 |
|
فالقوتان
النوويتان
القوية والضعيفة الموجودتان
في البروتونات والنيوترونات مسؤولتان عن تقييد البروتونات
والنيوترونات في داخل نوى |
ومن المعلوم في اللغة أن الفتق هو عكس الرتق فالرتق هو ضم شيئين
لبعضهما البعض بينما الفتق هو خروج شيء من شيء آخر وما هو هذا الفتق إن
لم يكن هذا الانفجار الكبير في مادة الكون الأولية الذي ملأ الكون
بالجسيمات التي سماها القرآن الكريم الدخان. فالكون في الأصل كان كتلة
واحدة ثم تحول إلى مادة دخانية ملأت الفراغ المحيط بها وهذا لا يحدث
إلا نتيجة لانفجار هذه الكتلة المادية. وهذا الانفجار هو الذي جعل مادة
الكون الأولية تتناثر وتندفع في كل اتجاه بقوة رهيبة محدثة التوسع
الكوني الذي لا زلنا نشاهد أثره إلى هذه اللحظة. وممّا يؤكد على أن
مادة هذا الكون قد جاءت نتيجة انفجار كوني ضخم هو إشارة القرآن إلى أن
الكون في توسع مستمر والتوسع لا يتأتى إلا إذا بدأ الكون من جرم صغير
وبدأ حجمه بالازدياد وذلك مصداقا لقوله تعالى
"والسماء بنيناها بأييد وإنّا لموسعون"
الذاريات 47. لقد تفرد القرآن الكريم أيضا بذكر حقيقة التوسع
الكوني هذا كما تفرد بذكر حقيقة الدخان كما ذكرنا سابقا بينما لم تأتي
الكتب السماوية السابقة على ذكر هذا التوسع أبداً.
أما الآية الثالثة التي تؤيد صحة هذه الفرضية هو قوله تعالى
"يوم نطوي السماء كطيّ السجلّ للكتب كما
بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنّا كنّا فاعلين" الأنبياء 104،
فإذا كانت الآية السابقة تشير إلى توسع الكون عند بدايته فإن هذه الآية
تشير إلى انكماشه عند نهايته وسيعيد الله الكون إلى ما كان علية عند
بدايته "كما بدأنا أول خلق نعيده".
وليتأمل القارئ تشبيه القرآن للطريقة التي سينكمش بها هذا الكون عند
انتهاء أجله فهي نفس الطريقة التي يتبعها الكاتب (السجل) في لف (طي)
الرسائل (الكتب) عند الانتهاء من كتابتها كما هي العادة في زمن نزول
القرآن. لقد أجمع العلماء على حقيقة التوسع الكوني ولكنهم لم يتمكنوا
إلى الآن من البت في الحالة التي سيؤول إليها الكون حيث يقول بعضهم أن
الكون سيبقى في حالة تمدد إلى الأبد بينما يقول آخرون أنه سيأتي يوم
تتغلب فيه قوة الجذب بين مكوناته على قوة الاندفاع الناتجة عن الانفجار
فيعود الكون من حيث بدأ وينهار على نفسه. أما نحن المسلمون فنؤمن
إيمانا جازما بوعد ربنا سبحانه وتعالى حول مصير هذا الكون وأنه سيعود
من حيث بدأ كما قال سبحانه "كما بدأنا أول
خلق نعيده وعداً علينا إنّا كنّا فاعلين"
والقائل سبحانه
"وما قدروا الله حقّ قدره والأرض جميعا
قبضته يوم القيامة والسموات مطويّات بيمينه سبحانه وتعالى عمّا يشركون"
الزمر67.
أما المرحلة الثانية من مراحل خلق الكون فهي مرحلة تكون المجرات
والنجوم من هذا الدخان الذي أصبح يتكون من البروتونات والنيوترونات
والإلكترونات والفوتونات. فبعد أن برد الكون المتمدد إلى ما دون ثلاثة
آلاف درجة كلفن بدأت الإلكترونات بالارتباط بالبروتونات نتيجة لتأثير
القوة الكهرومغناطيسية مشكلة بذلك ذرات الهيدروجين والتي تتكون من
بروتون واحد وإلكترون واحد. ومع اتحاد البروتونات مع الإلكترونات أصبحت
جميع مكونات الكون متعادلة كهربائيا معطية المجال لقوة الجاذبية لكي
تقوم بدورها في بناء أجرام هذا الكون رغم ضعفها الشديد مقارنة مع قوى
الطبيعة الأخرى. لقد بقي الكون حتى هذه اللحظة متجانسا أيّ أن المادة
الدخانية المكونة من ذرات الهيدروجين والنيوترونات موزعة على جميع
أنحاء الكون بالتساوي وبنفس الكثافة. ولكن في لحظة ما بدأت كثافة مادة
الكون بالاختلال لسبب لم يجد العلماء له تفسيراً قاطعاً وتكونت نتيجة
لهذا الاختلال مراكز جذب موزعة في جميع أنحاء الكون وبدأت قوة الجاذبية
تلعب دورها في غياب تأثير القوة الكهرومغناطيسية وذلك من خلال جذب
مزيد من الهيدروجين المحيط بهذه المراكز إليها منشئة بذلك كتل ضخمة من
الهيدروجين.
