القبَّالة: مَعنى تحت المَعنى

تحت المَعنى...

والفخُّ الأخيرُ هو أخْذُ النَّفْسِ على مَحْمَلِ الجِد  

دانييل بيرزنياك*

أصل القبالة من الجذر العبري ق ب ل، "قبل". فالأستاذ، "العارف"، يمنح، والمريد، السائل، "يقبل". والقبَّالي ينظر إلى نفسه بوصفه المريد السائل.

القبَّالة طريقة للنظر إلى العالم، بل للنظر إلى النفس وهي ترى العالم. وهذه "الطريقة" طريقة أصيلة لأنها تجمع ما بين انتظار كَشْفٍ ساطع (الطريقة الصوفية أو الكَشْفية) وبين الدراسة المتأنِّية (الطريقة العقلية). بعبارة أخرى، فإن القبَّالي ينمِّي في نفسه فنَّ المقارنة والنظر في مكتشفاته، فيما هو يستبطن خبرة الوحدة المستعادة. إنه يشغِّل، في آنٍ معًا، نِصْفَي كرته المخِّية. ومن شأن هذه الرياضات أن تقيم روابط بين العاقلة والحدس والمخيِّلة. فطريقته عقلية وروحية في آنٍ معًا.

 

القبَّالي يرى في الخطاب المنطوق أو المكتوب معنًى يجب فك رموزه. فالسَّرد الكتابي، الواضح في نظر الذهن البسيط، يصير في نظره مبهمًا ومثقلاً بالمعنى. إنه يحدس وجود "بنية" خفية ما تبطِّنه، مفادها أن كلَّ ما هو متمايز وملموس ينبثق، فيضًا، من نبع أوَّلي قديم، غير متعيِّن، متجانس.

في العبرية، هناك كلمة واحدة تشير إلى الكلمة وإلى الشيء: دَوَر. فالأشياء غير موجَدة إلا بمقدار ما تتم تسميتُها. والتعليم القبَّالي يسلِّم بأن الكلمة تحمل الحقيقة، بأن الذبذبة اللانهائية للصوت تحمل الكون. قال الله: "ليكنْ نور"، فكان نور (سفر التكوين، الإصحاح 1: 4). الكلمة، إذن، خالقة.

هل لنا أن نستنتج مما سَبَقَ أنه "في البدء كان الكلمة" (إنجيل يوحنا، الإصحاح 1: 1)؟ ليس تمامًا. فالبدء (رِشِت) كان خاويًا وصامتًا. ولكن، كيف انبثق الكون، إذن، من هذا الفضاء الخاوي والصامت؟ تلك هي المسألة الكبرى التي تشغل بال القبَّالي.

بحسب اسحق لوريا (1534-1572)، لم يكن أول أفعال الله انتشارًا نحو الخارج – فهذه استحالة، بما أن الله هو الكل –، بل طيٌّ، انقباض. في البدء، لا بدَّ أن الله انسحب، انطوى، ميسِّرًا بذلك ولادة العالم، بادئ ذي بدء، على هيئة حروف الأبجدية العبرية الاثنين والعشرين. وهذا الانطواء، هذا "النقصان في الكينونة"، وبعبارة أخرى، هذا الخواء الميسِّر لشيء آخر أن يكون، يسمَّى الـسَمْسَمَة (تسِمْتسُم) – وهو مفهوم جوهري في القبَّالة.

عند القبَّالي أن كلَّ نصٍّ – حتى جلي – مبهم ويجب فك رموزه

اللغة العبرية، عند القبَّالي، هي، إذن، مادة العالم بعينها. كلُّ عنصر من نص، كلُّ حرف من حروفه، كلُّ عنصر من صورة الحرف الواحد، المسافات بين الكلمات وبين الحروف، يجب أن تُفهَم وتُفَكَّ رموزُها: ما من عنصر واحد ناجم عن المصادفة؛ لكلِّ عنصر معناه ومكانه في تناسُق المجموع.

