الترقيم البدائي عند العرب وتاريخه
موقع الأرقام يتقدم بالشكر الجزيل للجهد الذي بذله الدكتور قاسم علي سعد في أبحاثه الرائعة ضمن كتابه (الأرقام العربية - تاريخها وأصالتها وما استعمله المحدثون وغيرهم منها) ، . وفي مطلبنا هذا والمطالب التالية اقتبسنا الكثير منه لعلنا نستطيع أن نساهم ولو باليسير في نشر التعريف بكل ما يحيط بالأرقام العربية ، كما لا ننسى أن نتوجه بالشكر للدكتور عبد اللطيف جاسم كانو عن كتابه (الأرقام العربية - نبع الحضارة الإنسانية) فهو جدير بالمطالعة ، وهناك العديد من الكتب والمراجع والتي وعدنا أن نفرد لها صفحة خاصة تحت اسم (المراجع) ، ولكن بعد أن تكتمل جُل أبحاثنا المتنوعة .
المطلب الأول (من عشرة مطالب سنوافيكم بها إن شاء الله تباعا)
استعمل العرب كغيرهم من الأمم قبل ظهور الإسلام الترقيم ، وسجلوا تلك الأرقام بالكلمات . كما أنهم استعملوا حروف أبجديتهم للدلالة على أرقامهم (يرى بعض الباحثين أن العرب لم يستعملوا ذلك إلا بعد قيام الدولة الإسلامية ) وسمّوه (حساب الجمّل) (وهو بتشديد الميم كما ضبطه الجوهري في الصحاح 1662/4 . وينظر المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده 315/7 . وقد عرّفه ابن سيده في كتابه المذكور بقوله : "وحساب الجـمَّـل : الحروف المقطَّعة على أبي جاد" .
وثمة بعض الخلاف بين أهل المشرق وأهل المغرب في ترتيب حروف (أَبْجَد) ، ومن ثم اختلافهم في دلالتها على الأرقام .
الأبجدية عند أهل المشرق : رتب أهل المشرق حروف (أَبْجَد) على النحو التالي : (أَبْجَد هَـوَّز حُـطِّي كَـلَـمُـن سَـعْـفَـص قَـرَشَـت ثََـخَـذْ ضَـظَـغْ) (وقد قال الخوارزمي في مفاتيح العلوم - المصدر الأول - : "حروف حساب الجمّل وهي : (أَبْجَد هَـوَّز حُـطِّي كَـلَـمُـن سَـعْـفَـص قَـرَشَـت ثََـخَـذْ ضَـظَـغْ) ، هذا على ما يستعمله المنجمون والحسَّاب ، فأما على ما تعرفه العرب فـ : (أبو جاد هواز حطي كلمون سعفص قرشات)" . وينظر : المحكم في نقط المصاحف للداني 33 - 34 .
ودالتها عندهم على الأرقام كما في الجدول التالي :
| الحرف | قيمته العددية | الحرف | قيمته العددية | الحرف | قيمته العددية | الحرف | قيمته العددية |
| أ | 1 | ح | 8 | س | 60 | ت | 400 |
| ب | 2 | ط | 9 | ع | 70 | ث | 500 |
| ج | 3 | ي | 10 | ف | 80 | خ | 600 |
| د | 4 | ك | 20 | ص | 90 | ذ | 700 |
| هـ | 5 | ل | 30 | ق | 100 | ض | 800 |
| و | 6 | م | 40 | ر | 200 | ظ | 900 |
| ز | 7 | ن | 50 | ش | 300 | غ | 1000 |
الأبجدية عند أهل المغرب : وأما ترتيبها عند أهل المغرب فهو على الصورة التالية : (أَبْجَد هَـوَّز حُـطِّي كَـلَـمُـن صَـعْـفَـض قَـرَسَـت ثََـخَـذْ ظَـغـش) ، فالاختلاف بين الفريقين في ثلاث كلمات فقط .
