الفصل الأول

الأواصر الغنائية بين اليمن والخليج

       تعتبر اليمن العمق التاريخي والاستراتيجي والجغرافي للخليج العربي .وكان اليمن القديم يشمل بالإضافة الى شطري اليمن ، جزءاً كبيراً من السعودية وعمان فهو يمتد من مشارف مكة الى جبال ظفار .

       ولا يخفى على أحد الأهمية الإستراتيجية لليمن بإطلالها على الضفة الشرقية لمضيق باب المندب الذي يتحكم بحركة النقل والتجارة البحرية ، ويصل آسيا بأوروبا عبر المحيط الهندي فالبحر الأحمر وصولاً الى البحر المتوسط عبر قناة السويس .وبعد الاكتشافات النفطية ازدادت أهمية باب المندب نتيجة لمرور ناقلات النفط عبره الى الدول الغربية .

       كم أن موقع الخليج العربي في جنوب القارة الآسيوية يمثل أقصى امتداد للوطن العربي من جهة الشرق ، ويعتبر قلب العالم الإسلامي ، في الوقت نفسه . كما يعتبر امتداداً  بحرياً للمحيط الهندي .

        وتشكل دول الجزيرة العربية ( الخليج وشطري اليمن ) وحدة جغرافية طبيعية متكاملة تشمل كل أراضي شبه الجزيرة العربية وحدود دول الجزيرة متصلة لا تفصل بينها أي عوائق طبيعية أو سياسية ، وتتشابه ظروفها الطبيعية من جغرافية ومناخية وجيولوجية ، كما أن حياتها الحياتية والنباتية واحدة ، وهي بذلك تمثل كياناً طبيعياً واحداً .

       تبلغ مساحة شبه الجزيرة العربية 3.500 مليون كلم2 منها 2.537 مليون كلم2 تشغلها دول مجلس التعاون الخليجي ، 435 ألف كلم2 يشغلها القطر العراقي في حين يشغل شطرا اليمن مساحة 528ألف كم2 .

       ويبلغ عدد سكان شبه الجزيرة العربية 35.2985 مليون نسمه تتوزع على الشكل التالي : دول مجلس التعاون الخليجي يبلغ عدد سكانه 12.452 مليون ، بينما بلغ القطر العراقي 13.533 مليون ، في حين يصل عدد سكان شطري اليمن الى 10 ملايين نسمه منها 8 ملايين في الشطر الشمالي ومليونان اثنان في الشطر الجنوبي .

       ويربط شطري اليمن ومنطقة الخليج تشابه كبير  في الظروف وتماثل في الأوضاع لابد أن ينتج عنه الكثير من التوحد في الذوق والمطابقة في المتطلبات والمقاييس ، فأبناء الخليج بأغلبيتهم الساحقة يشتركون مع أبناء اليمن في الانتماء للأمة العربية وحضارتها التي تضرب بجذورها أعماق القرون السحيقة ، وحتى ضمن تيار التوحيد القومي والثقافي العربي الشامل كانت منطقة الجزيرة العربية عموماً تعيش ظروفاً اجتماعية واقتصادية متجانسة متقاربة الى ما قبل تفجر النفط ، وكانت التجارة البحرية والبرية إحدى المهن التي يشترك فيها الجميع ، وتماثلت المهن التي انبثقت هناك بحكم وقوع الشريط الذي يبدأ من نهاية الساحل الغربي للجزيرة العربية ويطوق جنوبها ليتجه شمالاً حتى ينتهي عند الكويت على البحر ، فمن النقل البحري والإيغال في المحيط الهندي الفسيح الى صيد الأسماك واللؤلؤ ، كذلك الحال بالنسبة لقطاع الزراعة المحدود ضمن النطاق الصحراوي الشاسع ، وقد نشأ ضمن هذه الوضعية تميزات وتمايزات ، فبرع أبناء أعالي الخليج في صيد اللؤلؤ والعمانيون في النقل البحري والحضارمة في التجارة البحرية .

       وهكذا نلاحظ أن هذه الظروف الاقتصادية التي مرت بها أقطار شبه الجزيرة العربية ، رغم تباينها واختلافها ، كانت رافداً مهماً من روافد الثقافة بين الخليج واليمن ، ولعل الغناء من أهم الأواصر الثقافية التي لم يزل تأثيرها مستمراً بين شعبي الخليج واليمن .

       فنلاحظ في الخليج العربية ترديد أغنية ( سألت العين ) تلك الأغنية (اللحجية) التي يتم ترديدها منذ ما يزيد عن 30 عاماً ، في المقابل يردد كثير من الفنانين اليمنيين عدد من الأغنيات الخليجية التي تعود في الأصل الى جذور يمنية عريقة .