بذلك فإن القبَّالة وضعتْ، من بين أشياء أُخَر، منهج تأويل يربط ما بين الكلمات بعضها إلى بعض بحسب قيمتها العددية، المحسوبة كما في علم العدد الحديث. وهذا المنهج، الجِمَطْرِية (من الكلمة اليونانية gematria، "فن قياس كلِّ ما في السماء وعلى الأرض"، التي جاءت منها كلمة geometry، "الهندسة")، يوجِد روابط بين كلمات ذات مدلولات فلسفية عميقة، وتلبِّي أعزَّ أشواق القبَّالي إلى قلبه، ألا وهو تفسير اللغة باللغة، وليس بواسطة المفاهيم التي تنقلها.

وهذا المنهج قد يسَّر لفقهاء التلمود في القرون الأولى بعد الميلاد (التلمود مصنَّف ضخم من أحاديث الربَّانيين في تفسير شريعة موسى) الإجابة عن بعض الأسئلة التي طرحوها منذ القِدَم: هل المعنى الحرفي لنصِّ التوراة هو المعنى حصرًا، أم أنه ليس إلا القشر من معنى لا بدَّ من فكِّ رموزه؟ وفي حال صحة الفرضية الثانية، لماذا يكون المعنى "الحقيقي" مستورًا؟ هل الحقيقة رهيبة؟ وهل ينبغي الاستعداد من أجل الإحاطة بها؟ وفي هذه الحال، أين تكون مفاتيح الأبواب التي يجب فتحُها؟ وكيف تُفتَح هذه الأبواب؟ ولماذا؟

القبَّالة تشير إلى الجهد المبذول من أجل طرح هذه الأسئلة ومن أجل الإجابة عنها.

القبَّالي يرى في النصِّ الواحد حتى اثني عشر مستوى من مستويات المعنى...

تتطلَّب قراءةُ التوراة (الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، حيث نجد مرويةً قصة العالم، قصة البشر، الوصايا الإلهية، والعلاقات بين الإنسان والإله) تأهيلاً يطول بمقدار إشباع النصِّ بالمعاني والمرموزات، وذلك بسبب أصله الإلهي وتدوينه بالعبرية، "اللغة المقدسة".

وهذا التأهيل، يصفه أبراهام بن صموئيل أبو العافية، المولود في سرقسطة في العام 1240، في أحد مصنَّفاته: رسالة الطرق السبعة. وطُرُق (الحكمة) السبعة هذه هي طُرُق سبعة لقراءة التوراة. فلنقرأ هذا المقطع من الكتاب:

الطريق الأول عبارة عن قراءة التوراة وفهمها على محمل الحرف... فهكذا يجب أن تُطرَح التوراة على عامة الشعب، رجالاً ونساءً وأطفالاً. فكلُّ أحد يعلم أن كلَّ بشر، في سني حداثته، إبان طفولته وشبابه الباكر، ينتمي إلى هؤلاء العامة.

الطريق الثاني عبارة عن فكِّ رموز المجاز في التوراة. ويقدِّم أبو العافية المثال التالي: في سِفْر تثنية الاشتراع (الإصحاح 10: 16) كُتِبَ: "... فاختنوا قُلَفَ قلوبكم." قارئ الطريق الثاني سوف يكشف عن هذه الصورة البلاغية، غير المفهومة على المستوى الحرفي حصرًا.

في الطريق الثالث يطرح المرء على نفسه أسئلة تتعلق بنصٍّ ما، ويجتهد في الإجابة عنها في السياق. لماذا، على سبيل المثال، في اليوم الثاني من الخَلْق، بحسب سفر التكوين (الإصحاح الأول)، لم يقل الله ما قاله في اليوم الأول من أن "صنعته حَسَنَة"؟ جواب قارئ الطريق الثالث: لأنه في اليوم الثاني لم يكن بعدُ قد فرغ من خَلْق العالم "المائي". فتعبير "رأى الله أن ذلك حَسَن" غير مستعمَل بالفعل إلا لدى إنجاز جملة متماسكة، متسقة، ومستقلة داخل الخليقة. قارئ الطريق الثالث حادُّ النظر بصفة خاصة: فهو يلحظ الانقطاعات والفوارق داخل بنيان متسق؛ وعندئذٍ يستنطق النص، يتفكَّر في السياق، ويجد تفسيرًا.

