الأقيسة والأوزان المصرية القديمة

       بعد البحث والفحص على صنج الأقيسة التي كانت مستعملة عند المصريين في سالف الزمان عُلمت حقيقة وحدة الأطوال ، وهي الذراع بواسطة العالم الفرنسي (جرار) الذي اكتشف عام 1213هـ. مقياسا للنيل في جزيرة أسوان ووجد فيه الذراع القديم الذي كان بقدر به علو النيل وهبوطه ، وكان منقسما إلى 28 إصبعا ، فاستنتج من ذلك أن قدماء المصريين كانوا يستعملون الذراع المركب من سبع قبضات (القبضة بمقدار 4 أصابع) ، وقد كتب في ذلك الوقت تقريرا طُبع ضمن الخطط المصرية للفرنسية ، ومضى وقت طويل لم يتحقق قولة لدى كافة العلماء ، إلى أن عثر مسيو (جومار) سنة 1822م. على ذراع قال : "إن العرب وجدته في خزانات (منف) ، وهو الذراع القديم المصري ، ثم بعد ذلك أظهرت عوامل البحث عدة أذرع في المباني القديمة ، واحد منها في خراب منف ، وهو من زمن فرعون مصر (أمنمهتب) وهو من حجر ، ويوجد الآن في خزانة آثار مدينة فلورانس ، كما أن فيها أيضا ذراع آخر من أردواز ، وجده انستازي وطوله 0,5265 مترا . وفي قصر اللوفر ذراعان آخران من الخشب ، وفي خزانة الآثار بباريس ذراع آخر من سماق أخضر ، وهو قطعة مبتدأة من الإصبع العاشر ومنتهية إلى السابع عشر ، وقد وجد آخر بمصر قريبا واشتراها (سمويل شرب) من الإسكندرية ، وهي منقسمة إلى 28 إصبعا ، وفي مقابلة كل إصبع الكتابة الهيروغليفية ، ووجدت أذرع أخرى من خشب صلب مصفر غير متقنة الصنعة منقسمة إلى سبع قبضات ، والأربع قبضات الأوَل كل منها منقسم إلى أربعة أصابع وعليها تمجيد المقدّس (آمون را) المعتبر في مدينة طيبة ، وهي الآن في خزانة آثار مدينة لوندره وطولها 0,52598 مترا ، واخيرا قدة (مسطرة) من خشب أبيض عرضها سنتيمتر وسمكها 15 ملليمتر تقريبا ، منقسمة إلى 14 قسما متساوية ، وطولها 1,048902 مترا ، وهي من زمن الملك فرعون هروس ، ووجدت في سرايا الكرنك ، فهي ذراعان كاملان ، ويظهر أنها كانت مع العملة ونُسيت بين الأحجار .

       وقد أخذت أطوال تلك الأذرع فوُجِد أن المتوسط للوحدة هو 0,5253455 مترا وأن طول ذراع مقياس أسوان 0,527 مترا ، والذي استنتجه (نوتون) هو 0,5235 مترا ، وبعض العلماء يعتبر المتوسط 0,525 مترا ، فهذا هو الذراع القديم المسمى بالملوكي .

       ويوجد ذراع آخر مسمى في كتب العبرانيين بذراع الأواني ، وتكلم عليه (هيرودت) المؤرخ وقال : إنه جزء من 400 جزء من الاستادة (الغلوة) وأن الغلوة جزء من 600 جزء من الدرجة المصرية الأرضية .

       وحيث عُلِم بالحسابات المضبوطة أن الدرجة الأرضية لمصر هي 110827,68 مترا ، فقسمتها على 600 يكون الناتج 184,7128 مترا ، وهذا المقدار يكون هو مقدار الغلوة.

       وعندما كانوا الفرنسيون بمصر قاسوا أبعاد الهرم فوجدوا أن ارتفاع كلّ وجه من أوجهه هو هذا المقدار ، فعلى ذلك يكون ارتفاع وجه الهرم هو الغلوة .