وعندما وصل حجم هذه الكتل الهيدروجينية إلى حجم معين ونتيجة للضغط
الهائل على الهيدروجين الموجود في مراكز هذه الكتل ارتفعت درجة حرارته
إلى الحد الذي بدأت فيه عملية الاندماج النووي بين ذرات الهيدروجين
منتجة ذرات الهيليوم بالإضافة إلى كميات كبيرة من الطاقة فتكونت بذلك
النجوم. وتتفاوت أحجام النجوم المتكونة حسب كمية الهيدروجين الذي سحبته
من الفضاء الكوني وحسب موقعها في إطار هذا الكون فكلما ازداد حجم النجم
كلما ازدادت درجة حرارة باطنه بسبب ازدياد الضغط الواقع عليه. فالنجوم
التي هي بحجم شمسنا لا يمكنها أن تحرق إلا الهيدروجين في باطنها وذلك
بسبب صغر حجمها النسبي وبالتالي قلة درجة حرارة جوفها ولذلك فهي لا
تصنع إلا عنصر الهيليوم في داخلها. ولكي يمكن تصنيع عناصر أثقل من
الهيليوم قدّر الله وجود نجوم أكبر حجما وأعلى درجة حرارة من الشمس
وبداخل مثل هذه النجوم العملاقة بدأت عمليات اندماج نووية أكثر تعقيدا
بين ذرات الهيليوم منتجة بذلك ذرات عناصر الليثيوم والكربون
والنيتروجين والأكسجين وانتهاء بالعناصر الثقيلة كالحديد والرصاص
واليورانيوم وبقية العناصر الطبيعية التي يزيد عددها عن مائة عنصر.
وكما أن الاختلال الذي حصل في كثافة مادة الكون قد أدى إلى تكون النجوم
بشكل منتظم في أرجاء الكون فإن اختلال آخر قد حصل في كثافة هذه النجوم
بحيث أن النجوم المتجاورة بدأت بالانجذاب نحو مراكز ثقلها وبدأت
بالدوران حول هذه المراكز مكونة المجرات. وممّا أثار دهشة العلماء أيضا
هذا التوزيع المنتظم للمجرات في مختلف أرجاء الكون والذي لم يكن ليحدث
إلا إذا حدثت جميع هذه الاختلالات في نفس الوقت وبنفس الكثافة في كل
مكان في هذا الكون. وكما أن هنالك تفاوتا في أحجام النجوم فقد وجد
العلماء أن المجرات تتفاوت في أشكالها وأحجامها حيث يبلغ متوسط عدد
النجوم في المجرة الواحدة مائة بليون نجم من مختلف الأشكال والأحجام.
ويقدّر علماء عدد المجرات في ما يسمى بالكون المشاهد بما يزيد عن ألف
بليون مجرة والكون المشاهد هو الكون الذي تمكنت التلسكوبات التي صنعها
البشر من رؤية المجرات التي تقع على أطرافه وصدق الله العظيم القائل
"تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها
سراجا وقمرا منيرا" الفرقان 61. إن كل ما نشاهده من مجرات ونجوم
وكواكب إنّما هي موجودة في الفراغ الذي تحيط به السماء الدنيا وهي أقرب
السموات السبع إلينا أيّ أن ما في السماء الدنيا أو الأولى من أجرام هي
ما يسميه العلماء الكون المشاهد وربما أن ما يشاهده العلماء من خلال
مراصدهم ما هو إلا جزء صغير من هذه السماء الدنيا وصدق الله العظيم
القائل "وزيّنّا السماء الدنيا بمصابيح
وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم" فصلت 12.