الطريق الرابع عبارة عن تأويل الرمز والمجاز. وقارئ الطريق الرابع لا يصدِّق واقعية القصة كما هي مروية؛ فهو يعلم أنها مجازية وأنها تنطوي على تعليم ينبغي فك رموزه.

ويشير أبو العافية إلى أن "هذه الطرق الأربعة مفتوحة لجميع الأمم". فالطرق الثلاثة الأولى متاحة لجمهور العامة، على حدِّ قوله. أما الفقهاء فهُمُ الراسخون في الطريق الرابع، وهم يجهلون عادة وجود طرق أخرى.

من شأن الرغبة في المعرفة أن تقود حتى الطريق الرابع. فيما يتعدى ذلك، لا بدَّ من طاقة أشد: سُعار العلم، التعطش إلى المعرفة. واعتبارًا من الطريق الخامس، يتم ولوج تعاليم القبَّالة.

قارئ الطريق الخامس يحلِّل عناصر النصِّ كافة. وهو يتساءل حتى حول صُوَر الحروف، وحول الروابط بين هذه العناصر وبين معاني الكلمات. لماذا يوجد اثنان وعشرون حرفًا؟ لماذا الحرف الأول من التوراة حرف بيت؟ يقول أبو العافية إن قرَّاء الطرق الأربعة الأولى يسخرون من الطريق الخامس، بحجة أن مشكلات الخط عارية عن المغزى وأن علم أوفاق الحروف عديم الأهمية.

يتطلَّب الطريق الخامس تحصيل خبرة واسعة في علم النفس والتاريخ. وهو يمد الجسور بين العاقلة والمخيِّلة والحدس. إنه علم تربية اليقظة. وبفضله ينتظم التفكيرُ ويتحرر من الرغبات التافهة، من الأهواء، ومن الأحكام المسبَّقة. وقارئ الطريق الخامس يتعوَّد على أن يرى، في نصٍّ، مجرد قشر لمدلول محمول على غير الكلمات في حدِّ ذاتها. إنه – وهو الذي أضحى يصعب التلاعبُ به – لا يُفتتن بخطابٍ حَسَن السبك. إنه متحرِّر من الأفكار المقبولة؛ والإيديولوجيات لا يمكن لها أن توقعه في شِراكها. مسعاه يمضي به دومًا إلى أبعد من المظهر المباشر. والسلطات جميعًا تنظر إله بعين الريبة، بما فيها مرجعية الكنيس.

"الطريق السادس طريق أعمق"، كما يقول أبو العافية. وهو يضيف: "مَن يجرؤ على الخوض فيه؟ لأنه في هذا الطريق قيل: "هو أطول مدى من الأرض، أوسع من البحر المحيط"." إنه طريق الذين يعتزلون في إرادتهم الاقتراب من الاسم، "بحيث يصبح أثرُه قابلاً للإدراك في أنفسهم".

قارئ الطريق السادس يتساءل عن علاقة الاسم بالشيء، علاقة المرموز إليه بالرامز. إنه يروِّض نفسه على الاستبطان. وعلى هذه المرتبة من التفكُّر يصير كلُّ ما هو "صيغة" "معيشًا" بالضرورة. المنطق الشكلاني ينتسف، مفسحًا المجال، في وَضَح النور، لعقلانية أخرى، تندمج فيها الروح بالقلب.

الطريق السابع؟ "هذا الفلك يشتمل على الأفلاك الأخرى جميعًا"، يقول أبو العافية. "من يلجه يتلقَّى الكلام الإلهي." وهذا الطريق غير قابل للنقل كتابةً. لذا ينقله مشافهةً أولئك حصرًا الذين يحيونه.

