عام الفيل وميلاد الرسول

من كتاب
قضايا ومناقشات
المؤلفات الكاملة للدكتور
اسماعيل احمد أدهم
تحرير وتقديم الكتور
احمد ابراهيم الهواري
دار المعارف 1986
 
تقدمة تحية إلي الدكتور محمد حسين هيكل باشا

عام الفيل

كان الرأي الشائع في الدوائر التاريخية العلمية أن المصادر اليونانية لم تتحدث عن تعرض الأحباش للحجاز ، ولاعن سفر الفيل غير أن المباحث الدقيقة التي نشرها المستشرق العلامة تيودور نولدكه عن تاريخ صلات الفرس بالروم بينت أن المؤرخ بركوب اليوناني تحدث عن تعرض الأحباش للحجاز بتحريض الروم ، ومن ذلك الحين اتخذت الدراسات التاريخية وجهة أخري تبدأ فيها بدراسة الوقائع من وجهة نظر المصادر اليونانية ، وتمحص علي أساسها ما ورد في كتب المؤرخين العرب ، وهذه الوجهة التي مال معها المستشرقين صحيحة الأسس ، لأن مؤرخي العرب تأخر بهم العهد نحو ثلاثة قرون من الزمان ، تدرجت فيها وقائع الجاهلية العربية علي الأفواه وتنقلت علي الألسنة في فترة من الزمان ، حمل في تضاعيفه من الأسباب القوية ما يجعله يتناول الواقعات و الحوادث التاريخية بتأثيره ، فينسج من حول مادتها الأقاصيص المتقومة بروح العصر و هكذا كان أن سلمت وقائع الجاهلية العربية لعصر التدوين في القرن الثاني للهجرة ، بعد أن غابت حقائق هذه الوقائع في تيه من الأساطير التي حيكت من حولها والتي غطت علي أمرها ، ومن هنا نجد للمصادر اليونانية قيمتها التاريخية ، باعتبارها مصادر معاصرة للوقائع التي جرت ، ومن هنا يمكن اتخاذها محكماً لدراسة الروايات العربية ، واستخراج العناصر التاريخية منها.

 

يذكر لنا بروكوب أنة في السنة الخامسة من حكم الإمبراطور جو ستنيان أعني حوالي سنة 530 ميلادية ، حمل الأحباش علي اليمن واستولوا عليها . وهو يصور أسباب هذه الحملة اعتمادا علي ما يقدره يوحنا المؤرخ اليوناني فيقول أن يوسف ذا نواس ( دومينوس الحميري : عند يوحنا ) قرض علي بعض التجار من نصارى الروم وقتلهم ، واستبعد نصارى نجران ، وأخذ يقطع السبيل علي تجارة اليونان ، فكان نتيجة ذلك أن كسدت التجارة وساءت الحالة الاقتصادية . وقد تضرر من هذه السياسة أقيال اليمن ،فخرجوا تحت لواء أحدهم ،وهو " أيدوج " الوثني وجرت بينهم وبين ذي نواس معارك وحروب لم يثبت فيها ،انتهي أمرة بأن قتل . وانتهزا الأحباش فرصة تجارب اليمنيين فشتوا الغارة علي بلاد اليمن تحت قيادة "أبرهة " الذي كان في الأصل عبداً لأحد تجار الروم النازلين ثغر ادوليس -رفتكوا بأيد وج ، واخضعوا اليمن لسلطة نجاشي الحبشة غير أن المصادر العربية تجعل من أيدوج هذا قائداً حبشياً وتسميه أرباط وأنه باسم النجاشي حارب ذا نواس ،

 

