|
رأي فضيلة الشيخ محمد محمود الحسواني
من علماء مدينة حمص - سورية
مقتبس من مقالة له بعنوان : الإعجاز العددي ماله
وما عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي فضّلنا بالقرآن على الأمم، والصلاة
والسلام على من كان القرآنُ معجزتَه وإمامه
وخُلُقَه وميراثه ووصيته، وعلى آله وأصحابه، وبعد
:
فقد وصلتني كتبكم السبعة المعنونة بـ :
(الله يتجلى في آياته – معجزة السّبع المثاني –
أسرار إعجاز القرآن – معجزة "قل هو الله أحد" –
الإعجاز القصصي – أسرار معجزة "الم" – معجزة القرن
21)،
وكانت مصحوبة ببعض الحوارات التي أُجريت معكم
والتي تدور في فلك ماسمّيتَه "الإعجاز الرقْميّ في
كتاب الله عزّ وجلّ ". وبيّنْتم في بحوثكم الطويلة
التي تجاوزت عشر سنوات أنكم التزمتم بضوابط لم
يلتزم بها كثير من الباحثين في الإعجاز العددي،
وطلبتم إبداء الرأي. وإني بعون الله استجيب لطلبكم
سائلاً الله تعالى أن يكون فيما أعرض النفع والخير
.
والسؤال الذي يُثار في هذه القضية:
هل يوجد مايسمّى
بالإعجاز العددي في القرآن ؟
ألا فليُعلم أن القرآن متناسق في كلّ شيء: في
سوَرِه وآياته ، في ألفاظه ومعانيه، وفي أعداد
كلماته وحروفه . وقد دعا القرآن الناس إلى تدبّره
وملاحظة ظاهرة
التناسق والتوافق ، ومقارنة ذلك بظاهرة
أخرى في أعمال البشر وهي ظاهرة الاضطراب والتفاوت،
ليخرجوا من ذلك إلى أن القرآن كلام الله المُحكَم
.
ونصّ هذه الدعوة في قوله تعالى:
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ
الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ
اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)(النساء:82)،
وفي هذا النص ما يردّ على من قال بأن القرآن لم
يتحدّث صراحة عن التناسق العددي . وهب ذلك صحيحاً
، ألا يكفي أن يشير القرآن إليه؟
فكم من إشارة قرآنية في تضاعيف كتاب الله تعالى
كانت انطلاقة عظيمة لبحوث كونيّة وفلكيّة وعلميّة
ماتزال أصداؤها ونتائجها قائمة حتى لحظتنا هذه .
إن التناسق العددي ليس هدفاً مقصوداً لذاته، بل هو
من لوازم استخدام القرآن لحروفه وكلماته المعجزة.
وفي هذا رد على من قال: إن هذا النوع من الإعجاز
يصرف المسلم عن دِلالات الآيات ومعانيها، ويجعلُه
مشغولاً بعدِّ كلماتها وحروفها .
وبما أن الإعجاز العددي تابع للإعجاز البياني
ومظهر من مظاهر وجوده فيه، فإنه سيؤدي إلى فائدة
مرجوّة، وهي أنه نوع من أنواع تثبيت الهداية
واليقين في القلب:
(كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)،
وأساليب التثبيت اليقيني
كثيرة والإعجاز العددي واحد
منها.
وبما أن التناسق
العددي يقوم على لغة الأرقام
والحسابات، فقد يقع بعض العلماء في خطأ غير مقصود
في العدِّ والحساب، وقد يوظّف بعضهم الأعداد
توظيفاً شيطانيّاً ليدعوَ إلى عقيدة تخصّه
أونِحْلة يحملها، فهو لذلك يتلاعب بالأرقام
القرآنية وينظر فيها نظرةً مغرضةً تقوم على الهوى
والمزاجيّة، كما فعل رشاد خليفة في بدعته التسعَ
عشْريّة، فقد ادَّعى في كتابه (معجزة القرآن
الكريم) أنه اكتشف من خلال الرقم (19) موعد يوم
القيامة وأنه سيكون سنة (1710 هـ) !!!
وبما أنه تُوجّه إلى الإعجاز العددي انتقادات
مبعثها عند منتقديه وحجّتهم فيها
الخوف من أن تُسْتَغلّ
هذه الأبحاث من أعداء
الإسلام للطعن
فيه، فإنه يجدر بنا وإن رأينا مثل هذا
النموذج السيّء، الذي أشرنا إليه آنفاً ألاّ ننصرف
عن قضية مثل هذه القضية قد يكون من ورائها خير
كثير، وألاّ نضع الباحثين كلَّهم في سلة واحدة.
وهذا من العدل والإنصاف، قال تعالى
: (وَلا
يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاّ
تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلونَ)(المائدة: 8).
هذا. ونظرة عميقة فيما جاء في التناسق العددي في
كتاب الله عز وجل ، والذي بحثه الأستاذ الكحيل في
كُتُبه ، يتبيّن أننا اليوم في عصر المعلوماتيّة
بحاجة ملحّة إلى بحوث مشابهة تخرج من نفس المشكاة،
ليكون فيها الدليل القاطع، والتثبيت اليقينيّ لمن
عنده أدنى شكّ من غير المسلمين، ولمن ليس له علم
بعَظَمَة كتاب الله من المسلمين، بأن القرآن كتابُ
الله تعالى، وإنه وإن كان كتاب هداية، فالهداية
يُتَوَصّل إليها بأسباب، وهذا النوع من البحث سببٌ
من أسباب الهداية والتثبيت في عصر الأرقام والعقول
الإلكترونية الجبارة .
هذا ما أراه. فإن كان صواباً فمن الله وإن كان فيه
من خطأ أو زلل فمن نفسي وأنزّه جلال الربوبية
والألوهية عنه .
والحمد لله رب العالمين.
بقلم الشيخ محمد محمود الحسواني
من علماء مدينة حمص - سورية
|