في العبرية، تُسمَّى الطرق الأربعة الأولى: فشاط ("بسيط"، أي القراءة الحرفية)، رِمِز ("رمزي" أو "مجازي")، دراخ ("الطريق")، وسود ("السر"، و"الجوهر" أيضًا). وأوائل هذه الكلمات – ف ر د س – تؤلِّف كلمة فردس، التي تعني الفردوس. فكما تقول قصة حصيدية، الفردوس هي الحال التي يحياها هنا والآن مَن يعرف "القراءة".

جدير بالذكر أن موشي القرطبي (1522-1570)، أهم أساتذة اسحق لوريا، كان، من جانبه، يقول باثني عشر مستوى من مستويات القراءة.

والكتابات القبَّالية لا تطرح تعليمًا عَقَديًّا؛ إنها، بالأحرى، تزوِّد بمفاتيح لفتح أقفال وأبواب. وعلى "الطالب" أن يجد الأقفال المقابلة للمفاتيح التي أُعْطِيَها. ولهذا، ينبغي عليه أن يتدبَّر النصَّ ويتفكَّر فيه.

كان البابليون والإغريق سبَّاقين إلى دراسة معاني الكلمات بالنظر إلى القيم العددية للحروف التي تتألَّف منها. وقد استدخل بنو إسرائيل هذا المنهج تحت اسم "جِمَطْرِيَة" ["حساب الجُمَّل"] في عهد الهيكل الثاني (الذي بُدِئ في بنائه حوالى العام 20 ق م واستمر أكثر من 40 عامًا).

والجمطرية الأشيع عبارة عن عَزْو القيم العددية التالية إلى الحروف:

القيمة العددية

الاسم الرمزي الأصلي

الحرف العربي المقابل

لفظ الحرف

الحرف العبري

1

ثور

ألف

ألف

א

2

بيت

باء

بيت

ב

3

جمل

جيم

جيمل

ג

4

باب

دال

دالت

ד

5

نافذة

هاء

هيه

ה

6

ناب

واو

واو

ו

7

ذَكَر، بذرة

زاي

زين

ז

8

حائط

حاء

حيط

ח

9

ثعبان

طاء

طيت

ט

10

يد

ياء

يود

י

20

راحة اليد

كاف

كاف

כ

30

منخس

لام

لامد

ל

40

ماء

ميم

ميم

מ

50

حوت

نون

نون

נ

60

سند، قضيب

سين

سامخ

ס

70

عين

عين

عين

ע

80

فم

فاء

فيه

פ

90

صنارة

صاد

تصده

צ

100

قفا

قاف

قوف

ק

200

رأس

راء

ريش

ר

300

سن

سين

شين

ש

400

إشارة

تاء

تاو

ת

بالإضافة إلى خمسة حروف سبق إيرادها، لكنها، إذ تتوضع في أواخر الكلمات، تتخذ صورة وقيمة عددية مختلفتين:

500

كاف

ך

600

ميم

ם

700

نون

ן

800

فيه

ף

900

تصده

ץ

وباستعمال هذا المنهج، يقول القبَّاليون، على سبيل المثال، إن "الله محبة ووحدة". وبالفعل، "محبة" تقال بالعبرية أهبه (ألف، هيه، بيت، هيه)، ومجموعها 1 + 5 + 2 + 5 = 13. و"وحدة" تقال إحَد (ألف، حيط، دالت)، أي 1 + 8 + 4 = 13. فكلمتا "محبة" و"وحدة"، بالتالي، متكافئتان. وجدير بالذكر أن مجموع قيم حروف رابوع الألوهة أو يهوه (يود، هيه، واو، هيه) يساوي 26 = 13 + 13.

وللتوغل في خفايا الكلمات، يقول موشي القرطبي، المذكور أعلاه – وهو واحد من أكابر قبَّاليي مدرسة صفد (الجليل) – بوجود ثماني جِمَطْريوت (جمع جِمَطْرية).

