الباب الثالث في التطبيق على خصائص الحروف العربية ومعانيها

الفصل الأول حول الأسس المعتمدة في التطبيق:‏

الحروف العربية كأدوات فنية:‏

لو استعرضنا ما تحصل لدينا في الفصول السابقة من خصائص الحروف العربية (الهيجانية والإيمائية والايحائية)، لرأينا العربي وكأنه قد جعل من حروفه ومعانيها مستودعاته الثقافية. قد وضع مفاتيحها الفنية بين أيدي أبنائه يأخذون منها جيلاً بعد جيل ما يحتاجون إليه من هذه المواد الصوتية لبناء الألفاظ تعبيراً عما يخطر في أذهانهم من معان وأفكار. فما أن تعترض أحدهم حاجة ما، أو حالة نفسية معينة، حتى يجد لديه ما يلزمه من أصوات الحروف في زمر منسقة الخصائص، فيوالف بينها في صيغ ملائمة للتعبير عن أحاسيسه ومشاعره وحاجاته، وفقاً لمقولَتَي ابن جني (حذوا لمحسوس الأحداث على مسموع الأصوات). و(سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).‏

وهكذا قد تحولت الحروف العربية من مجرد أصوات إلى أدوات فنية متخصصة صالحة لبناء ثقافة عربية رائدة أصيلة في أحاسيسها ومشاعرها ومفاهيمها دونما حاجة بها إلى أي اقتباس أو تقليد. فكان الحرف العربي بذلك هو على العموم أداة الفكر العربي ومحتواه على حد سواء.‏

ولئن تمرد كثير من الشعراء الأصلاء والكتاب المبدعين في مختلف العصور على الألفاظ المستهلكة والتعابير المبتذلة، والأفكار المجترة، فإنهم ظلوا يتقيدون عفو السليقة بمبدأ الإيحاء الحسي والشعوري لأصوات الحروف، في كل ما أبدعوه من ألفاظ تعبيراً عن المعاني المستجدة. فإذا ماجاء أحدهم بلفظة مبتكرة للتعبير عن معنى مستحدث، استغنى الناس بإيحاءات أصوات حروفها، ومعاني أسرتها وصيغة تركيبها، عن أي شرح أو توضيح. وليس كما يفعل الكثير من أدبائنا وشعرائنا المحدثين، لا ينفعنا اليوم مع مبدعاتهم اللفظية ومعانيها المبهمة معجم يشرح ولا فصيح يحلل أو بليغ يعلل.‏

حول المضمون الثقافي للفظة العربية:‏

لقد أصبح من ناقلة القول أن نؤكد أن الألفاظ العربية ليست مصطلحات ولا رموزاً معان.‏

فلو أن ألفاظنا قد رتبت على هذه الشاكلة من الرمزية والاصطلاحية كما يدعي بعضهم لما وجدنا الحرف الواحد من معظم حروفنا يطبع بخصائصه الصوتية أو الإيمائية معاني المصادر التي تبدأ أو تنتهي به بنسب راوحت بين (50-92) في المئة. ولما كانت معاني الألفاظ التي تبدأ بحرف ما أو تنتهي به، قد تقيدت بطبقته الهرمية، لا تتجاوزها إلى أحاسيس الحواس الأعلى، أو إلى المشاعر الإنسانية بنسب تراوح بين (95-99%) كما مرّ معنا في هذه الدراسة. وتلك خاصية فريدة في اللغة العربية لا نظير لها.‏

فحروفنا وألفاظنا قد بدأت بالتطور مع تفتح الروح العربية عن مكنوناتها فكانت بذلك هي التحقق الفطري المباشر لهذه الروح في دنيا الواقع: فكراً وفنّاً وأدباً، ليصدق في الأمة العربية القول المأثور (في البدء كانت الكلمة).‏

وهكذا قام التراث العربي الأصيل في مرحلة رعوية رائدة على أجيال فطرية من مرهفي المشاعر والأحاسيس، من هزاج العرب وشعرائهم وحكمائهم وأنبيائهم وفصحائهم يبدعون أصوات حروفنا وألفاظنا ويهذبونها عبر ممارساتهم العملية وتأملاتهم الروحية جيلاً مثقفاً بعد جيل: تجسيداً للمعاني التي كانت تجول في خواطرهم، في صور صوتية من صِرف المشاعر والأحاسيس، لتتحول بذلك كل لفظة إلى أعزوفة. ولقد دوّن مبدعو لغتنا كل ذلك في ذاكرة فائقة القوة والحساسية، لم يكن العربي يميز معها بين الإيحاءات الصوتية للألفاظ وبين معانيها.‏