وممّا يدعو حقاً للدهشة هو قدرة العقل البشري على فك أسرار هذا الكون
حتى عند اللحظات الأولى من نشأته، ويعود الفضل في ذلك لمن صنع هذا
العقل لا إلى من حمله في رأسه واستخدمه من بني البشر. لقد تمكن علماء
الفيزياء من وضع نظرية جديدة معدلة لنظرية
"الانفجار العظيم" أطلق عليها اسم نظرية
"الكون المنتفخ" وذلك بسبب فشل
النظرية الأولى في تفسير بعض الظواهر الفيزيائية في لحظات الانفجار
الأولى إلا أنهما تتفقان في تفسير الأحداث الكونية فيما بعد ذلك.
فعندما قام العلماء بإعادة حل المعادلات الفيزيائية التي حكمت تفاعلات
مادة وقوى الكون في اللحظات الأولى لنشوئه وبالتحديد في الثانية الأولى
اكتشفوا حقائق عجيبة تدعم الصورة التي رسمتها الكتب السماوية وخاصة
القرآن الكريم عن تركيب هذا الكون. وملخص هذه النظرية أنه في خلال
الثانية الأولى من الانفجار العظيم ونتيجة لحدوث ظاهرة فيزيائية غريبة
يطلق عليها اسم التأثير النفقي بدأ الكون بالتمدد بمعدلات أكبر بكثير
من المعدلات التي نصت عليها نظرية الانفجار العظيم. وقد نتج عن هذا
التمدد المفاجئ للكون في لحظاته الأولى ظهور عدة مناطق مادية على شكل
فقاعات متلاحقة يفصل بينها حواجز قوية وشكلت كل فقاعة من هذه الفقاعات
كونا خاصا بها. وتؤكد النظرية بالنص على أن هذا الكون العظيم المترامي
الأطراف الذي نشاهده أو ما يسمى بالكون المشاهد لا يشكل إلا جزءاً
يسيراً من هذه الأكوان التي لم تستطع النظرية تحديد عددها.
وهذا بالضبط ما قد أجمعت عليه جميع الكتب السماوية من وجود أكوان أخرى
غير الكون الذي نراه بأعيننا أو تصل إليه مراصدنا وقد أطلقت الكتب
السماوية على هذه الأكوان اسم السموات السبع كما جاء ذلك في قوله
تعالى "فقضاهن
سبع سموات في يومين وأوحى في كلّ سماء أمرها وزيّنّا السماء الدنيا
بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم".
ولقد كشف القرآن الكريم في آيات أخرى عن بعض الخصائص المتعلقة بطبيعة
هذه السموات فذكر أولا أنها على شكل طبقات حيث تطبق كل سماء على السماء
التي دونها ولا يكون ذلك إلا إذا كانت هذه السموات على شكل كرات مجوفة
كل واحدة تحيط بالأخرى بحيث يكون مركز هذه الكرات هو المكان الذي حدث
فيه الانفجار الكوني العظيم مصداقا لقوله تعالى
"الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق
الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور" الملك 3. وذكر
القرآن كذلك أن في كل سماء من هذه السموات السبع أجرامها الخاصة بها
لقوله تعالى
"الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهنّ يتنزّل الأمر بينهن لتعلموا
أنّ الله على كلّ شيء قدير وأنّ الله قد أحاط بكل شيء علما" الطلاق 12.
ولقد وصف القرآن الكريم هذه السموات السبع بالشدة والمتانة وقد جاء هذا
الوصف مطابقا لما اكتشفه العلماء في نظرية الكون المنتفخ وهي أن
الحواجز بين الأكوان المختلفة مكونة من أقطاب مغناطيسية أحادية القطبية
وهي من أثقل الجسيمات التي تنبأ العلماء بوجودها ولكنهم لم يعثروا على
أيّ منها حتى الآن في أجرام الكون المشاهد وصدق الله العظيم القائل
"وبنينا فوقكم سبعا شدادا" النبأ 12
والقائل سبحانه "ءأنتم أشدّ خلقاً أم السماء
بناها رفع سمكها فسوّاها" النازعات
27-28 والقائل سبحانه "لخلق السموات
والأرض أكبر من خلق الناس ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون" غافر 57.
ولقد أتى القرآن الكريم أيضا على ذكر أجرام قد خلقها الله في هذا
الكون وهي أكبر من السموات السبع وما فيهن ككرسي الرحمن الذي يحوي في
داخله هذه السموات السبع مصداقا