الأولى – وقد ذكرناها لتوِّنا – تجمع ببساطة القيم العددية لحروف الكلمة، وتستنبط نتائج من المحصول.

الثانية لا تأخذ العشرات والمئات بالحسبان. وهكذا، يود = ألف = 1، أو تاو = دالت = 4.

الثالثة ترفع الأعداد إلى القوة الثانية، أي تتعامل مع مربعاتها. وهكذا فإن الجمطرية الأولى تعطي لرابوع الجلالة – يود، هيه، واو، هيه (يهوه) – قيمة 26. أما في الجمطرية الثالثة، فإن متوالية 10 + 5 + 6 + 5 تصير 100 + 25 + 36 + 25 = 186. وهذه الجمطرية تجيز تقريب الرابوع من اسم آخر من الأسماء الإلهية: مقوم ("المقام")، الذي قيمته أيضًا تساوي 186 = 40 + 100 + 6 + 40.

الرابعة تضيف إلى قيمة كلِّ حرف قيمة الحروف السابقة. وهكذا، فإن ألف = 1، بيت = 1 + 2 = 3، جيمل = 1 + 2 + 3 = 6، دالت = 1 + 2 + 3 + 4 = 10، إلخ. على هذا النحو، نحصل على متوالية 1، 3، 6، 10، 15، 21، التي هي كذلك متوالية الأعداد المثلثة الفيثاغورية.

الخامسة تنسب إلى الحروف مجموع قيم الحروف التي تؤلِّف اسم الحرف. ألف، الذي يُكتَب ألف، لامد، فيه (آخر الكلمة)، يساوي إذن 1 + 30 + 800 = 831. بيت، الذي يُكتَب بيت، يود، تاو، يساوي 412. إلخ.

السادسة لا تأخذ بالحسبان غير أربعة حروف أواخر بدلاً من الخمسة المستعملة عادة؛ إذ هي لا تأخذ بالحسبان حرف الكاف في الآخر.

السابعة تضيف عدد حروف كلمة إلى القيمة العددية للكلمة إياها. وهكذا، فإن اسم الجلالة – يود، هيه، واو، هيه – يساوي 26 + 4 (لأنه مؤلَّف من أربعة حروف) = 30. ويمكن لهذه الجمطرية السابعة أن تأتلف مع الجمطريوت الأخرى جميعًا.

الثامنة تضيف 1 إلى قيمة الكلمة؛ ويمكن لها بالمثل أن تتوافق مع الأخريات جميعًا.

هناك، بالطبع، جمطريوت أخرى. مَن يعرف عددها؟ وعلى كلَّ حال، لماذا يتعين لهذا العدد أن يتحدَّد نهائيًّا؟ لكلٍّ أن يبتكر الجمطرية الخاصة به. فمن شأن أية منظومة متساوقة أن تربط ما بين الكلمات وتقرِّب ما بين الأفكار والمعاني.

يتلاعب القبَّالي بعلم العدد لكي يكسر تداعي الأفكار المبتذلة

مثل هذا التمرين يسمح بالتملص من تداعيات الأفكار التي تنتاب أذهاننا، والتي تنجم عن مقايسات الخواص (الشمس، مثلاً، تذكِّرنا بالضوء أو بالحرارة)، والجِناسات، والمترادفات، والذكريات، والمعلومات، والتربية، والأحكام المسبَّقة.

والجمطرية – الممتعة والزهيدة الكلفة – تسمح باكتشاف مقايسات مذهلة، ما كانت لتخطر لنا في بال من غيرها. والمذهل أكثر أن المقايسات التي توحي بها الجمطرية تبدو وكأن لها من المبرِّرات ما يعادل مقايساتنا المعتادة.