وهكذا قد انصهر في اللغة العربية في جملة ما انصهر مؤسستا الفن والأخلاق. لتتعادل بذلك على العموم في كل لفظة قيمها الجمالية مع قيمها الإنسانية: جميل الأصوات للجيد والسامي من المعاني، ومضطرب الأصوات متنافرها للخسيس والرديء.‏

وإذن فاللفظة العربية إنما هي التحفة الفنية الحية التي تستطيع بخصائص حروفها الإيحائية أو الإيمائية أو الهيجانية أن تعيدنا بكامل وعينا إلى الحالات الشعورية واللاشعورية التي استلهم العربي منها عبر معاناته الطويلة مفاهيمه وقيمه وتقاليده وحدوسه الفنية والأخلاقية والفلسفية، فصب معانيها في الفاظ:‏

فلتحرير مفاهيمنا الثقافية وقيمنا الإنسانية مما لحق بها عبر العصور من شبهات الحضارات القديمة والحديثة وعصور الانحطاط، ما علينا الآن إلا أن نعود إلى أسرة اللفظة ومقاطعها وأصوات حروفها.‏

عودة إلى المقاطع والحروف:‏

إن معظم علماء اللغة العربية القائلين بفطرية اللغة العربية القدامى منهم والمحدثين يرى أن لغتنا بدأت بالثنائي، ثم انتقلت في مرحلة النضج إلى الثلاثي والمزيدات.‏

هذا الرأي على خطئه التاريخي يكشف لنا عن واقع لغوي يستحق التمحيص.‏

فعندما يرى معظم علماء اللغة العربية القائلين بإيحاءات أصوات الحروف أن اللغة العربية الفطرية قد قفزت من الثنائي إلى الثلاثي بإضافة حرف ثالث، فإن هذا يعني أن العلاقة بين معنى اللفظة العربية وبين أصوات حروفها، ليست قطعاً بمثل الوضوح الذي بينها وبين مقاطعها الثنائية الحروف:‏

وهذا أمر طبيعي، فالعلاقة الفطرية بين أصوات الحروف وبين المقاطع الثنائية الحروف قد استمرت باحتمال شديد آلافاً كثيرة من الأعوام منذ المرحلة الزراعية حتى أوائل المرحلة الرعوية، قبل أن تتحول إلى الثلاثي والمزيدات. فكانت هذه المرحلة اللغوية مدرسة حضانة وإعداد للحروف، قد تم فيها تهذيب النطق بها وصهرها في بوتقة من المعاني المستحدثة تحت رقابة سمع مرهف، ومشاعر إنسانية حية، ولقد تحدَّدت خلال هذه المرحلة معالم شخصية كثير من الحروف والمقاطع الثنائية الحروف.‏

فمن ثمانية وعشرين حرفاً فطرياً، تخرَّج ثلاثة عشر حرفاً (ابتدائياً)، ظل كل واحد منها محافظاً على فرديته، قد أسند العربي له فيما بعد وظائف خاصة في بنيانه اللغوي تتوافق مع خصائصه. بعض هذه الحروف يتصدر الألفاظ كما في حروف العطف (و.ف) والجر (ك.ل.ب.تاء- القسم. واو القسم)، والمضارعة (أ.ن.ي.ت)، والتسويف (س)، والتنبيه (هـ) وبعضها الآخر يلحق بالألفاظ: (التاء والهاء) في الضمائر المتصلة، و(النون) للنسوة. وما إلى ذلك من الوظائف الصرفية والنحوية المختلفة.‏

ومن سبعمئة وستة وخمسين مقطعاً ثنائي الحروف تخرج الكثير من المقاطع الإعدادية يستكمل كل واحد منها مقومات شخصيته في معان محددة وظل محافظاً على قوامه الصلب حتى الآن. وذلك كما في بعض حروف العطف والجر والجزم والنصب، وفي بعض أسماء الشرط والاستفهام والإشارة والأسماء الموصولة، وأسماء الأفعال، والأسماء الخمسة، وما إلى ذلك من حروف المعاني والأسماء (من. في. بل. لم. ان. اب.اخ.يد.فم. لا. لن. بل).‏

ولما كانت الصلة الإيحائية بين الثلاثي (الجامعي) والثنائي (الإعدادي) هي أقرب عهداً وأشفّ معنى مما بين الثلاثي وأصوات الحروف الابتدائية، فلقد كان من طبيعة الأمور أن تحجب المقاطع الثنائية الحروف أنظار معظم علماء اللغة عن الصلة الفطرية المباشرة بين معنى اللفظة وبين خصائص حروفها، وذلك لكثرة ما تعرضت له هذه الصلة من ضروب الصناعة والتهذيب والتثقيف عبر الثنائي (الإعدادي) طوال آلاف الأعوام.‏