وترقيم المغاربة الأبجدي حسب الجدول الآتي :
| الحرف | قيمته العددية | الحرف | قيمته العددية | الحرف | قيمته العددية | الحرف | قيمته العددية |
| أ | 1 | ح | 8 | ص | 60 | ت | 400 |
| ب | 2 | ط | 9 | ع | 70 | ث | 500 |
| ج | 3 | ي | 10 | ف | 80 | خ | 600 |
| د | 4 | ك | 20 | ض | 90 | ذ | 700 |
| هـ | 5 | ل | 30 | ق | 100 | ظ | 800 |
| و | 6 | م | 40 | ر | 200 | غ | 900 |
| ز | 7 | ن | 50 | س | 300 | ش | 1000 |
(ومما يجدر ذكره هنا أن العرب استعملوا في ظل الدولة الإسلامية ترتيبا آخر لهذه الحروف سُـمي بحروف المعجم وبحروف الهجاء أو التهجي وبحروف العربية - يراعى تشابه الشكل مع اعتبارات أخرى ، ولا علاقة للحساب به - ، فوضعوا الحروف المتشابهة في الرسم متساوقة ، لكن بقي الخلاف قائما بين أهل المشرق وأهل المغرب في الترتيب : (رجح البعض أن القرن الثاني أو الثالث الهجري هو الزمن الذي حدث فيه الانفصال بين الترتيب الأبجدي المشرقي والمغربي ، وكذلك بين حروف المعجم (الهجاء) المشرقية والمغربية . الكتابة العربية والسامية 311 .)
فترتيب المشارقة هو : (أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز س ش ص ض ط ظ ع غ ف ق ك ل م ن هـ و ي) .
وأما ترتيب المغاربة فهو : (أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ و ي) .
وقد فضل الصفدي الترتيب المشرقي لأنه أكثر اتساقا فقال : (وترتيب المشارقة أحسن وأنسب لأنهم أثبتوا الألف أولا ، وأتوا بالباء والتاء والثاء : ثلاثة ، وبعدها جيم حاء خاء : ثلاثة متشابهة في الصور أيضا ، ثم إنهم سردوها كل اثنين اثنين متشابهين إلى القاف ، وأتوا بعد ذلك بما لم يتشابه فكان ذلك أنسب) .
وبين أبو عمرو الداني سبب تسميتها بحروف المعجم فقال : "وحروف المعجم الحروف المقطعة من الهجاء ، وفي تسميتها بذلك قولان : أحدهما أنها مبينة للكلام ، مأخوذ ذلك من قولهم : أعجمتُ الشيء ، إذا بينته ، والثاني أن الكلام يُختبر بها ، مأخوذ ذلك من قولهم : عَجَمتُ العود وغيره ، إذا اختبرته") .
ومن أوائل الذين استعملوا الترتيب المشرقي أمير المؤمنين في الحديث وفقهه أبوعبد الله البخاري - المتوفى سنة 256 هـ . ، وذلك في كتابه القيم : (التاريخ الكبير) - وفي وغيره - ، وتبعه الإمام مسلم بن الحجاج - المتوفى سنة 261 هـ . في كتابه : (الكنى والأسماء) ، والإمام أبو عبد الرحمن النسائي - المتوفى سنة 303 هـ . في كتابه (الضعفاء) ، والإمام أبو جعفر العقيلي - المتوفى سنة 322 هـ . في كتابه الضعفاء أيضا ، والإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم - المتوفى سنة 327 هـ . في كتابه الجليل (الجرح والتعديل) ، وغيرهم الكثير .
وسبقهم إلى هذا الترتيب برمته الإمام اللغوي أبو عمرو الشيباني - المتوفى سنة 206 هـ . في كتابه (الجيم) ، وقد عُدّ أبو عمرو أول من رتب المعجم حسب أوائل الحروف كما ذكر الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار في كتابه (الصّحاح ومدارس المعجمات العربية) .