حروف الأبجدية العبرية موزعة على اليدين

يطبق القباليون الجمطرية على "هندسة" بناء الجسم البشري لاعتقادهم أن الحروف هي القوى الناظمة لهندسة الخلائق

ومن الممتع كذلك أن نلحظ أن النصَّ الذي يحلِّله ممارس الجمطرية ليس إلا مادة خامًا لا شكل لها. ففي نظر القارئ العادي، يقول هذا النص شيئًا واضحًا، يروي قصة، يعبِّر عن فكرة. أما في نظر القبَّالي، في المقابل، فهو مبهم، غير قابل للفهم، مرمَّز. ولكي يتم الكشف عن معناه، لا بدَّ له من فكِّ رموزه – وهذا ليس بعملية سهلة.

المعنى، في نظر القبالي، يُستحق

لعبتْ القبَّالة دورًا هامًّا في الفورة الفكرية لعصر النهضة: كانت، بالفعل، تواجه الرؤية السكولستية (الفقهية) لعالَم جامد، مخلوق دفعة واحدة وإلى الأبد، برؤية عالَم في خَلْق دائم. فالقبَّالي، بالفعل، متعوِّد أن ينظر إلى "المنظومات" الفكرية بشيء من الاستعلاء، مستيقنًا من أنها تتلاقى جميعًا على صعيد أعلى. وفي زمن الخلافات الناجمة عن الإصلاح اللوثري، اجتهد القبَّالي – وهو الذي يأنف أن يتحزَّب لرأي دون آخر – أن يلعب دور الموفِّق، على غرار باولوس ريشيوس، الذي ما أفلح على هذا النحو إلا في اجتذاب المتاعب من كلا الطرفين. إذ إن قولك آنذاك "أنا أعرف" أو "لقد فهمت" كان أقرب الطرق إلى الموت.

فالقبَّالي المتمرِّس في مختلف "مستويات" القراءة (أكانت مستويات القرطبي الاثني عشر، مستويات أبي العافية السبعة، المفصَّلة أعلاه، مستويات بيكو دولاميراندولا الأربعة، أم مستويات ريشيوس الثلاثة) يذهب إلى أن النصَّ يمكن له دومًا أن يُقرأ قراءة مختلفة، وأن الروايات والطروحات يمكن لها دومًا أن تُسبَر فيما يتعدَّى معناها الحرفي – الأمر الذي يجيز التسامح بالطبع ويشجع عليه. إن التشجيع على التسامح، والحال هذه، هو إحياء الرغبة في المزيد من المعرفة، هو تعلُّم جهوزية الذهن وانفتاحه. وينتج عن ذلك الرِّفقُ بالآخر حتمًا.

صورة من مخطوط قبالي قديم

غير أن نجاح القبَّالة في سائر أنحاء أوروبا النهضة يعود كذلك إلى كونها ملجأ آمنًا (أو يكاد أن يكون آمنًا) للفكر الحر. فتعقيدها، والتأويلات اللانهائية التي تفسح لها المجال، سمحتْ للباحث باستكشاف الكتاب المقدس استكشافًا حرًّا، في عصر كان يُنظَر إلى الحرية فيه نظرة سلبية.

في ذلك العصر، كان الاتباع السائد يفرض على الجميع فكرة أن الحقيقة سَبَقَ أن قيلت في المجالات كافة. وإذن، ما كان أحدٌ ليرغب في أن يكون حرًّا. كان الجميع يدرسون الأولين، قانعين بأن المعرفة تقيم في الماضي. وإذا كان كوبرنيكوس قد تجرأ على طرح فكرة أن الأرض تدور حول الشمس فذلك لأنه وجدها في كتب الأولين. فلكي يحظى الجديدُ بالقبول كان لا بدَّ له دومًا من الاتكاء على القديم.

أما القبَّالة فإن أهميتها تكمن في أنها كانت توفر سندًا نقليًّا هائلاً للراغبين في بَسْطِ طريقة جديدة في رؤية العالم. ولبلوغ هذه الرؤية الجديدة، كان حسبهم بالفعل أن يشرحوا الرؤية القديمة كما يحلو لهم... حتى إن الإله (القيوم)، من منظار القبَّالة، لا يستثني الحركة (والتطور الملازم لها)؛ وضرورةُ المضيِّ إلى "أبعد" من كلِّ يقين (من كلِّ "مستوى" قراءة) مغروسة في النظام الأزلي للأشياء.

