الأغنية الحضرمية

       لقد هبت منذ الثلاثينات رياح التغيير الخارجي على الأغنية الحضرمية لعدة أسباب ، كان أهمها وجود الجالية الهندية وهي من أكبر الجاليات في محافظة حضرموت وقتئذٍ وانتشارها في جميع المدن الساحلية ولاسيما مدينتي عدن والمكلا ، مما أدى الى رواج الأفلام الهندية ومافيها من الأغاني التي انعكست مؤثراتها في تلك المنطقة أكثر من غيرها ، على الفن عموماً ، وعلى فن الغناء الحضرمي خصوصاً .

       وكاد الفن الغنائي الحضرمي أن يندثر بعد أن طغت عليه الأغنية الوافدة وهي تهب على الربوع الحضرمية صباحاً ومساءً من مختلف الإذاعات الأجنبية ، وكادت تصبح الأغنية الحضرمية نسياً منسياً حين فقدت الأرض التي كانت تقف عليها في مواجهتها للأغنية الخارجية وما تمتاز به من تجديد وعذوبة وخفة ومرح .

       وبديهي أن تجد الأغنية الحضرمية نفسها في ذلك الموقف المنهار لأنها فقدت مع الزمن تأثيرها في النفوس بفعل جمودها ورتابتها وهبوط كلماتها .

       ولقد أتى على الأغنية الحضرمية وقت أصبحت فيه مسخاً مشوهاً ، فهي إما صدى أصم للحن هندي عتيق أو سرقة من لحن عربي قديم       ذي مسحة تركية ، أو أنها كانت أغنية بدائية ذات نغم متكرر ممل كالضرب على الطبل أو النقر على وتر واحد .

       واستمرت الأغنية الحضرمية بهذا الهبوط حتى عام 1965 حين برزت ألحان السيد أبي بكر المحضار ، ومن هنا بدأت الأغنية الحضرمية تستعيد مكانتها ، وأضحى الحضارم يرددون أغانيهم الأصيلة المتنوعة وهي فاتحة عهدها وازدهارها .

       ويرجع الفضل الكبير في ذلك الى الفنان أبي بكر سالم بالفقيه الذي كون ثنائياً ناجحاً مع المحضار ، وقدم أبو بكر سالم لأول مرة ألحان السيد أبي بكر المحضار بصوته الذي اتسم بالحيوية والتجديد الموسيقي ، نذكر هذه الأغاني التي برزت عام 1965 وبرز معها اللون الحضرمي الى حيز الوجود :

( يا زارعين العنب ) و ( نار بعدك ) و ( يا رسولي ) و ( سلم ولو حتى بكف الإشارة ) وغيرها .

       ووجد أهل اليمن وخاصة الحضارم في أغاني المحضار مادة غنية لم يعم تأثيرها القومي المجال المحلي فحسب ، بل تجاوز الحدود اليمنية الى كافة بقاع الجزيرة العربية ، كما قدر للأغنية الحضرمية أن تخطو خطوة أوسع الى أرجاء البلاد العربية والأجنبية ، وليس أدل على ذلك من حفلات أبي بكر سالم بالفقيه في القاهرة ولندن وغيرهما ، وكذلك مشاركة الفنانين الحضارم في حفلات الدول الخليجية والعربية ونذكر منهم : كرامه مرسال ، عبد الرب إدريس وطه فارع . وهكذا جاء المحضار ، فكان كالدائرة الموسيقية ألمت بالأغنية الحضرمية بمعظم أنواعها بمافيها أغاني الرقص والمسامرة أو المطارحة أو الأغاني الجماعية ، أو الأغاني الموضوعية ، وكانت ألحانه ومازالت يطرب لها السامع حتى في حال اتباعه المنهج الغنائي ( الكلاسيكي ) المحض . فسرت ألحان المحضار في الحضر والبادية وعلى مختلف المستويات ، يرسلها المتغنون بها كل يوم صفيراً ودندنة وهزجاً وغناء من تباشير الفجر حتى غسق الدجى .

       والى جانب المحضار ظهر العديد من الشعراء الحضارم الذين ساهموا مساهمة جادة في إخراج اللون الحضرمي الى حيز الوجود نذكر منهم :

       أحمد سالم البيض ومن أغانيه المشهورة ( من مننا معصوم ) ، وكذلك الشاعر والملحن صالح عبد الرحمن المفلحي والذي غنى له كبار الفنانين اليمنيين أمثال : محمد جمعه خان الذي قدم له أغنية ( رسولي بلغ لخلاني السلام ) ، كما لا يفوتنا ذكر من ساهم في الأغنية الحضرمية والدان الحضرمي الأصيل أمثال : سالم عبد القادر العيدروس ، وحداد بن حسن الكاف ، وعبد القادر الكاف ، وكذلك  الشاعر الأديب المؤرخ والملحن الموسيقار عبد الله بن محمد باحسن الذي خلف اللحن الحضرمي المشهور ( لك البشارة ملكت القلب ) . وغيرهم من الملحنين والشعراء الحضارم الذين لا يتسع المجال لذكرهم جميعاً ، وتمتاز محافظة حضرموت الى جانب الفن الغنائي بفنون أخرى ولا سيما الرقصات الساحلية منها والداخلية التي تملأ مساحات شاسعة في حياة السواد الأعظم من الجماهير الحضرمية فعرفت الإيقاعات والألحان البدائية في ( الزوامل ) و ( الحراوات ) ومدارات الرقص الشعبي المختلفة والمتنوعة للبدو ، وفي الألعاب الشعبية العديدة الأخرى مثل ( الخابة ) و ( الشبواني ) و ( البطيق ) وغيرها ، وكل هذه الألعاب لا تخلو من الموسيقى المعبرة عن أفراح الشعب وابتهاجا ته ، وكانت تقليداً يختلف باختلاف القبائل والعشائر وتعدد مناطقهم ومضاربهم بحيث أصبح لكل منطقة أو قبيلة أو عشيرة ألعابها الشعبية ورقصاتها وأغانيها الخاصة بها .

