"‏ لا يناقض قوله‏:‏ ‏"‏ أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً ‏"‏ إذ فقر المضطر هو الذي استعاذ منه والفقر الذي هو الاعتراف بالمسكنة والذلة والافتقار إلى الله تعالى هو الذي سأله في دعائه صلى الله عليه وسلم وعلى كل عبد مصطفى من أهل الأرض والسماء‏.‏

أما من الآيات فيدل عليه قوله تعالى ‏"‏ للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم ‏"‏ الآية‏.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏"‏ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض ‏"‏ ساق الكلام في معرض المدح ثم قدم وصفه بالفقر على وصفهم بالهجرة والإحصار وفيه دلالة ظاهرة على مدح الفقير‏.‏

 

وأما الأخبار في مدح الفقر فأكثر من أن تحصى‏:‏ روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه‏:‏ ‏"‏ أي الناس خير ‏"‏ فقالوا‏:‏ موسر من المال يعطي حق الله من نفسه وماله‏.‏

فقال‏:‏ ‏"‏ نعم الرجل هذا وليس به ‏"‏ قالوا‏:‏ فمن خير الناس يا رسول الله قال‏:‏ ‏"‏ فقير يعطي جهده ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم لبلال‏:‏ ‏"‏ الق الله فقيراً ولا تلقه غنياً ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال ‏"‏‏.‏

وفي الخبر المشهور‏:‏ ‏"‏ يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائها بخمسمائة عام ‏"‏‏.‏

وفي حديث آخر ‏"‏ بأربعين خريفاً ‏"‏ أي أربعين سنة فيكون المراد به تقدير تقدم الفقير الحريص على الغني الحريص والتقدير بخمسمائة عام تقدير الفقير الزاهد على الغني الراغب وما ذكرناه من اختلاف درجات الفقر يعرفك بالضرورة تفاوتاً بين الفقراء في درجاتهم وكأن الفقير الحريص على درجة من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد إذ هذه نسبة الأربعين إلى خمسمائة ولا تظنن أن تقدير رسول الله صلى الله عليه وسلم يجري على لسانه جزافاً وبالاتفاق بل لا يستنطق صلى الله عليه وسلم إلا بحقيقة الحق فإنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ‏"‏ فإنه تقدير تحقيق لا محالة لكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك النسبة إلا بتخمين فأما بالتحقيق فلا إذ يعلم أن النبوة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره وهو يختص بأنواع من الخواص‏:‏ أحدها أن يعرف حقائق الأمور المتعلقة بالله وصفاته والملائكة والدار الآخرة لا كما يعلمه غيره بل مخالفاً له بكثرة وبزيادة اليقين والتحقيق والكشف‏.‏

والثاني‏:‏ أن له في نفسه صفة بها تتم له الأفعال الخارقة للعادات كما أن لنا صفة بها تتم الحركات المقرونة بإرادتنا وباختيارنا وهي القدرة وإن كانت القدرة والمقدور جميعاً من فعل الله تعالى‏.‏

والثالث‏:‏ أن له صفة بها يبصر الملائكة ويشاهدهم كما أن للبصير صفة بها يفارق الأعمى حتى يدرك بها المبصرات‏.‏

والرابع‏:‏ أن له صفة بها يدرك ما سيكون في الغيب إما في اليقظة أو في المنام إذ بها يطالع اللوح المحفوظ فيرى ما فيه من الغيب فهذه كمالات وصفات يعلم ثبوتها للأنبياء ويعلم انقسام كل واحد منها إلى أقسام وربما يمكننا أن نقسمها إلى أربعين وإلى خمسين وإلى ستين ويمكننا أيضاً أن نتكلف تقسيمها إلى ستة وأربعين بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءاً واحداً من جملتها ولكن تعيين طريق واحد من طرق التقسيمات الممكنة لا يمكن إلا بظن وتخمين فلا ندري تحقيقاً أنه الذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا وإنما المعلوم مجامع الصفات التي بها تتم النبوة وأصل انقسامها وذلك لا يرشدنا إلى معرفة علة التقدير فكذلك نعلم أن الفقراء لهم درجات كما سبق‏.‏

فأما لم كان هذا الفقير الحريص مثلاً على نصف سدس درجة الفقير الزاهد حتى لم يبق له التقدم بأكثر من أربعين سنة إلى الجنة واقتضى ذلك التقدم بخمسمائة عام فليس في قوة البشر غير الأنبياء الوقوف على ذلك إلا بنوع من التخمين ولا وثوق به والغرض التنبيه على منهاج التقدير في أمثال هذه الأمور فإن الضعيف الإيمان قد يظن أن ذلك يجري من رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الاتفاق وحاشا منصب النبوة على ذلك ولنرجع إلى نقل الأخبار فقد قال صلى الله عليه وسلم أيضاً‏:‏ ‏"‏ خير هذه الأمة فقراؤها وأسرعها تضجعاً في الجنة ضعفاؤها ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إن لي حرفتين اثنتين فمن أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد وروي أن جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا محمد إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول‏:‏ أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهباًوتكون معك أينما كنت فأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال‏:‏ ‏"‏ يا جبريل إن الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال ولها يجمع من لا عقل له ‏"‏ فقال له جبريل‏:‏ يا محمد ثبتك الله بالقول الثابت‏.‏