وبعد أن تغلب عليه حكم اليمن ، إلا أن " أبرهة الأشرم " احد قواد الحملة الحبشية ثار علية ونجح في إزحتة عن السلطة ، وتمكن من قتله وبسط نفوذه علي اليمن كلها وحكمها باسم النجاشي ونقطة الاختلاف هذه من الممكن تحقيقها ، لكنها لا تقع من غرضنا في هذا البحث ، وإنما الذي يهمنا تقديره أن المصادر العربية تماشي المصادر اليونانية في أن اليمن سقطت تحت حكم الأحباش بعد عهد ذي نواس دومينوس وبعد أن استولي الأحباش علي اليمن واستقروا فيها مدة ، حدث أن أرسل الامبرطور جو ستنيان سفيرا يدعي حوليان ، عرض من قبله علي النجاشي فكرة عقد محالفة مع الروم ضد الفرس ويكون دور الأحباش فيها التعرض للفرس من جهة بلاد العرب المتاخمة لجنوب غرب الحدود الفارسية ، وذلك لتخفيف الضغط علي الروم في صراعهم مع الفرس علي تحوم الحدود بين الإمبراطوريتين و هذه السفارة حدثت في حدود سنة 540 ميلادية ، كما يعين ذلك التاريخ المصادر اليونانية ، في وقت كانت الصلات قوية ووثيقة بين النجاشي وإمبراطور الروم . ومما لاشك فية أن جوستينان اعتمد علي هذه الصلات أولا ووحدة العقيدة الدنية التي تجمعه بالنجاشي الحبشة ثانيا ، ليطلب مؤازرة النجاشي له في الحرب التي اشتدت بينه وبين كسرى انو شر وان سنة 540 ميلادية

 

ولم تكن فكرة أمكان مساعدة الأحباش للروم في صراعهم ضد الفرس إلا فكرة خيالية لايمكن أن تتحقق في عالم الواقع . إذا لم يكن الأحباش أصحاب أسطول بحري ضخم يمكنهم من غزو فارس من جهة الخليج الفارسي ، ولا كان في إمكانهم إرسال حملة من اليمن قاعدة في بلاد العرب عبر صحرائها للتعرض للتخوم العربي الفاسية ، لان طبيعة تضاريس بلاد العرب لا تجعل وجهالامكان نجاح مثل هذه الحملة .وقد أمكن النجاشي أن يدرك هذه الحقيقة ، لإلمامه بالموقف الذي غاب عن الروم وقيصرهم . ومن هنا كانت المماطلة دائما من جانب النجاشي والاعتذار عن أمكان تقديم مساعدة فعالة للروم في صراعهم ضد الفرس فلما اشتد الصراع وبلغ أقصاة سنة 540 ميلادية ، وأرسل جوستنيتان رسولا خاصا ( سفيرا ) هو حوليان ، أضطر النجاشي مجاملة أن يأمر عامله علي اليمن ، أبرهة ، أن يرسل قسما من قواته شمالا علي زعم التحرك للتعرض للتخوم الفرسية .

تروي المصادر العربية أن السبب في تعرض الأحباش لمكة يرجع إلي أن أبرهة الأشرم شيد هيكلا في صنعاء حاضرة اليمن وذلك بغاية صرف الناس عن الكعبة . غير أننا نعلم من المصادر المسيحية أنها لم تشر البتة إلي مسألة بناء هيكل جديد في صنعاء حاضرة اليمن ( العربية السعيدة )علي أبرهة . هذا فضلا عن أن المؤرخ أوزيت في بحثه عن( تاريخ الكنيسة) يتناول بالذكر النصارى من العرب وقساوستهم وأصحاب المآثر منهم علي الكنيسة ، وهو لا يذكر شيئا عن أبرهة ، وعن تشيد هيكل في صنعاء .

علي أن اعتماد وجود بعض الفيلة في جيش الأحباش باليمن يسوقنا إلي مواقف علي جانب كبير من الخطورة ، يميل معها بعض المؤرخين الأعلام من الغربيين إلي إنكار وجود الفيلة في قوات الأحباش . ذلك لزعمهم أنة لا يمكن تصور أمكان الاحتفاظ بالفيلة في اليمن و تيسيرها في صحارى نجران فضلا عن أن الفيلة الأفريقية ( التي قد يكون الأحباش جلبوها إلي اليمن اذاصح هذا الاعتقاد ) من الصعوبة ترويضها حتى أن بعض الثقات الإثبات من علماء الحيوان يرون استحالة ذلك وهذه الاستحالة جعلت المؤرخين يرجحون أن تكون الفيلة التي ورد ذكرها في حروب القرطاجنيين قديما مجلوبة من الهند ، غير أن افتراض جلب الأحباش فيلتهم من الهند يقف في سبيل قبوله أن الأحباش لم يكونوا علي دراية بترويض الفيلة . هذا من جهة ومن جهة أخرى لأنهم لم يكونوا أصحاب أسطول يمخر عباب البحر الهندي ، حتى يمكنهم جلب الفيلة الهندية علي أن هذه الاعتراضات من الممكن ردها إذا لاحظنا أمرين غابا عن هؤلاء الباحثين : الأول أن الأحباش استعانوا بأسطول الروم لنقل جيوشهم عبر باب المندب والبحر الأحمر حين شنوا الغارة علي اليمن
وثانيا : أنة كان للروم سفائن حربية وأخرى تجارية في البحر الأحمر وهذا يجعل من الممكن جلب بعض الفيلة من الهند بواسطة سفائن الروم وأن يستعين الأحباش ببعض الهنود في تيسير هذه الفيلة في حملتهم علي فارس . ولا شك أن تعاون الروم مع الأحباش أولا ، والغرض من الحملة وهو مساعدة الروم ثانيا يجعل لتفسير تسمية حملة الأحباش بسفر الفيل وجها مقبولا