وكل هؤلاء قدموا الواو على الهاء . لكن الإمام اللغوي إسماعيل بن حماد الجوهري - المتوفى قبيل الأربع مئة - صاحب (تاج اللغة وصِحاح العربية) المشهور بـ (الصحاح) قدّم في كتابه المذكور الهاء على الواو ، قال الأستاذ احمد عطار في كتابه السابق : "وأفرد لكل حرف من حروف الهجاء بابا خاصّا به ، إلا الواو والياء فجمعهما في باب واحد ، ولهذا قدّم الهاء على الواو ليسعه جمع الواو والياء في باب" . وقد تبعه على تقديم الهاء على الواو الجم الغفير من علماء اللغة وغيرهم كمتأخري علماء الحديث ، ومنهم : أبو الحجاج المزي - المتوفى سنة 742 هـ . - في كتابه الفريد (تهذيب الكمال) .
ومن أوائل الذين اختاروا النَّمط المغربي في الترتيب المعجمي : الفقيه المحدث محمد بن حارث الخشني القيرواني ، ثم الأندلسي - المتوفى سنة 361 هـ . - في كتابه (تاريخ علماء الأندلس) ، الذي بقيت منه نسخة عتيقة في الخزانة الملكية بالرباط - وهي تُعَدُّ من أقدم المخطوطات بالخزانة الملكية ، وقد كتِب في آخرها : "تم الكتاب . والحمد لله حق حمده ، وصلى الله على محمد وعلى آله . وكان ذلك في شعبان من عام ثلاثة وثمانين وأربع مئة" - .
وتبعه الإمام أبو الحسن علي بن محمد القابِسي - المتوفى سنة 403 هـ . - في كتابه : (المُلخَّص لما في الموطأ من الحديث المسند) ، الذي نظمه على شيوخ الإمام مالك مرتبين على حروف المعجم . والإمام أبو عمر يوسف بن عبد الله القرطبي ابن عبد البر - المتوفى سنة 463 هـ . - في كتابه (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد) ، الذي رتبه أيضا على شيوخ الإمام مالك على حروف المعجم ، وكتابه (الاستغناء في معرفة الكنى) . وكذلك فعل الإمام أبو القاسم بن بَشْكُوال - المتوفى سنة 578 هـ . - في كتابه : (الصلة) ، الذي ذيل به على كتاب ابن الفرضي ، وغيرهم الكثير الكثير . وكذلك فإن أبا عبد الله بن عبد الملك المراكشي - المتوفى سنة 703 هـ . - تبع ابن بشكوال في ترتيبه لكتابه : الذيل والتكملة لكتاب الموصول والصلة ، وقال في مقدمته : "فآثرت ترتيب كتابي هذا بأن وضعتُ أبوابه على ترتيب حروف المعجم المشرقي لصحة اعتباره" . وينبغي ملاحظة ما ذكره أبو عمرو الداني في كتابه : (المُحكم في نقط المصاحف) ، بقوله : "أهل المشرق ينقطون الفاء بواحدة من فوقها ، والقاف باثنتين من فوقها ، وأهل المغرب ينقطون الفاء بواحدة من تحتها ، والقاف بواحدة من فوقها ، وكلهم أراد الفرق بينهما بذلك" .
ولا بأس أن نشير هنا إلى أن الخليل بن أحمد الفراهيدي - المتوفى سنة 170 هـ . - رتب كتابه (العين) على طريقة أخرى وصفها الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار في كتابه (الصحاح ومدارس المجمعات العربية) بقوله : "ورتب معجمه على الحروف بحسب مخارجها ، فبدأ بحروف الحلق لأنه أبعد مخارجها ، ويبدأ بالصعود تدريجيا حتى ينتهي إلى الشفة ، وجعل ترتيب الحروف هكذا : (ع ح هـ غ خ ق ك ج ش ض ص س ز ط ت د ظ ذ ث ر ل ن ف ب م و ي أ) .
والخليل أيضا هو أول من جمع حروف المعجم ضمن بيت واحد - كما ذكر السيوطي في بغية الوعاة وهو :
صِفْ خَلْقَ خَوْدٍ كمثل الشمس إذ بَزَغَتْ * يَحْـظى الضَّجيـع بها نجـلاءُ معـطارُ
فهذا الترقيم الأبجدي الذي انتهجه أهل المشرق والمغرب يعتمد النظام العشري الساذَج ، إذ قسموه إلى منازل : آحاد وعشرات ومئات ثم الألف ، بيد أنهم لم يعرفوا فيه الصفر .
