تقــديم

 

أحبة ربى صنعاء رعى الله صنعـــاء

كيف ذاك الربى لا زال للعيد  مرعى

لو يقع لي إليه أسعى على الرأس لأسعى

يا بروحي نجح روحي بلابل وأشجان

بهذين البيتين المعبرين عن الشوق والحنين لأرض هي بعض من امتداد الذات العربية ، أستهل مقدمتي لكتاب ( الأواصر الغنائية بين اليمن والخليج ) . فلليمن تاريخ حضاري عريق ، فهي مهد الحضارات وموطن الأصالة والثقافة ، وتمثل صنعاء موطن الطرب والأنغام العربية العريقة . ولاشك أن الموسيقى والغناء يعتبران رافدين مهمين من روافد الثقافة المعاصرة .

تعتبر الموسيقى نتاج حضاري وثقافي متطوراً فنياً ، وإن كانت من الكماليات عند البعض فهي لا تقل شأناً وأهمية عن بقية احتياجات الإنسان جسدياً وروحياً . لأن الموسيقى غذاء للروح والعواطف والوجدان .

وإذا أردنا أن نقيم أو نتعرف على حضارة أية أمة بتنظيماتها الإدارية الدقيقة ، وروح الديموقراطية التي تسودها ، علينا أن نستمع الى موسيقاها ، لذا نجد أن الدول تخلد الموسيقيين بصفتهم الطلائع التي تشارك في صنع ثقافة الشعوب ورقيها الحضاري ، كما تجعل منزلتهم في مصاف علماء التاريخ النابغين .

وهكذا يعتبر الغناء في أصيل يسمو بالنفس الى مصاف الجمال والرفعة ، ويؤثر في السامع لحناً ومعنى ويخلق في نفسه الإحساس بالحب والخير والجمال والعزة . وهذه خصال أخلاقية تتمتع بها الشعوب المتحضرة السامية .

والأغنية اليمنية فن عريق عراقة الحضارة اليمنية ، وقد تميزت عم باقي ألوان الغناء في الجزيرة العربية ، حيث امتازت بتعدد ألوانها من صنعاني وحضرمي ولحجي ويافعي وعدني .

ويعود تاريخ أقدم لون غنائي في الجزيرة العربية ، وهو اللون الصنعاني ، الى تاريخ فيه من القدم الشيء وفيه من الإمتداد والتوسط معاصر الشيء الآخر وهكذا نجد أن دول الخليج والجزيرة العربية قد تأثرت بهذا الفن وغيره من الفنون اليمنية ، حتى كادت الأغنية الحضرمية أن تكون الأغنية السائدة في دول الخليج العربية .

ولاشك أن للسفن الشرعية والأبوام دوراً كبيراً في نقل التراث الغنائي اليمني الى دول الخليج وبقية الجزيرة العربية من خلال من يقوم بدور التطريب للبحارة ، وهذه المهمة نقلت تلقائياً من الخليج الى اليمن .

       إن الأغنية اليمنية خاصة الصنعانية ، تعتبر من أبرز ألوان التراث الغنائي في اليمن وهذه الأصالة في الفن تحكمها علاقة تاريخية في منطقة الخليج العربي . جاءت عبر القرون ، حيث كانت الأنغام تحمل مع البضائع والتمور من البصرة ، والكويت والخليج الى عدن والمكلا .

       إن الصوت الغنائي في الخليج تبدو جذوره واضحة المعالم في الغناء اليمني ، وخاصة الصنعاني منه أغنية ( طاب ليلك يا عريس ) تردد على كل لسان في منطقة الخليج .

       إن معظم الفنانين في هذه المنطقة يشقون طريقهم في الغناء بتأدية الكثير منهم لهذا اللون ، مثل أغنية ( سألت العين ) وأغنية ( يا منيتي ياسلى خاطري ) وغيرهما الكثير .

وكذلك اللون اليافعي ، فأغاني يحيى عمر ( أبو معجب ) هي من أشهر الألوان الغنائية لدى فناني الخليج أمثال طلال مداح وحمود حلواني وعوض دوخي وراشد سالم الصوري ومحمد عبده وغيرهم .

من هذا المنطلق ، وعن مدى عمق الجذور اليمنية في الفن الغنائي بمنطقة الخليج ، كان الهدف من وراء نشر هذه الدراسة التي تعتبر الأولى من نوعها في دراسة هذه الأواصر وعمق الجذور اليمنية العريقة في فن منطقة الخليج العربي .

       ركزنا في الفصل الأول من دراستنا هذه على المقارنة بين مختلف ألوان الغناء اليمني ، ومدى نصيب منطقة الخليج من هذه الألوان ، فقمنا بدراسة اللون الصنعاني والحضرمي واليافعي واللحجي . وفي يقيني أن هذه الألوان قد أسهمت إسهاماً بارزاً في إذكاء الطابع اليمني للفن الغنائي في منطقة الخليج . كما قمنا بدراسة أحد الألوان الغنائية الهامة في منطقة الخليج ، ألا وهو ( فن الصوت الخليجي ) لتصل في نهايته الى يمنية الصوت الخليجي رغم اختلاف ألوانه بين الخليج واليمن .

       أما الفصل الثاني من هذه الدراسة ، فقد تناول عراقة وتميُّز الغناء الحضرمي والصنعاني بشكل خاص ، الذي كان له تأثيره العميق على ألوان الغناء في منطقة الجزيرة العربية ، فنال هذا النوع من الغناء انتشاراً واستيعاباً واسعاً من قبل الفنانين والجماهير لهذه المنطقة . وبذلك استطاعت الأغنية الحضرمية الخروج من الركود الى أرجاء الوطن العربي .

هذا وأتمنى أن تكون دراستي هذه طريقاً ممهدة لدراسات قادمة ، وأن تكون إشارة منبهة الى ضرورة الاهتمام بهذا المجال الثري الواسع ، والذي يجب أن يقوم عليه دراسات متخصصة .

ورغم شحة المراجع في هذه الدراسة التي تطرقت إليها . إلا أنني استطعت بالإطلاع والمناقشة المستمرة ، إيجاد مادة جديدة تساهم مساهمة  علمية في إذكاء روح البحث العلمي في مجال الفولكلور والتراث الشعبي بمنطقة الخليج والجزيرة العربية .

ختاماً أتمنى المعذرة من القارئ العزيز إذا كان هناك نقص في دراستنا لم نتطرق إليه بالدراسة والتحليل .

المؤلف

 

 

 

من (كتاب (الأواصر الغنائية بين اليمن والخليج) لمؤلفه الأستاذ خالد بن محمد القاسمي ، صادر عن (دار الثقافة العربية - الشارقة) ، وعن : (دار الحداثة - بيروت) {الطبعة الثانية - 1988م.} .