 

تقدم الأحباش بقواتهم شمالا ، لكنهم لم يكادوا يقربون مكة حتى ألمت بهم كارثة أودت بهم . وبعض المراجع العربية ترجع أن تكون هذه الكارثة هي تفشى الجدري في جيش الأحباش . و القرآن الكريم يؤيد كلام المؤرخين العرب . علي أن إشارة القرآن لأصحاب الفيل تحمل في تضاعيفها دلائل قوية علي معرفة العرب لقصة سفر الفيل من جهة وعلي أنها حديثة العهد بهم ، علي أن ما قدم القرآن لنا في صورة موجزة توسع فية رواة العرب وخلطوه بالأقاصيص وشحنوا به كتب التاريخ والسيرة و الادب ، وهناك بعض الشعر المزعوم قاله في حادثة الفيل ، تجد بعضه منسوبا لأبن الزبعرى والبعض الأخر لأمية بن أبي الصلت . فمن المنسوب للأول هذه الأبيات
وتنكلواعن بطن مكة أنها ........ كانت قديما لا يرام حريمها
لم تخلق الشعرى ليالي حرمت ........ اذا لا عزيز من الأنام يرومها
سائل أمير الجيش عنها ما رأى ........ ولسوف ينبي الجاهلين عليمها
ستون ألفا لم يؤبوا أرضهم ........ بل لم يعيش بعد الأياب سقيمها
كانت بها عاد وجرهم قبلهم ........ والله من فوق العباد يقيمها
أما الأبيات المنسوبة لأمية بن الصلت فهي

ومن صنعة يوم فيل الحبو ........ ش اذ كل ما بعثوه رزم
محاجمهم تحت أقرابة ........ وقد شرموا أنفه فانخرم
وقد جعلوا سوطة منولا ........ اذا يمموه قفاه كلم
فولي وأدبر أدراجة ........ وقد باء بالظلم من كان ثم
فأرسل من فوقهم حاصبا ........ فلفهم مثل لف القزم
تحض علي الصبر أحبارهم ........ وقد ثأجوا كثؤاج الغنم

ويفهم منها أن الكارثة التي ألمت بأصحاب الفيل كانت مزدوجة : ريح هبت عليهم ، ووباء تفشى فيهم ، وحمل الوباء عند العرب علي الريح المسموم ، علي أنة مما يستوقف النظر في هذه الأبيات وورد لفظة ( الأحبار) في البين الأخير مع أن الأحبار لم يكونوا هودا ، حتى يصح افتراض اصطحابهم لأحبارهم ! والذي عندي أن هذه الأبيات مفتعلة في العصر الإسلامي . إذا وضعنا إمام النظر كل هذه التحقيقات بأن لنا أولا : أن قصة مسيرا لأحباش إلي مكة بقصد هدم الكعبة دون غيرة ليست جاهلية ، وإنما تعود بأصل إلي الإسلام . ومن هنا نجد أن تعليل تعرض الأحباش للحجاز في طريقهم إلي فارس بأن القصد منه محاولة هدم الكعبة وصرف الناس عنها ليست إلا أسطورة نشأت بعد أن قام الإسلام وذاع وانتشر بين العرب واستقر في الشرق وأرتفع شأن مكة وأصبحت الكعبة قبلة المسلمين فعمل الرواة علي أن يربطوا بين وجود هيكل النصارى في اليمن وبين حملة الأحباش علي الحجاز في سبيلهم إلي فارس فكان لهم من ذلك قصة محبوكة . ومما لأريب فية أننا قد وضعنا اليد علي مواضع الصنع في هذه القصة التي ترويها الكتب العربية وكشفنا عن الخطوات التاريخية التي أستمد منها النسيج الأول الذي حيكت بعده بقية خيوط القصة كما تجئ في المصادر العربية . وهكذا نميز معنا الجانب التاريخي من الجانب الأسطوري فيها ، واتضحت ناحية خفية من نواحي تاريخ العرب في الجاهلية ،
 