وروي أن المسيح صلى الله عليه وسلم مر في سياحته برجل نائم ملتف في عباءة فأيقظه وقال‏:‏ يا نائم قم فاذكر الله تعالى فقال‏:‏ ما تريد مني إني قد تركت الدنيا لأهلها فقال له‏:‏ فنم إذن يا حبيبي‏.‏

ومر موسى صلى الله عليه وسلم برجل نائم على التراب وتحت رأسه لبنة ووجهه ولحيته في التراب وهو متزر بعباءة فقال‏:‏ يا رب عبدك هذا في الدنيا ضائع فأوحى الله تعالى إليه‏:‏ يا موسى أما علمت أني إذا نظرت إلى عبد بوجهي كله زويت عنه الدنيا كلها‏.‏

وعن أبي رافع أنه قال‏:‏ ورد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فلم يجد عنده ما يصلحه فأرسلني إلى رجل من يهود خيبر وقال‏:‏ ‏"‏ قل له يقول لك محمد أسلفني أو بعني دقيقاً إلى هلال رجب ‏"‏ قال فأتيته فقال‏:‏ لا والله إلا برهن فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال‏:‏ ‏"‏ أما والله إني لأمين في أهل السماء أمين في أهل الأرض ولو باعني أو أسلفني لأديت إليه اذهب بدرعي هذا إليه فارهنه فلما خرجت نزلت هذه الآية ‏"‏ ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا ‏"‏ الآية‏.‏

وهذه الآية تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدنيا‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الفقر أزين بالمؤمن من العذار الحسن على خد الفرس ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من أصبح منكم معافى في جسمه آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها ‏"‏‏.‏

وقال كعب الأحبار‏:‏ قال الله تعالى لموسى عليه السلام‏:‏ يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين‏.‏

وقال عطاء الخراساني‏:‏ مر نبي من الأنبياء بساحل فإذا هو برجل يصطاد حيتاناً فقال‏:‏ بسم الله وألقى الشبكة فلم يخرج فيها شيء ثم أمر بآخر فقال باسم الشيطان وألقى شبكته فخرج فيها من الحيتان ما كان يتقاعس من كثرتها‏.‏

فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا رب ما هذا وقد علمت أن كل ذلك بيدك فقال الله تعالى للملائكة‏:‏ اكشفوا لعبدي عن منزلتيهما فلما رأى ما أعد الله لهذا من الكرامة ولذاك من الهوان قال‏:‏ رضيت يا رب‏.‏

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء ‏"‏ وفي لفظ آخر‏:‏ ‏"‏ فقلت أين الأغنياء حبسهم الجد ‏"‏ وفي حديث آخر ‏"‏ فرأيت أكثر أهل النار النساء فقلت‏:‏ ما شأنهن فقيل شغلهن الأحمران الذهب والزعفران ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ تحفة المؤمن في الدنيا الفقر ‏"‏‏.‏

وفي الخبر ‏"‏ آخر الأنبياء دخولاً الجنة سليمان بن داود عليهما السلام لمكان ملكه وآخر أصحابي دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لأجل غناه ‏"‏ وفي حديث آخر‏:‏ ‏"‏ رأيته يدخل الجنة زحفاً ‏"‏‏.‏

وقال المسيح صلى الله عليه وسلم‏:‏ بشدة يدخل الغني الجنة‏.‏

وفي خبر آخر عن أهل البيت رضي الله عنهم أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا أحب الله عبداً ابتلاه فإذا أحبه الحب البالغ اقتناه ‏"‏ قيل‏:‏ وما اقتناه قال‏:‏ ‏"‏ لم يترك له أهلاً ولا مالاً ‏"‏‏.‏

وفي الخبر‏:‏ ‏"‏ إذا رأيت الفقر مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين وإذ رأيت الغني مقبلاً فقل ذنب عجلت عقوبته ‏"‏‏.‏

وقال موسى عليه السلام‏:‏ يا رب من أحباؤك من خلقك حتى أحبهم لأجلك فقال‏:‏ كل فقير فقير ‏"‏ فيمكن أن يكون الثاني للتوكيد ويمكن أن يراد به الشديد الضر‏.‏