وظل هذا الترقيم مستخدما عند العرب على نطاق واسع إلى أن عرفوا الأرقام الشائعة ، فقلَّ حينئذ استعمالهم له حتى كاد أن ينقطع في عصرنا هذا . (ومن ذلك الاستعمال ما ذكره الأستاذ الكبير المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر في مقدمة تحقيق الإحسان في تقريب صحيح ابن حيان من أن العلامة جمال الدين نصر الله بن أحمد البغدادي الحنبلي - المتوفى سنة 812 هـ . - لَهِج باستخدام الترقيم الأبجدي في ترتيبه للفروع الفقهية التي انطوى عليها كتاب القواعد الفقهية لابن رجب الحنبلي - المتوفى سنة 795 هـ . - ،وفي هذا الصّدد يقول : "فجاء جمال الدين الحنبلي هذا ، وصنع فهرسا جيدا لكتاب القواعد ، رتّب فيه الفروع الفقهية التي نُثِرت في الكتاب على أبواب الفقه ، ووضع عقيب كل مسألة رقم القاعدة التي هي فيها بحروف الجمّل مرموزة بالأحمر ، وقال : مثال ذلك : إذا كان عقيب المسألة : (ق ن ج) ، فاعلم أن القاف بمئة والنون بخمسين والجيم بثلاثة ، فاطْلب القاعدة الثالثة والخمسين بعد المئة تجد المسألة في القاعدة المذكورة" .
كما أن الإمام ابن ناصر الدين الدمشقي - المتوفى سنة 842 هـ . - أشار إلى وفيات الحفاظ الذين اشتملت عليهم قصيدته (بديعة البيان عن موت الأعيان) بالترقيم الأبجدي ، وتتألف هذه القصيدة من أكثر من تسع مئة بيت تضم أكثر من ألف ومئتي حافظ ، وقد جعلها على الطبقات . وهذا مثال منها يوضح المقام ، ففي أول الطبقة السابعة يقول : "الزاهدُ ابنُ القاسم النبيلُ قَوِيُّهُم صلاحُه أَثيلُ" . فقد ذكر في هذا البيت فقيه مصر عبد الرحمن بن القاسم صاحب الإمام مالك - المتوفى سنة 191 هـ . - ، وأشار إلى تاريخ وفاته هذا بأوائل كلمات الشطر الثاني ، فالقاف تساوي 100 ، والصاد 90 ، والألف 1 . وعلى هذا النمط عامة القصيدة . ولم يغفل ابن ناصر الدين الدمشقي في مطلع القصيدة عن التنبيه إلى منهجه فيها ، فمما قاله في هذا الشأن :
وفاتُهـم مُدْرَجَة في الوصـفِ * مـرمـوزةٌ بـأولٍ مـن حـرفِ
عـلـى حسـاب جمّل تلوح * غير أناسٍ مـوتهـم صـريــحُ
ولتركيب الأرقام الأبجدية طريقة تعرض لها الخوارزمي بقوله : "فإذا ركبت منها اثنين أو ثلاثة فإن سبيلك أن تقدم الأكثر وتؤخر الأقل ، مثال ذلك : (يب) اثنا عشر ، وكذلك (قكج) مئة وثلاثة وعشرون" . (لم يراع بعض الباحثين المعاصرين هذا الترتيب التنازلي في الترقيم الأبجدي ، كالدكتور مطلوب في الأرقام العربية إذ يقول "فإذا أُريد الرقم (1240) كتبوا (مرغ)" . وكذلك الدكتور السمان في بحثه : أرقامنا العربية الحالية هل يمكن التحول عنها؟ عندما قال : "فإذا أرادوا كتابة (1720) مثلا كتبوا (كذغ)" .