من هنا فقد فازت الأغنية اليمنية  بالاهتمام ، تماماً كما لقيت الأغنية الكويتية قبولاً لدى المستمع اليمني الذي تغنى بألحان ( يعاهدني ) و ( لاخانني ) و( لعل الله يجمعنا ) . والحديث عن الأغنية العربية اليمنية ليس حديثاً عن تلك المنطقة أو ذلك الركن من الجنوب العربي للجزيرة العربية ، إنه حديث عن النهضة التي انبثقت عنها أغنية الجزيرة المعاصرة ، حيث حمل الفنان اليمني إبداع تلك المنطقة وأثرى به الفنون في الجزيرة العربية وخارجها . فنجد في الكويت عبد الرب إدريس وعلي جاوي ، وفي السعودية أبوبكر سالم بالفقيه وأحمد يوسف الزبيدي ، وفي السودان الطيب عبد الله وناجي الهيثمي وعثمان اليمني ، وفي الإمارات سالم بامدهف ورشيد الحريبي وفرسان خليفة وأبو بكر فارع .

إذن فالأغنية اليمنية عريقة بعراقة الحضارة اليمنية نفسها .

يقول الدكتور نزار غانم : ( نستطيع أن نؤرخ لألوان تراثية متميزة في الأغنية اليمنية وعلى رأسها اللون الصنعاني الذي امتد الى خارج اليمن ، وتقوم الأغنية الصنعانية على الشعر الحميني الذي يمزج بين العامية والفصحى والشعر الحكمي ، وعلى مدى القرون الماضية ظلت اليمن تردد هذه الألحان التي يذهب بعض النقاد الى أنها لم تتأثر بما أحاط بها  من ثقافات أو من الوجود التركي الطويل والمتقطع .

       وتعتبر الأغنية الصنعانية من أبرز ألوان التراث الغنائي في اليمن والتي تربط عبر القرون بعلاقة تاريخية مع منطقة الخليج العربي . إذ كانت الأنغام تحمل مع البضائع والتمور من البصرة والكويت والخليج الى عدن والمكلا والحديدة في ( البوم ) وعبر السفن الشراعية من خلال من يقوم بدور التطريب للبحارة .

       وهذه المهمة نقلت تلقائياً ، رغم غياب الإذاعات ، فن الخليج الى اليمن ، وهو أحد الألوان التي استخدمها الفنانون في عدن لكسر رتابة الأغنية التراثية .

       يتأثر فن الصوت في الغناء الخليجي الى حدٍ كبير بالأغنية اليمنية عموماً والصنعانية بوجه خاص . وبعد عملية التأثر والتأثير ، عاد هذا الفن الى اليمن قادماً من الخليج بحلته الجديدة ، فتقبلته النفس اليمنية كما تتقبل الأم ابناً فقدته منذ مدة طويلة ، وتتفق الروايات على أن شخصاً من اليمن  اسمه ( عبد الرحيم ) علم الفنان الكبير محمد بن فارس الصوت ولقنه الغناء الصنعاني ، كأغنية ( يقرب الله لي العافية ) و ( يا بروحي من الغيد ) التي تغنى في الخليج بشكل مختلف قليلاً ، وهذه جاءت من اليمن لأن الطريق البحري كان أقوى من البري ، وكانت السفن أرض اللقاء بين الفنانين .

       وعندما نتحدث عن التراث الغنائي الشعبي في اليمن لابد من الإشارة الى أن معظم أشكال الغناء والموسيقى والفنون الشعبية العربية كانت تتشابه فيما بينها لا في شطري اليمن فحسب بل وفي أرجاء الوطن العربي الكبير ، لكنها تنوعت بفعل العوامل الاجتماعية والثقافية والتفاعلات والتأثيرات الحضارية المتبادلة بينها وبين فنون الشعوب الأخرى ، إضافة الى التفرد في عدة خصائص فنية من خلال الإبداع الفردي واختلاف طرق الأداء أو أساليب الممارسات في المجتمع الشعبي .

       ويمكننا التأكيد أن أهم الروافد الثقافية التي أسهمت بنشأة الألحان والموسيقى الشعبية في اليمن هي ثلاثة روافد يتمثل أولها في الأغاني الفولكلورية والإيقاعات الشعبية في البوادي والأرياف والمدن الصغيرة ، وأغاني البحر والألحان العربية الموروثة ، وهي الرافد الأساسي الذي أسهم ببلورة صيغ الموسيقى والغناء الشعبي في اليمن . ومازال هذا الرافد يثري الموسيقى اليمنية بإبداع متواصل بفضل عمليات المسح الميداني والتسجيل والتدوين التي شملت معظم محافظات الجنوب والشمال . وكان هدفها حفظ المأثورات الشعبية في الرقص والغناء والأزياء والآلات والأمثال والحكايات الشعبية خوفاً من ضياعها واندثارها أمام التطورات التقنية . فحين كانت البلاد خاضعة لحكم الاستعمار لم يجر الاهتمام بالفن الشعبي أو تجميعه وتثبيت صيغه وابرازه الى الوجود ، لأنه عنصر مهم من عناصر تأكيد الذات القومية ولأهمية الدور الذي تلعبه هذه الفنون في وجدان الشعب ، إلا أن الاهتمام في تدوين وتسجيل كافة الأشكال الإيقاعية والمواد الفولكلورية أخذ طريقه بعد التحرر والاستقلال .