وهكذا قد توقفت آلات سبر معظم علماء اللغة عند طبقة الثنائي (الإعدادي) لم تتجاوزها إلى ينابيع الثلاثي من أصوات الحروف (الابتدائية) إلا في مصادفات من الاستطراد والاستشهاد أو الإشراقات الذهنية العابرة.‏

فبأخذهم المقطع الثنائي خريج المرحلة (الإعدادية) على أنه صوت فطري قد أراحهم ذلك من مشاق التنقيب في أعماق الطبيعة والتاريخ والحس والنفس والشعور للكشف عن تلك الصلة الفطرية بين معنى الثلاثي وبين خصائص (حروفه).‏

ومما يلفت الانتباه أن علماء اللغة جميعاً سواء من قال منهم بالثنائي أو بأصوات الحروف كأصل للفظة العربية، كانوا يرجعون إلى معاني الألفاظ التي يشارك فيها حرف معين لتحديد خصائصه ومعانيه. وحتى العلايلي نفسه الذي أقام صرحه اللغوي الطريف على مقولة فطرية أصوات الحروف، قد حدد معانيها في جدوله الهجائي (بما تسمح به النصوص المحفوظة)، أي من المعاني المعجمية للألفاظ، وليس من صدى أصوات حروفها، أو من طريقة النطق بها، مما أوقعه في كثير من الأخطاء كما سبق أن أشرت إلى بعضها في حينه.‏

وإذن كيف نصل إلى المعنى الفطري للفظة العربية؟‏

هناك طرائق أربع هي:‏

الطريقة الأولى:‏

بالتحري عن المعنى الأصل للفظة، وذلك بالرجوع إلى المعاجم اللغوية.‏

الطريقة الثانية:‏

بالتحري عن معاني أفراد أسرتها، بالرجوع إلى المعاجم اللغوية أيضاً.‏

ولما كان لكل لفظة أسرة معاصرة من الصيغ المختلفة لمعان متنوعة فإنه لا بد أن يكون ثمة روابط صميمية بينها وبين معاني أفراد هذه الأسرة وذلك للاعتبارات التالية:‏

آ-لاشتراكهما في أصول صوتية واحدة (ثلاثة أحرف أو أكثر) مما يحتم أن تتأثر معانيها جميعاً بخصائص الحروف الأصل إيحاء أو إيماء أو هيجاناً.‏

ب-لبقاء أصولها الصوتية جميعاً في ذات الترتيب مهما تختلف صيغ الاشتقاقات، مما يحافظ على الاتجاه العام للمعنى المشترك، وعلى مسار الحدث المعبر عنه: سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).‏

جـ-لمرور أفراد أسرة اللفظة في مختلف المراحل الحضارية، فتتعرض بذلك إلى تجارب ذهنية وفنية وروحية متطورة متماثلة، مما يسهل معه استخلاص المعنى الجذر للفظة العربية.‏

وهكذا تتحدد بهذه الطريقة سمات المعنى الأصل للفظة، إن لم يكن يقيناً فاحتمالاً شديداً.‏

الطريقة الثالثة:‏

بالتحري عن الجذر الثنائي الأصل والحرف الملحق:‏

لما كان معنى الثلاثي هو ألصق بمعنى الثنائي منه بأصوات الحروف، فإنه لا بد لنا من التحري أولاً عن المقطع الثنائي الجذر، وذلك لتحديد الاتجاه الصحيح للمعنى الفطري الأصل للثلاثي.‏

ولكن لكل ثلاثي ثلاثة مقاطع، ثنائية الحروف، كما في بتر (بتْ.برْ. ترْ)، فأيها هو المقطع الجذر؟‏

للاهتداء إلى هذا المقطع يصار إلى تشديد الحرف الأخير من المقاطع الثلاثة لمعرفة من منها هو الألصق معنى بالثلاثي، فسمات معاني هذه المقاطع لا تتغير قطعاً بتشديد الحرف الأخير منها، على مثال ما يحصل بتشديد عين الثلاثي (كسر كسّر. فهِم فهّم...) وذلك لأن التشديد لا يغيّر من أصوات حروف الثلاثي أو الثنائي، ولا يبدّل من مواقعها أيضاً.‏

فالجرْس فيهما هو هو، والحركة هي هي، وأن كان يعتري معانيها شيء من الفعالية الزائدة في بعض الأحيان.‏