أدناه جدول يبين بعض النماذج حسب طريقة المشارقة :
| اللفظة | ما يعادلها | اللفظة | ما يعادلها | اللفظة | ما يعادلها | اللفظة | ما يعادلها | اللفظة | ما يعادلها |
| يا | 11 | سو | 66 | خس | 660 | بغشمه | 2345 | مه | 45 |
| يط | 19 | صح | 98 | غـا | 1001 | جغ | 3000 | قنه | 155 |
| كج | 23 | قيا | 111 | غقيا | 1111 | طغ | 9000 | --- | --- |
| لج | 33 | رب | 202 | بغ | 2000 | كغ | 20000 | --- | --- |
| نط | 59 | شعب | 372 | بغـقـيا | 2111 | غغ | 1000000 | --- | --- |
والحروف المركبة لم يكن يلاحظ معناها ، وهي في كثير من الأحيان - كما ترى - لا معنى لها أصلا . لكن جماعات من المتأخرين لما استعملوا هذا الترقيم الأبجدي في تأريخهم وغيره جعلوها ذات معنى ، إلا أنهم لم يلتزموا حينئذ الترتيب المنازلي . فمن ذلك (وهي نماذج لا خلاف فيها بين المشارقة والمغاربة) أن أحد المؤرخين سجل فتح القسطنطينية - وقد كان سنة 857 هـ . - بهذه الجملة المفيدة : (بلدة طيبة) . وأرخ آخر هذا الفتح بآخر كلمة ذكرها في هذا البيت :
رام أمـرَ الفتح قوم أولون * حازه بالنصر قوم (آخرون) .
وإنه لمن الفائدة بعد هذا العرض ، أن نسجل كلمات عن تاريخ تلك الأبجدية العربية التي هي مادة الأرقام العربية الأولى .
تاريخ ( أَبْـجَـد ) :
من المفيد معرفة تاريخ تلك الأبجدية التي قام عليها الترقيم في حِـقَـب من الزمن ، فمؤرخو اللغة المتأخرون يرون أن الحروف العربية تعود في أصلها الأول إلى الحروف السامية ، وبالتحديد : الكنعانية .
(ذُكر أن السامية متأثرة نوعا ما بالكتابة الهيروغليفية المصرية ، لكن الهيروغليفية لم تكن أبجدية . ومن أقدم الكتابات السامية : الكتابة السينائية التي ترجع نقوشها إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد تقريبا "من كتاب الخط العربي نشأته وتطوره ، ومن كتاب الكتابة العربية السامية" هذا وقد استعمل المصريون القدماء الرمز بالحروف للأعداد "من كتاب قصة الأرقام والترقيم ، وأيضا الرقم والعدد بين اللغة والرياضيات") .
واللغة الكنعانية تشتمل على عدد من اللهجات ، منها :
1 - الأجريتية :
وأجريت مدينة قديمة على الساحل السوري شمال اللاذقية ، تعرف حديثا برأس شمرا ، ويعتبر الترتيب الأبجدي الأجريتي أقدم من الترتيب الأبجدي الفينيقي ، ويرجع إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، وعدد حروف هذه الأبجدية المسمارية ثلاثون ، ولو أسقط منها الحروف الزائدة على الأبجدية الفينيقية المؤلفة من 22 حرفا لكان ترتيبها واحدا ، وهو : (أ ب ج د هـ و ز ح ط ي ك ل م ن س ع ف ص ق ر ش ت) ، وقد تعلم منهم ومن الفينيقيين هذا الوضع كثير من الشعوب .
(وأما الأحرف التي يجمعها قولك : "ثَـخَـذْ ضـظَـغْ" ، فيرى الدكتور رمزي بعلبكي في الكتابة العربية والسامية أنها إضافة عربية على الأحرف السامية الشمالية . كما أن هذا يؤيد مذهب الجمهور القائل إن أَبْـجَـدْ هَـوَّز ... أعجميات وليست عربيات ، أو يؤيد مذهب من يرى أن بعضها أعجمي وبعضها عربي ، وثمة قول ثالث هو أن جميعها عربي .