       وقد تأسست لهذا الغرض مؤسسات وفرق عديدة كمركز الفنون الشعبية والفرقة اليمنية للفنون في الشمال حيث حاولت إعادة تقديم الرقصات الفولكلورية الموروثة بأداء وأسلوب معاصرين ، كما قام اتحاد الموسيقيين بجمع شمل الفنانين في الشمال والجنوب لتطوير الواقع الموسيقي اليمني ، كما أن إدارة الفنون الشعبية في الجنوب وفرق المحافظات هناك بادرت الى مسح الأغاني والرقصات ودراستها لتثبيت سلالمها وإيقاعاتها وخصائصها الفنية بإشراف مختصين ومدربين ، لإعادة تقديمها الى الناس .

أما الرافد الثاني فهو اشتراك وتداخل الأغاني والألحان مع تلك التي في أقطار الخليج والجزيرة العربية ، ومن الملاحظ أن الإيقاعات الموسيقية والصيغ الغنائية تتشابه الى حد كبير ، وكثيراً ما تنتقل النماذج والأشكال نفسها من مكان الى آخر بالمشافهة والحفظ ، وتتعايش جنباً الى جنب مع الألحان والرقصات المحلية . لذلك نجد أن معظم الدبكات الشعبية وأغاني العمل البري والبحري هي نفسها المنتشرة في البحرين والكويت والسعودية ..، وإذا كان ثمة اختلاف فهو في أسلوب الأداء فقط .

       ويتمثل الرافد الثالث في تأثر الأغاني والألحان بالإيقاعات الأفريقية والهندية ، والواضح أن العلاقات التجارية بين اليمن وشعوب هاتين المنطقتين من العالم في مراحل تاريخية سابقة دفعت بعض الرواد الأوائل لنقل الأشكال الإيقاعية من الموسيقى الهندية والأفريقية ، ومع مرور الزمن قام اليمنيون بتطوير هذه الإيقاعات واعطائها طابعاً مميزاً ذو سمة محلية . ومازلنا نجد حتى الآن ، رقصتي الطنبورة والباميلا وهما من أصل أفريقي ، كما نجد رقصة الزربادي ذات الإيقاعات السريعة وفيها ملامح الإيقاعات الهندية . ولعل أبرز من أسهم بنقل هذه التأثيرات الى الموسيقى اليمنية في أوائل هذا القرن هو الفنان محمد جمعة خان .

       إضافة الى هذه الروافد فالتراث المحلي اليمني غزير الغطاء ، ومن أبرز ألوان الغناء الشعبي الأهازيج المرافقة للاحتفالات والأعراس ، وأغاني ( الجمالي ) ذات الألحان المرافقة لأعمال السفر التي ترجع الى الحداء أصلاً ، كما أن لغتها أقرب الى الفصحى منها الى العامية . أما أغاني ( الباله ) فهي أبرز أشكال الغناء المرافق للاحتفالات والأفراح وترافقها بعض الرقصات الجميلة ذات الإيقاعات السريعة ، ومن الرقصات المحلية المنتشرة في أغلب مناطق الجنوب رقصــــة

( الكـاسر ) التي يؤديها البحارة عندما تمخر سفنهم عرض البحر بغرض التجارة والصيد . ومن أغاني ورقصات المزارعين في الجنوب أغاني ( بني مغراه ) التي تؤدى بمصاحبة الرقص في تحريك ذوائب الشعر والدوران حول نفسه بإيقاعات خفيفة . كما تسود الجنوب الأغنية الجماعية التي يردد الكورس معظمها . وتعتبر رقصة ( البرع ) من أبرز الرقصات القومية المنتشرة في الشمال وهي رقصة حربية تشبه العرضة وتعتمد الأداء الجماعي وتؤدى في سلطنة عمان بنفس إيقاعاتها . ومن الواضح أن كل محافظة من المحافظات الجنوبية تشتهر بلون غنائي ورقصات شعبية معينة . ففي حضرموت تعتبر أغاني العوادي من الأشكال المحلية التراثية المتميزة بإيقاعاتها الرتيبة وتؤدى مع آلة العود وبأشعار عربية . أمــــا ( الزربادي ) وهي الأغاني المرافقة لرقصة شعبية سبق ذكرها فتكاد تشمل معظم مناطق الجنوب وتتميز بإستخدام الآلات الايقاعية وبعض الآلات الهــــــوائية ( كالمدروف ) وهو آلة الناي المعروفة . ويتألف قالب هذا اللون الغنائي من اللازمة الرئيسية وتتبعها ( الكوبليهات ) التي تغنى بإيقاع خاص يختلف عن إيقاع المذهب واللازمة الأولى .