بل إنّ الثلاثي المضعف كما في (طلّ، كلّ مرّ، شقّ) الذي جاء مباشرة من تشديد الحرف الأخير من الجذر الثنائي، لم يكن ذلك لمنحه دائماً شيئاً من الفعالية وإنما لمقتضيات جمالية في الصياغة والنطق.‏

وإذا صادف أن كان مقطعان اثنان من المقاطع لا معنى لأي منهما، أو كانت معانيهما لا علاقة لها بمعنى الثلاثي، فإن المقطع الثالث يكون هو المقطع الجذر، إذ يستبعد أن تخرج مقاطعه جميعاً عن نطاق معناه. وإن حصل ذلك فلا بد من الرجوع إلى معاني أصوات حروفه: (سوقاً للحروف...).‏

وقد يصادف بالمقابل أن يكون ثمة أكثر من مقطع واحد يتوافق معناه العام مع معنى الثلاثي ولئن كان ذلك من شأنه أن يوقعنا أحياناً في حيرة وتردد لمعرفة المقطع الجذر، فإنَّ هذه الحيرة تفيدنا حتماً في اكتشاف المزيد من تلونات معاني الثلاثي، سواء أذكرتها معاجم اللغة أم لم تذكرها، كما سيأتي في (النفاق والغدر...) وغيرهما.‏

ولكن أين هو موقع الحرف اللاحق الذي يقوم بتلوين معنى الجذر الثنائي استكمالاً لحقيقة معنى الثلاثي؟‏

لقد تضاربت آراء علماء اللغة حول موقع الزيادة من الثلاثي.‏

فالعلايلي يجزم بزيادة الحرف في وسط المقطع الثنائي، إلاّ في حالات نادرة. وقال آخرون بزيادته في آخره كابن جني والزجاج وابن أثير (المقدمة اللغوية ص56). وتبعهم الأرسوزي في هذا الرأي أيضاً. كما قال بعضهم الآخر بزيادة الحرف في أوله. وكلهم ضرب الأمثلة الموفقة مما يتوهم معه أن العربي قد سلك هذه السبل الثلاثة بصورة عشوائية.‏

ولكن ماعلة هذه الفوضى في أصول الزيادة؟‏

يقول جرجي زيدان في كتابه (الفلسفة اللغوية) ص58. "إن الثلاثي قد نشأ بدمج مقطعين ثنائيين اثنين في لفظة واحدة على قاعدة النحت والاشتقاق الكبير". وعلى الرغم من أن العلايلي يرفض صراحة هذا الرأي (المقدمة ص68) فإني أراه جديراً بالاهتمام، ولكن على أن يكون بين المقطعين حرف مشترك. وهذا الرأي وإن كنت لا أعتقد باطلاقه، فإن من شأنه أن يفسر لنا في معظم الحالات كيف يمكن أن تقع الزيادة في أول الثلاثي أو وسطه أو آخره. فلفظة (بتر) مثلاً، يمكن تقطيعها بلا قلب إلى ثلاثة مقاطع ثنائية الحروف، بين كل اثنين منها حرف مشترك. وهي: (بتْ، برْ. ترْ). وبدمج المقطع الأصل (بت) من (بتْ بمعنى قطع) مع المقطع الثانوي (ترْ) من (ترّ العضو بمعنى بأن وانقطع) نحصل على الثلاثي (بتر). والحرف الزائد في هذا المثال هو حرف (الراء). ولقد أضيف هذا الحرف إلى آخر المقطع الثنائي الجذر (بتْ)، لإعطاء هذا الحادث شيئاً من الحركة بعد القطع، لاختصاص حرف (الراء) بالتحرك والتكرار، كما مر معنا.‏

وواضح من هذا المثال، أنه لو كان المقطع الجذر هو (تر) لكان الحرف الملحق هو (الباء) ويقع في أول الثلاثي، ولو كان (برْ) لكان الحرف الملحق هو (التاء)، في الوسط.‏

ملاحظة:‏

على أنه يمكننا أن نستغني عن فكرة دمج المقاطع الثنائية الحروف، على الرغم من موفقيتها في معظم الحالات كما سوف نرى، وذلك بالرجوع إلى الحرف الأصل الذي يطبع معنى الثلاثي بطابعه الخاص. وهذا أمر لم يعد صعباً بعد أن تعرفنا خصائص أصوات الحروف ومعانيها في هذه الدراسة. ومن ثم نبحث عن المقطع الثنائي الجذر الذي يحدد المعنى العام للفظة. ولذلك يكون الحرف الثالث هو الزائد الذي يلوّن معانيها ويتحدد به موقع الزيادة من كل ثلاثي.‏