وقد اختلف في مدلول هذه الكلمات : أَبْـجَـدْ هَـوَّز... في الأصل ، فقيل : إنها من (أَبْـجَـدْ) إلى (قَـرَشَـت) أسماء ملوك مَدْيَنْ ، وكَلَمُنْ رئيسهم ، وضعوا الكتاب العربي على عدد حروف أسمائهم يجمعها قولهم : "ثَـخَـذْ ضـظَـغْ" فسمُّوها : الرَّوادِف . وقيل : إن أبا جاد كان ملك مكة ، وهَوَّز وحُطِّي بوَجَّ من الطائف ، والباقين بمَدْيَنْ . وقيل : إنها أسماء شياطين ألقيت على ألسنة العرب الذين كانوا في طاعته أن يكتبوها ، وقيل غير ذلك .
2 - الفينيقية :
والفينيقيون هم كنعانيو السواحل الشمالية ، ثم انتشروا في كثير من الأقطار ، ولم تكن أبجديتهم على الشكل المسماري الذي كان عند الأجريتيين ، واعتمدوا على الكتابة السينائية السامية التي استفادت من الكتابة الهيروغليفية المصرية . ومن الكتابة الفينيقية تفرعت الأبجديات السامية . فعنهم أخذ اليونانيون (الإغريق) صور حروفهم وأسمائها وترتيبها ، ولعل ذلك كان في القرن الثامن قبل الميلاد ، كما اقتبس اليونانيون منهم استخدام تلك الحروف في الرمز للأرقام . (يرى البعض أن حساب الجمّل استفاده اليونانيون من الآراميين والأنباط . لكن ينبغي أن يُعلم أن الخط الآرامي مقتبس من الخط الفينيقي وذلك فيما بين القرن الثاني عشر والعاشر قبل الميلاد . وقد رأى البعض أيضا أن اليونانيين هم الذين أعطوا الحروف - التي أخذوها من الفينيقيين - القيمة العددية . هذا ومما يؤكد شدة تأثر اليونانيين بالفينيقيين ، أن اليونانية الأولى - كما تدل النقوش - كانت تُكتب من اليمين إلى اليسار ، لكنها عَكَسَت طريقها بعد .)
وقد استعمل الرومان والفرس والهنود الحروف العددية ، وقام عدد من الباحثين الغربيين بدراسة الأبجدية الهندية ، فترجح لهم أن الأبجدية الخاروشتية الشعبية والأبجدية البراهمية (السنسكريتية) : وليدتا الأبجدية الآرامية السامية . ومنهم من رأى أن الأبجدية البراهمية مقتبسة من الأبجدية الفينيقية . بل رأى بعضهم أن الأرقام الخاروشتية تشبه الحروف النَّبطية .
ويجدر هنا أن نوضح أن الآراميين - كما يرى بعض المحققين - هم عرب الأصل من نجد ، هاجروا إلى الجهة الشمالية في النصف الثاني من الألف الثاني قبل الميلاد ، وكانت دولتهم في الشام متوسطة بين الدولة الآشورية والمصرية . وفي عام 733 قبل الميلاد تمكن الآشوريون من القضاء على هذه الدولة ، إلا أن حضارتها الزاهية لم تمت ، بل صار الآشوريون والمصريون والفرس وقسم من أهل الهند ، يتكلمون بلغتها التي اتسع انتشارها حتى صارت لغة التجارة في تلك العصور ، وقدعُثِر على نقوش من آثارها ترجع إلى حوالي سنة 900 قبل الميلاد ، وتعد السرْيانية إحدى اللهجات الآرامية .