       وتمتاز أغاني ( الحدري ) أي وسط وأسفل وادي حضرموت الداخل بخلوها من الحركة الموسيقية الراقصة الحقيقية ، فهي عبارة عن ترتيل للأبيات الشعرية فيه أناة في الأداء وتمطيط في الصوت وعليه مسحة حزينة مؤثرة ، ولعل للبيئة أثرها الكبير في خلق هذا النوع من الغناء الرتيب الذي يتغنى به سكان تلك المناطق الوادعة الهادئة وهم في مزارعهم وحقولهم ينتشلون الماء من الآبار ويرفعونه ببطء وتؤدة تشاركهم أبقارهم ومواشيهم في هذه العملية الرتيبة البطيئة المملة التي يستعينون عليها بهذا النوع من الغناء الرتيب البطيء ، كما يتغنى بها ( الجمالون ) وهم يقطعون الصحراء بجمالهم وهي تسير ببطء ورتابة وتؤدة .

       وللمرأة في حضرموت غناؤها وألحانها الخاصة التي تختلف تمام الاختلاف عن غناء الرجل وألحانه ، وذلك بسبب الحجاب الذي تلتزمه المرأة وعدم اختلاطها بالرجل كما جرت عليه ثقافة وعادات وتقاليد ذلك الزمن ، حتى أنه يعاب على المرأة أن تغني ألحان الرجل كما أنه من العيب أن يتغى الرجل بألحان النساء ، غير أن ألحان ( الدان ) الحضرمي يحصل أن تغنيها النسوة في مجالسهن ، هذا بالنسبة للمدن والقرى الحضرمية المتحضرة بعض الشيء ، أما في البادية فإن الرجل والمرأة يشتركان في غناء موحد في جميع المناسبات ، حيث جرت التقاليد باختلاط الجنسين في الألعاب الشعبية وأعمال الزراعة والبناء . وجميع الرقصات والألعاب الشعبية في حضرموت تعتمد في موسيقاها على الطبول و ( المراويس ) أو المزامير مع الغناء والرقص ، ولم تكن الآلات الموسيقية الأخرى الوترية والنحاسية مستعملة عندهم ، ولكن مؤخراً عرفوا ( السمسمية ) وهي عبارة عن قطعة خشب مدورة ومجوفة يثبت إليها ثلاثة أعواد مستطيلة بشكل يشبه المثلث وتمتد إليها خمسة أوتار من العمود القاطع وتثبت بطرفه القطعة المدورة . والمعروف أن لكل وتر من أوتار السمسمية الخمسة نغمة واحدة فقط بعكس آلة

 ( القنبوس ) والعود والرباب ، الأمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان إخراج نغمات وألحان كثيرة من أوتار هذه الآلة ، فهي تحتاج الى مهارة فائقة وتدريب شاق طويل وعسير .

       يقول بعض المطلعين أن السمسمية دخلت حضرموت في القرن الثالث الهجري قبل آلة القنبوس ، وقد جلبها البحارة الحضارم أصحاب السفن من مدينة ( ينبع ) في شمال الحجاز . وممن اشتهر بالعزف عليها من أهل المكلا في ذلك الزمان : سعيد سالم باحداد ، سالم فرج عبد النصير ، سعيد سالم السليمي ومبروك رمضان وهو في الأصل من مواطني ينبع الذين نزحوا مع أصحاب السفن الى المكلا .

       ثم ظهر العزف على القنبوس بعد ذلك على يد الفنان الحضرمي الموهوب : ( سلطان بن صالح بن الشيخ علي ) الذي استطاع بموهبته وعبقريته أن يطور الأغاني المحلية ويخلق منها لأول مرة ألحاناً حضرمية متطورة تتسم بالطابع الحضرمي لحناً وكلمات وموسيقى ، ثم تعرضت لفترة من الجمود والموت ، الى أن برز باعث الموسيقى الحضرمية السيد حسين أبوبكر المحضار ، والفنانون الحضارم أمثال : محمد جمعه خان وأبو بكر سالم بالفقيه . وقد امتاز الفنان سلطان بن الشيخ علي بألحانه العذبه والموهبة الأصيلة والصوت الجميل ، وهو يعتبر أول من أدخل العزف على القنبوس في حضرموت ، ولعل أسفاره الى أفريقيا الشرقية والهند والحجاز وجاءوا قد أكسبته تجربة ومعرفة أوسع .

       ويقال أن كثيراً من الأغاني الكويتية القديمة إنما هي صورة عن أحلن الفنان سلطان ، ذلك أن الكويتيين من أصحاب السفن يومذاك الذين كانوا يرتادون سواحل حضرموت ويحرصون على حضور الحفلات والسهرات التي يحييها الفنان سلطان ومن بعده الفنان محمد جمعه خان ، كانوا ينقلونها الى بلادهم لشدة إعجابهم بها .

       وبعد أن استعرضنا للأغنية الحضرمية ومشاهيرها سوف نقوم بدراسة ( أغاني البحر ) وهي أهم الألوان الغنائية في محافظة حضرموت خصوصاً ومنطقة الخليج عموماً .

 

 

من (كتاب (الأواصر الغنائية بين اليمن والخليج) لمؤلفه الأستاذ خالد بن محمد القاسمي ، صادر عن (دار الثقافة العربية - الشارقة) ، وعن : (دار الحداثة - بيروت) {الطبعة الثانية - 1988م.} .