فما دام الحرف الأصل في لفظه (بتر) مثلاً. هو (الباء) للحفر والبعج، والمقطع الثنائي الجذر فيها هو (بتْ) للقطع كما لحظنا آنفاً، فيكون حرف الراء الذي يقع في نهايتها هو الزائد الذي ألحقه العربي لاضفاء معنى الحركة على حادثة (البتر). وبذلك يتم التطابق بين الصورة الصوتية للفظة (بتر) وبين الصورة البصرية لهذا الحادث.‏

فبالباء ذات الصوت الانفجاري يبدأ فعل (البتر) بالحفر. وبالتاء ذات الصوت اللين الضعيف يرق الشيء ويستكين لفعل (البتر). أما الراء المتكررة الحركة في نهاية الثلاثي، فهي تحاكي حركة الجزء المبتور من الشيء بعد فصله عن أصله. وذلك (سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد).‏

ولكن معرفة الحرف الأصل، وإن كان من شأنها أن تحدد الاتجاه العام للمعنى، فإن ذلك لا يُغني عن معرفة الجذر الأصل أيضاً لتحديد المعنى الفطري للثلاثي.‏

وسواء أكان الثلاثي حاصلاً بالفعل من إضافة حرف ثالث إلى المقطع الثنائي الجذر، على رأي معظم علماء اللغة وإن اختلفوا في موقعه من اللفظة، أم كان حاصلاً من دمج مقطعين اثنين من مقاطعه بينهما حرف مشترك، على رأي جرجي زيدان المعدل.‏

فإن العودة إلى مقاطع الثلاثي لاستخلاص معناه الفطري، إنما هي عودة تاريخية إلى مركبات الثلاثي من شأنها أن تهدينا إلى المقطع الثنائي الجذر، وبالتالي إلى الحرف الملحق، إن لم يكن يقينا فاحتمالا شديداً.‏

الطريقة الرابعة:‏

بالتحري عن معاني حروف اللفظة:‏

ومما سبق يتضح لنا الآتي:‏

آ-إن التحري عن معاني أفراد أسرة اللفظة من شأنه أن يوضح لنا معناها الحضاري المعاصر بعد أن استكمل نطقها شروطه الصوتية واستوفت أبعادها الحسية والذهنية عبر مراحل طويلة من عمليات التطور والاشتقاق.‏

ب-إن التحري عن معاني الجذر الثنائي الأصل في اللفظة من شأنه أن يكشف لنا عن النشأة الحسية لمعناها الأصل، وعن كيفية أخذ هذا المعنى بُعده الثالث مع الحرف الزائد، في طفرة نوعية على مسار اللفظة التاريخي من البدائي الفطري إلى الحضاري.‏

جـ- كما أن التحري عن الحرف الأصل من شأنه أن يحدد الاتجاه العام لمعنى اللفظة. أما التحري عميقاً في معاني حروف اللفظة فمن شأنه أن يكشف لنا عن معناها الأصل الألصق بفطرتها ونشأتها الأولى، لا بل وعن حركة الحدث أو الشيء المعبر عنه في صورة صوتية تتطابق مع صورته البصرية في كثير من الأحيان وفقاً لمقولة ابن جني آنفة الذكر.‏

د-وعلى الرغم من بعد المسافة بين مرحلة أصوات الحروف وبين مرحلة تأليف الثلاثي من أصوات حروفه، فإن الحدس الذي انبثق منه معناه لا يزال كامناً في جذور هذه الأصوات حتى الآن.‏

ولذلك لا بد من الرجوع إلى معاني حروف اللفظة للكشف عن حدس العربي في العلاقة الفطرية بين أصواتها وبين معناها، ولا سيما إذا كان هذا المعنى يتصل بمفاهيمنا الثقافية وقيمنا ومؤسساتنا الاجتماعية الأصيلة.‏

وهكذا فإن العودة إلى حروف اللفظة بمقدار ما تكشف لنا عن جذور معانيها في الطبيعة والحس والنفس والمشاعر، فإنها تكشف بالتالي عن البنية العقلية والنزعة الروحية والملكة الفنية في الإنسان العربي الذي أبدعها تعبيراً عن حاجاته ومفاهيمه وحالاته وأحواله: "سوقاً للحروف على سمت المعنى المقصود والغرض المراد".‏

 

الصفحة الرئيسية

مع تحيات موقع الأرقام

المصدر : منشورات اتحاد الكتاب العرب - حسن عباس