       فإن قُسِمَ مقدارها السابق على 400 كان مقدار الذراع العتيق المصري 0,462 مترا ، وحيث إن جميع العلماء الأقدمين وغيرهم متفقون على أن القدم ثلثا الذراع وأن الغلوة 600 قدم فقسمة مقدار الغلوة السابق على 600 يكون الناتج 0,308 مترا هو قدم الذراع العتيق .

       وبالنظر لما تقدم يكون الذراع والقدم والغلوة كل منها منسوب للدرجة الأرضية وتكون الدرجة 600 غلوة أو 240000 ذراع أو 360000 قدم .

       ومقدار الذراع السابق وهو 0,462 مذكور في كتب من كتب عن أهرام مصر كمحمد بن عبد الله بن عبد الحكم فإنه قال : إن ضلع قاعدة وجه الهرم 100 ذراع سلطانية ، كل ذراع خمسة أذرع ، ويعلم من ذلك أن ضلع قاعدة الوجه 500 ذراع ، وفي زمن الفرنساوية قيس أضلع القاعدة المربعة للهرم فوجد أن طول كل ضلع 230,902 مترا أو 231,00 مترا ، فإن قسمت هذا المقدار على 500 كان الناتج 0,462 وهو عين ما وجدناه فيما سبق ، وإبراهيم بن وصيف شاه ذكر هذا المقدار بعينه .

       وذكر أبو الفرج في كتابه أن بطريقًا يعقوبيًا من أنطيكوس بالشام ساح مرة وحده بأرض مصر ومرة مع الخليفة المأمون سنة 214 هـ. الموافقة 929م. وقال : إن ضلع قاعدة الهرم 500 ذراع ، وهو مثل الأقوال السابقة ، وابن رضوان قال : إن ضلع الهرم 500 ذراع بالذراع الأسود ، 400 بذراع النجار ، فلو قسم مقدار القاعدة على 500 لنتج المقدار السابق ، وعلى 400 ينتج 0,5775 متر ، وهو مقدار الذراع البلدي المستعمل الآن عند الخياطين وغيرهم .

       فمما تقدم يتضح أن مقدار الذراع العتيق هو 0,462 مترا  وأن قدمه 0,308 مترا ، وهذا الذراع هو الأصل في جميع الأذرع ، كما تم تبيان ذلك في الخطط التوفيقية في الكلام على الأهرام ، وهذا الذراع مع الذراع الملوكي السابق داخلان في الأقيسة والأوزان والمكاييل كما سيتضح .

       وهنا نكتفي ببيان مكعب كل منهما وقدمه فنقول :

       الذراع الملوكي المكعب هو :

       0,525 × 0,525 × 0,525 = 144,703 لترًا .

       مكعب قدم الذراع الملوكي 0,35 × 0,35 × 0,35 = 42,875 لترًا .

       ولو اعتبر مقدار ذراع (نوتون) لكان مقدار القدم 0,349 مترا .

       ويكون مكعب الذراع 0,5235 متر × 0,5235 متر × 0,5235 متر = 143,466 لترًا .

       ويكون مكعب قدمه 0,349 × 0,349 × 0,349 = 42,500 لترًا .

       واختلف العلماء في أن أي الذراعين أقدم من الآخر ؟ والأرجح أن الذراع الملوكي هو الأقدم ، وبعضهم يظن أن الرومي (هو ذراع الأواني) أصلى في بلاد فينيقيا كما أن الملوكي أصلي في بلاد مصر ، وبسبب الاختلاط دخل الذراع الرومي أرض مصر ، كما دخل الذراع الملوكي بلاد فينيقيا ، وعلى أي حال فكلا الذراعين مصري لأن المصريين هم الذين عمروا جزائر اليونان وسواحل الشام وما جاورها من البلاد .

       وسيأتي أن أوزان الروم وغيرهم ممن جاورهم ماخوذة عن المصريين !!! .

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

المصدر : كتاب الميزان في الأقيسة والأوزان : علي باشا مبارك

مع تحيات موقع الأرقم