       وتعتبر ( الموشحات ) من الأعمال التراثية الدينية المنتشرة في مناطق شطري اليمن ، وهي تمتاز بإيقاعاتها البطيئة التي تتنوع حسب أماكن وجودها وتستخدم اللغة الفصحى أثناء الأداء ، ففي ( لحج ) يوجد لونان من الموشحات المرسل والموقع ، وفي صنعاء يعتبر الموشح من الأشكال العريقة التي تحتاج الى مهارة في الأداء ، أما الموشح اليافعي فهو يشبه الأغاني الديني المنتشرة في المملكة العربية السعودية .

       وقد نشأت في ليمن الدانات اليمانية والتي باتت معروفة في معظم أقطار الخليج والجزيرة العربية فيما بعد . وهي تشبه أغاني ( الموال ) وتقسم الى نوعين : الدان الموقع الذي يعتمد على آلات الإيقاع ويستخدم اللهجة العامية ، والدان المرسل الذي يحتاج الى آلة إيقاعية ويشبه غناء ( الزهيري ) في جنوب العراق من حيث الأسلوب .

       أما رقصة ( العدة ) اليمنية فهي من الأشكال الإيقاعية الجميلة المرتبطة بالعمل . وتنتشر في أغلب مناطق شطري اليمن وبخاصة في المحافظات الجنوبية . وتعتمد هذه الرقصة على الأداء الجماعي خلال الأعياد والاحتفالات والمناسبات التقليدية بشكل مسيرة جماعية ، تؤدى فيها حركات انفرادية غاية في الإتقان ، وعل إيقاع الدفوف والطاسات المعدنية وحركة الأيدي ، والتلويح بالعصي وترديد لوازم غنائية من الشعر العامي في خط لحني واحد ، تتغير ( كوبليهاته ) بين كل وقفة وأخرى . وتسمى هذه الرقصة أحياناً ( رقصة الطاسة ) نظراً لاستخدام هذه الآلة الإيقاعية . ويلبس الراقصون عصاً غليظة وترساً من الجلد . ويبدأ الأداء بانقسام المجموعة الراقصة إلى قسمين وبحدود خمسة عشر شخصاً في كل جانب ويعطي شاعر المجموعة إشارة البدء بترديد بيت شعري مع الإيقاع والحركة الدائبة .

مثال :

-       المجموعة الأولى :

الهوى خلا عيوني ساهرة

                     مامعي منه أمانة

-       المجموعة الثانية :

كل عاشق لا وقع يصبر

                     ويتقاضى من عيون الزمان

وبين أداء المجموعتين تدخل آلات الإيقاع كـ( الهاجر ) وهو الطبل الكبير المصنوع من أسطوانة خشبية . والطاسات لنحاسية التي تستخدم جلود الماعز والماوس المعروفة في الآلات الإيقاعية العربية .

       وترافق هذه الإيقاعات حركة الراقصين الحيوية سواء بالأقدام أو رفع العصي والتلويح بها في الهواء ، وتحرك الدرق وهز الأكتاف .

       ولهذه الرقصة ما يشبهها ، ففي الخليج رقصة العرضة والعيالة ، وفي العراق والشام رقصة السيف والترس . وهي ترمز عموماً الى القوة ولصلابة والتأهب للحرب والكر والفر والمبارزة ، وقد تم تطويرها بأسلوب معاصر بحيث أصبحت واحدة من أشهر الرقصات اليومية القومية في اليمن .

       إذن فقد تأثر الفن الغنائي الخليجي بالفنون اليمنية الأخرى . وفيما يلي دراسة لأهم الألوان الغنائية في اليمن ، منها الأغنية الصنعانية والحضرمية واللحجية واليافعية ، ثم تليها دراسة لفن الصوت الخليجي وجذوره اليمنية .

 

 

من (كتاب (الأواصر الغنائية بين اليمن والخليج) لمؤلفه الأستاذ خالد بن محمد القاسمي ، صادر عن (دار الثقافة العربية - الشارقة) ، وعن : (دار الحداثة - بيروت) {الطبعة الثانية - 1988م.} .