وأما الأنباط الذين سبقت الإشارة إليهم فهم قبائل عربية رحلوا عن ديارهم في القصيم من نجد أيضا متجهين نحو الشمال الغربي (إلا أن أنباط سواد العراق لم يكونوا من العرب ، بل هم من أصل هندي سندي ، ويُعرفون بالزط) ، وأغاروا على بلاد آرامية ، وتأثروا كثيرا بحضارتها ، وكتبوا بحروفها المشتقة من الخط الفينيقي الكنعاني (قال الدكتور سليمان بن عبد الرحمن الذييب في بحثه : نقوش نبطية جديدة من قارة المزاد - سكاكا الجوف - في خاتمة دراسته لتلك النقوش : "وهي عبارات تُظهر مدى العلاقة القوية بين النَّبطية والعربية ، وتدل على تاكيد الأصل العربي للأنباط من خلال استخدامهم لمصطلحات عربية صرفة بأحرف آرامية نبطية") ، ثم طوروا الخط الآرامي إلى ما صار يعرف بالخط النَّبطي ، الذي استقل بعدُ عن الخط الآرامي ، كما اقتبسوا عن الحضارة الآرامية ما يعرف بحساب الجمّل ، ومنهم من استقى العرب بعد ذلك هذا الحساب (لقد مرّ قريبا أن الآراميين هم من أصل عربي ، لكن لا يلزم من هذا أن تكون لغتهم عربية ، لأنهم تركوا ديارهم وهاجروا إلى خارج الجزيرة العربية ، وتأثروا بغيرهم ، وهذا يوضح ما ذكره ابن دُريد في جمهرة اللغة عن حساب الجمّل بقوله : "وأما الجمّل من الحساب فلا أحسبه عربيا صحيحا" . ولعل الآراميين اقتبسوا حساب الجمّل من الفينيقيين) .
ويقال : أن قريشا تعلموا الخط من الأنباط ، وثمة أقوال أخرى في ذلك : فيقال : إن قريشا تعلموا الخط من أهل الحيرة ، أو أنهم تعلموه من أهل الأنبار ، ومنهم من جمع بين القولين الأخيرين بأن أهل الحيرة أخذوا الخط عن أهل الأنبار .
ومنذ القرن الرابع قبل الميلاد هيمن الأنباط على ملتقى طرق التجارات العالمية ، التي تربط بين تجارات الهند وفارس والعراق من الشرق ، ومصر من الغرب ، والشام والروم واليونان من الشمال ، والحجاز واليمن والحبشة من الجنوب .وأشهر قواعد الأنباط : البتراء (الرقيم) في الشمال ، والحِجْر (مدائن صالح) في الجنوب (وقد أصدر الرومان سنة 106 م. قرارا بضم مملكة الأنباط للدولة الرومانية ، وتم ذلك سنة 122م. . وفي الأنباط يقول ابن حجر في فتح الباري : "وهم قوم من العرب دخلوا في العجم والروم ، واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم ، وكان الذين اختلطوا بالعجم منهم ينزلون البطائح بين العراقين ، والذين اختلطوا بالروم ينزلون في بوادي الشام ، ويقال لهم النَّبَط بفتحتين ... والأنباط ، قيل : سمو بذلك لمعرفتهم بإنباط الماء ، أي استخراجه ، لكثرة معالجتهم الفلاحة) .
وقد استفاد كثير من الشعوب والأمم من الحضارة الآرامية النَّبطية ، فعنهم أخذ اليونان - على قول - والأقباط واليهود والهنود حساب الجمّل على طريقة (أَبْـجَـدْ هَـوَّز) . وتقدم قريبا ما يدل على أن الهنود تعلموا من هذه الحضارة العريقة ، وهذا يفسر ما سيأتي ذكره عن ابن النديم من أن الهنود يستعملون حساب الجمّل على طريقة (أَبْـجَـدْ هَـوَّز) . (ومن نافلة القول في هذا المقام : الإلماع إلى أن اليهود اقتبسوا خطهم الأول - كما تدل نقوشهم القديمة - من الخط الفينيقي ، وفي القرن الخامس قبل الميلاد اتخذوا خطاّ آخر قلدوا به الآراميين ، "وتطورت هذه الكتابة خلال القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد لتستقر على صورة جديدة ... وهي المستعملة حتى اليوم ، وبها تُطبع الكتب المقدسة في العبرية ، وهذا القلم شبيه بالقلم الآرامي المتأخر ، وبالقلمين النَّبطي والتدمري" .
(انتهى المطلب الأول ويليه المطلب الثاني إن شاء الله)
مع تحيات موقع الأرقام