وقال المسيح صلوات الله عليه وسلامه‏:‏ إني لأحب المسكنة وأبغض النعماء وكان أحب ولما قالت سادات العرب وأغنياؤهم للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ اجعل لنا يوماً ولهم يوماً يجيئون إليك ولا نجيء ونجيء إليك ولا يجيئون يعنون بذلك الفقراء مثل بلال وسليمان وصهيب وأبي ذر وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وأبي هريرة وأصحاب الصفة من الفقراء رضي الله عنهم أجمعين أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وذلك لأنهم شكوا إليه التأذي برائحتهم وكان لباس القوم الصوف في شدة الحر فإذا عرقوا فاحت الروائح من ثيابهم فاشتد ذلك على الأغنياء منهم الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري وعباس بن مرداس السلمي وغيرهم فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يجمعهم وإياهم مجلس واحد فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏"‏ واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم ‏"‏ يعني الفقراء ‏"‏ تريد زينة الحياة الدنيا ‏"‏ يعني الأغنياء ‏"‏ ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ‏"‏ يعني الأغنياء إلى قوله‏:‏ ‏"‏ وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ‏"‏ الآية‏.‏

واستأذن ابن أم مكتوم على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده رجل من أشراف قريش فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏"‏ عبس وتولى أن جاءه العمى وما يدريك لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى ‏"‏ يعني ابن مكتوم ‏"‏ أما من استغنى فأنت له وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏ يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعتذر الله تعالى إليه كما يعتذر الرجل للرجل في الدنيا فيقول‏:‏ وعزتي وجلالي ما زويت الدنيا عنك لهوانك علي ولكن لما أعددت لك من الكرامة والفضيلة اخرج يا عبدي إلى هذه الصفوف فمن أطعمك فيّ أو كساك فيّ يريد بذلك وجهي فخذ بيده فهو لك والناس يومئذ قد ألجمهم العرق فيتخلل الصفوف وينظر من فعل ذلك به فيأخذ بيده ويدخله الجنة ‏"‏‏.‏

وقال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ أكثروا معرفة الفقراء واتخذوا عندهم الأيادي فإن لهم دولة ‏"‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله وما دولتهم قال‏:‏ ‏"‏ إذا كان يوم القيامة قيل لهم انظروا فمن أطعمكم كسرة أو سقاكم شربة أو كساكم ثوباً فخذوا بيده ثم امضوا به إلى الجنة ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ دخلت الجنة فسمعت حركة أمامي فنظرت فإذا بلال ونظرت في أعلاها فإذا فقراء أمتي وأولادهم ونظرت في أسفلها فإذا فيه من الأغنياء والنساء قليل فقلت‏:‏ يا رب ما شأنهم قال‏:‏ أما النساء فأضر بهن الأحمران الذهب والحرير وأما الأغنياء فاشتغلوا بطول الحساب وتفقدت أصحابي فلم أر عبد الرحمن بن عوف ثم جاءني بعد ذلك وهو يبكي فقلت‏:‏ ما خلفك عني قال‏:‏ يا رسول الله ما وصلت إليك حتى لقيت المشيبات وظننت أني لا أراك فقلت‏:‏ ولم قال‏:‏ كنت أحاسب بمالي ‏"‏‏.‏

فانظر إلى هذا وعبد الرحمن صاحب السابقة العظيمة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من العشرة المخصوصين بأنهم من أهل الجنة وهو من الأغنياء الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إلا من قال بالمال هكذا وهكذا ‏"‏ ومع هذا فقد استضر بالغنى إلى هذا الحد‏.‏

ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل فقير فلم ير له شيئاً فقال‏:‏ لو قسم نور هذا على أهل الأرض لوسعهم ‏"‏‏.‏

وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ألا أخبركم بملوك أهل الجنة ‏"‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول الله قال‏:‏ ‏"‏ كل ضعيف مستضعف أغبر أشعث ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره ‏"‏‏.‏

وقال عمران بن حصين‏:‏ كانت لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة وجاه فقال‏:‏ ‏"‏ يا عمران إن لك عندنا منزلة وجاهاً فهل لك في عيادة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت‏:‏ نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقام وقمت معه حتى وقف بباب فاطمة فقرع الباب وقال‏:‏ ‏"‏ السلام عليكم أأدخل ‏"‏ فقالت‏:‏ ادخل يا رسول الله‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ أنا ومن معي ‏"‏ قالت‏:‏ ومن معك يا رسول الله قال‏:‏ ‏"‏ عمران ‏"‏ فقالت فاطمة‏:‏ والذي بعثك بالحق نبياً ما علي إلا عباءة‏.‏