ميلاد الرسول

ربط الكثير من مؤرخي العرب ميلاد الرسول (ص) بعام الفيل ليتخذوا من ذلك دليلا أخرا علي نبوة الرسول بأن عناية الله ردت كيد الأحباش عن مكة تكريما له إذا كانت أمه آمنة في ذلك الحين حاملة به , والواقع أن نبوة الرسول تحمل في ذاتها آيات صدقها ، فهي لا تحتاج لدليل خارجي يدعمها . وحياة الرسول تثبت أنه كان مخلصا طيلة حياة ، وهذا وحدة يرد كل محاولة يراد بها التشكيك في نبوته . ولما كانت حملة الأحباش التي عرفت بسفر الفيل جرت سنة 540 ميلادية كما ثبت من التحقيقات التي كشفنا لك عنها من قبل ، فأن الصلة تبدو مفصومة بين عام الفيل وهي السنة التي كانت فيها سفر الفيل وبين ميلاد الرسول (ص) فنحن نعرف أن محمدا علية الصلاة والسلام ولد في حدود سنة 570 ميلادية كما حقق ذلك الباحثون فأذن هنالك نحو ثلاثين سنة تفصل بين عام الفيل وميلاد الرسول. وبعض المؤرخين العرب يثبت هذا ، فمثلا يقول البغوى : أن سفر الفيل حدث قبل ميلاد الرسول بنحو أربعين سنة ومحمد بن السائب الكلبي ينزل بهذه السنين إلي ثلاثة وعشرين سنة ونلاحظ أن خلفاء أبرهة حكموا اليمن 31 سنة وأنه في سنة 570ميلادية ذهبت قوات القدس لتخليص اليمن من الأحباش وهذا يجعل حكم أبرهة الذي أغار علي الحجاز حوالي عام 540 ميلادية وهذا ما يؤيده عن طريق غير مباشر بعض المصادر العربية التي تقرر أن الرسول ولد بعد خمسين سنة من استيلاء الأحباش علي اليمن وأنهم طردوا بعد عامين من ميلاد الرسول . وهذا كله أن اثبت شيئا فإنما يثبت أن الصلة مفصومة بين ميلاد الرسول وعام الفيل وأن محمدا ولد بعد عام الفيل بثلاثين سنة تقريبا ومن المهم أن نقول هنا أن هذه الحقيقة التاريخية برغم وضوحها ورغم ثبوت أن حملة الأحباش علي الحجاز كانت في حدود سنة 540 ميلادية وميلاد الرسول كان سنة 570 ميلادية فأننا نجد معظم المشتغلين بالتاريخ الأسلامى يخطئون ، فيجعلون ميلاد الرسول مقرونا بعام الفيل . ربما كان لبعضهم العذر في هذا الخطأ لجعلهم هذه التحقيقات المعروفة في دوائر التاريخ في العالم المتمدن ، ولكن ما عذر بعض الأساتذة الجامعيين الذين تجد في مصنفاتهم جميع أصول هذه التحقيقات ، وبعد ذلك يخطئون ويقلون أن الرسول ولد في عام الفيل ومهما يكن من شئ فالتاريخ يرفض كل محاولة يراد بها ربط ميلاد الرسول بعام الفيل كما أن التحقيقات التاريخية تبين أن الصلة مفصومة بين التاريخيين بنحو ثلاثين سنة . ونوجوا أن يكون في هذا البحث تصحيح لما تجري به أقلام الباحثين في العالم العربي من أن رسول الله محمد عبد الله ولد عام الفيل .
( الإسكندرية )
" إسماعيل احمد أدهم "

 المصدر :  http://www.lamalef.net/ak/02/fil.htm