من منظار القبَّالة، إذا كان في الإمكان تشبيه الحقيقة الأولية، لا بل تسميتُها، فمن المتعذر الإحاطة بها في تفسير بعينه. النص، الخطابات، الكلمات، تقول كلَّ شيء؛ لكن ما تقوله، في المآل الأخير، متعذر المنال.

أما التلاعب بالحروف، في المقابل، فينطوي، كما رأينا، على مفاجآت. بعض الترابطات الغريبة يمكن لها، بإعمال النظر فيها، أن تصير منوِّرة – حتى الدوار في بعض الأحيان. ويمكن لبعض الارتباطات الحاذقة أن تميط الحجاب عن بديهيات بسيطة ورائعة، يمكن لها، بغير ذلك، أن تمرَّ دون أن تلفت النظر.

والأمر، بالطبع، ليس في التأسف على العقلانية، بل في شحذها وتوسيعها، بالاعتراف بشرعية الحلم والخيال.

غير أنه يبقى فخ واحد، عثرة قاتلة واحدة: أخذ النفس على محمل الجِد. ففي نظر القبَّالة، كلُّ تفسير، قباليًّا كان أم علميًّا، هو، في المآل الأخير، حيلة تحتال بها اللغةُ علينا والعقلُ. وتلك علَّة ضرورة سيادة المرح جنبًا إلى جنب مع العقل والحدس والخيال.

المرح يتَّقي. والتباس المرح من جوهر واحد والتباس الأشياء والأفكار. فالمرح يسمح بالتعايش مع تعددية المدلولات. وفي المرح تتجلَّى طاقة الحياة.

كل مَن لا ينمِّي في نفسه القدرة على المرح يتعثر في الطريق. يضيِّق في يقينيَّاته. يتيه كِبَرًا. يدين. ثم، حتمًا، يقتل. أخذُ النفس على محمل الجِد هو من قبيل تحويل ناموس المحبة إلى شريعة حقد واحتقار. هو قولك: "أعرف". هو قولك: "لقد فهمت". وما من شيء أسوأ. ففيه مكمن الشرِّ الأعظم.

*** *** ***

ترجمة: ديمتري أفييرينوس

 

المراجع

-          La kabbale, par Roland Gœtschel, Paris, PUF, collection Que sais-je ?, 1985.

-          La Cabale, par Alexandre Safran (ancien grand rabbin de Roumanie, grand rabbin de Genève), Paris, Payot, 1988.

-          La mystique juive : les thèmes fondamentaux, par Gershom Scholem, Paris, Éditions du Cerf, 1985.

-          La Kabbale et sa symbolique, par Gershom Scholem, Paris, Payot, 1989.

-          Les Kabbalistes chrétiens de la Renaissance, par François Secret, Paris, Dunod, 1964.

أما أهم ينابيع القبَّالة فهما: سِفْر الباهر وسِفْر الزاهر.


 

* ولد دانييل بيرزنياك في باريس، ودرس اللغة العبرية في مدرسة اللغات الشرقية لهذه المدينة، وتاريخ الفن في بيزا، وتتلمذ في الفلسفة على فلاديمير جانكيليفتش؛ لكنه يقول إنه تلقَّى "تعليمه الجوهري" إبان حياته البوهيمية وهيامه الطويل على وجهه عبر أوروبا. ألَّف حوالى ثلاثين كتابًا في مذهب الباطن والماسونية، منها: أغوار الخيال (1994)، المتاهة، صورة العالم (1996)، والقبالة الحية (1995)، الذي اقتبسنا منه هذا النص بعد حصولنا على موافقة الكاتب. (المحرِّر)

للاتصال بنا 

الهاتف: 3312257 - 11 - 963

العنوان: ص. ب.: 5866 - دمشق/ سورية

maaber@scs-net.org  :البريد الإلكتروني

 

المصدر : موقع معابر     http://maaber.50megs.com/last_issue/index.htm