قال‏:‏ ‏"‏ اصنعي بها هكذا وهكذا ‏"‏ وأشار بيده فقالت‏:‏ هذا جسدي قد واريته فكيف برأسي فألقى إليها ملاءة كانت عليه خلقة فقال‏:‏ ‏"‏ شدي على رأسك ‏"‏ ثم أذنت له فدخل فقال‏:‏ ‏"‏ السلام عليك يا ابنتاه كيف أصبحت ‏"‏ قالت‏:‏ أصبحت والله وجعة وزادني وجعاً على ما بي أني لست أقدر على طعام آكله فقد أضر بي الجوع فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏"‏ لا تجزعي يا ابنتاه فوالله ما ذقت طعاماً منذ ثلاث وإني لأكرم على الله منك ولو سألت ربي لأطعمني ولكني آثرت الآخرة على الدنيا ‏"‏ ثم ضرب بيده على منكبها وقال لها‏:‏ ‏"‏ أبشري فوالله إنك لسيدة نساء أهل الجنة ‏"‏ قال‏:‏ فأين آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران قال‏:‏ ‏"‏ آسية سيدة نساء عالمها ومريم سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك إنكن في بيوت من قصب لا أذى فيها ولا صخب ولا نصب ‏"‏ ثم قال لها‏:‏ ‏"‏ اقنعي بابن عمك فوالله لقد زوجتك سيداً في الدنيا وسيداً في الآخرة ‏"‏‏.‏

وروي عن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا أبغض الناس فقراءهم وأظهروا عمارة الدنيا وتكالبوا على جمع الدراهم رماهم الله بأربع خصال‏:‏ بالقحط من الزمان والجور من السلطان والخيانة من ولاة الأحكام والشوكة من الأعداء ‏"‏‏.‏

وأما الآثار‏:‏ فقد قال أبو الدرداء رضي الله عنه‏:‏ ذو الدرهمين أشد حبساً - أو قال أشد حساباً - من ذي الدرهم‏.‏

وأرسل عمر رضي الله عنه إلى سعيد بن عامر بألف دينار فجاء حزيناً كئيباً فقالت امرأته‏:‏ أحدث أمر قال‏:‏ أشد من ذلك ثم قال‏:‏ أريني درعك الخلق فشقه وجعله صرراً وفرقه ثم قام يصلي ويبكي إلى الغداة ثم قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام حتى إن الرجل من الأغنياء يدخل في غمارهم فيؤخذ بيده فيستخرج ‏"‏‏.‏

وقال أبو هريرة‏:‏ ثلاثة يدخلون الجنة بغير حساب‏:‏ رجل يريد أن يغسل ثوبه فلم يكن له خلق يلبسه ورجل لم ينصب على مستوقد قدرين ورجل دعا بشرابه فلا يقال له أيها تريد‏.‏

وقيل‏:‏ جاء فقير إلى مجلس الثوري رحمه الله فقال له‏:‏ تخط لو كنت غنياً لما قربتك وكان الأغنياء من أصحابه يودون أنهم فقراء لكثرة تقريبه للفقراء وإعراضه عن الأغنياء‏.‏

وقال المؤمل‏:‏ ما رأيت الغني أذل منه في مجلس الثوري ولا رأيت الفقير أعز منه في مجلس الثوري رحمه الله‏.‏

وقال بعض الحكماء‏:‏ مسكين ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف الفقر لنجا منهما جميعاً ولو رغب في الجنة كما يرغب في الغنى لفاز بهما جميعاً ولو خاف الله في الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعاً‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ ملعون من أكرم بالغنى وأهان بالفقر‏.‏

وقال يحيى بن معاذ‏:‏ حبك للفقراء من أخلاق المرسلين وإيثارك مجالستهم من علامة الصالحين وفرارك من صحبتهم من علامة المنافقين‏.‏

وفي الأخبار عن الكتب السالفة‏:‏ أن لله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه عليهم السلام‏:‏ احذر أن أمقتك فتسقط من عيني فأصب عليك الدنيا صباً‏.‏

ولقد كانت عائشة رضي الله عنها تفرق مائة ألف درهم في يوم واحد يوجهها إليها معاوية وابن عامر وغيرهما وإن درعها لمرقوع وتقول لها الجارية‏:‏ لو اشتريت لك بدرهم لحماً تفطرين عليه‏!‏ وكانت صائمة فقالت‏:‏ لو ذكرتيني لفعلت وكان قد أوصاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ ‏"‏ إن أردت اللحوق بي فعليك بعيش الفقراء وإياك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعي درعك حتى ترقعيه ‏"‏‏.‏

وجاء رجل إلى إبراهيم بن أدهم بعشرة آلاف درهم فأبى عليه أن يقبلها فألح عليه الرجل فقال له إبراهيم‏:‏ أتريد أن أمحو اسمي من ديوان الفقراء بعشرة آلاف درهم لا أفعل ذلك أبداً‏.‏