خلق الأرض والسموات في ستة أيام

    السؤال الذي يشغل بال المستشرقين .. وكل من يريد أن يحارب هذا الدين .. هو الادعاء بأن هناك تناقضا في القرآن الكريم .. ولو بذل هؤلاء الناس لفهم القرآن الكريم نفس الجهد الذي بذلوه في محاولة إظهار ما أسموه بالتناقض في القرآن الكريم لاستطاعوا أن يصلوا إلى عظمة القرآن .. وإلى معجزة القرآن وإلى الدقة البالغة في كلام الله سبحانه وتعالى .. ولكن المستشرقين يحاولون أن يأخذوا من المعجزة .. أهم ما فيها وهو أنه كلام الله سبحانه وتعالى .. وفي محاولاتهم هذه يلجأون إلى إظهار ما يسمونه "التناقضات" .. أو يطلقون عليه اسم "الأشياء المتناقضة" في القرآن الكريم .. وأساس هذا الاتجاه هو أن المعجزة وهي القرآن كلام الله سبحانه وتعالى .. وأن الله سبحانه وتعالى متنزه عن الخطأ .. متنزه عن النسيان .. متنزه عن كل ما في البشر من تناقض .. وبالتالي فإن وجود أي تناقض ولو كان ظاهريا في القرآن الكريم يساعدهم على هدم المعجزة .. وعلى الادعاء أن هذا الكلام هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وليس منزلا من عند الله .

     ولكن الإعجاز القرآني .. الذي هو موجود في كل حرف من القرآن .. إنما يظهر أمامهم بهذه الصورة ليجعلهم شهداء على المعجزة .. وليجعلهم وهم يحاولون أن يحاربوا هذا الدين .. وأن يشوهوا هذا الكتاب الكريم يبينون معجزاته .. ويظهرون ما خفي منها .. إذ أنهم يثيرون ما يزعمونه أشياء تجعل العقل البشري ينشط في محاولة الرد عليهم .. وبالتالي فإنه في بحثه في القرآن الكريم تتبين المعجزة ... ويتبين أن هذا الكرام هو كلام الله سبحانه وتعالى المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .

     ولنبدأ الحديث من أوله .. ماذا قال المستشرقون .. قالوا .. كلام بشر .. هل هو كلام بشر فعلا ؟ .. تعالوا نناقش ما أثاروه قضية قضية .. وإن كان هذا يحتاج إلى كتاب مستقل .

خلق السموات والأرض

     جاءوا في أول الأشياء بالخلق .. خلق السموات والأرض .. شيء من صنع الله سبحانه وتعالى حينما يتحدث عنه في القرآن الكريم .. فهو يتحدث عن شيء لا يعلمه إلا الله .. وبالتالي فإن أي تناقض ظاهري في هذه العملية مسألة تخدم قضيتهم في محاربة هذا الدين .. ماذا قال المستشرقون .. ؟ قالوا : ان القرآن الكريم قال في عدة سور .. أن الأرض والسموات خلقتا في ستة أيام .. وفي سورة فصلت : أن أيام الخلق ثمانية .. وقالوا انها هفوة بشرية .. ونسيان .

     خرجوا من ذلك بأن قائل هذا الكلام هو محمد صلى الله عليه وسلم .. وهذا هو هدفهم .. تعالوا نناقش ماذا قال القرآن الكريم في سورة الأعراف :

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (54) سورة الأعراف

     وقال في سورة يونس :

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (54) سورة الأعراف

     وفي سورة الفرقان :

{الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} (59) سورة الفرقان

     إذن أجمعت كل هذه الآيات على أن خلق السموات والأرض وما بينهما تم في ستة أيام . . لا خلاف في ذلك ولا جدال .. فإذا انتقلنا بعد ذلك إلى سورة فصلت .. حيث فصل الله سبحانه وتعالى خلق السموات والأرض يأتي في الآيات التي تقول :

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ {9} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ {10} ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ {11}‏ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {12}

     وإذا أحصينا عدد الأيام في السورة الكريمة .. نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول انه خلق الأرض في يومين وجعل فيها رواسي من فوقها .. وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام .. ثم استوى إلى السماء .. ثم يقول الله سبحانه وتعالى :

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا

     إذا أحصينا أيام الخلق في سورة فصلت نجد أنها ثمانية (يومان لخلق الأرض .. وأربعة أيام قدر فيها رزقها وبارك فيها .. أيام الخلق هذه ستة أيام .. يومان آخران للسموات .. إذن فهي ثمانية أيام .

وتعلم أن كل مُجمل يفسره مُفصلَّه إلا العدد ؛ فإن مُفصَّله محمول على مجمله

     يأتي هنا المستشرقون ليقولوا أن القرآن الكريم تناقض مع نفسه .. وأنه يقول في عدة آيات أن خلق السموات والأرض تم في ستة أيام .. ثم يأتي ليقول أن الخلق تم في ثمانية أيام .. ويضيفون أن هذه غفلة لأن قائله بشر .

وأيضا قال بعض المستشرقين : لو كانت هذه قصة الخلق للأرض والسموات لطابقت آية الإجمال آية التفصيل .

     وقال أحدهم : لنفرض أن عندي عشرة أرادب من القمح ، وأعطيت فلانا خمسة أرادب ، وفلانا ثلاثة أرادب ، وفلانا أعطيته أردبين ، وبذلك ينفد ما عتدي ؛ لأن التفصيل مطابق للإجمال .

     وادَّعى هذا البعض من المستشرقين أن التفصيل لا يتساوى مع الإجمال . ولم يفطنوا إلى أن المتكلم هو الله سبحانه وتعالى ، وهو يكلم أناساً لهم ملكة أداء وبيان وبلاغة وفصاحة ؛ وقد فهم هؤلاء ما لم يفهمه المستشرقون

 

     ولو أننا دققنا في الآية الكريمة التي يجادلون فيها لوجدنا بدايتها تختلف عن الآيات السابقة فالله سبحانه وتعالى يقول :

{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (9) سورة فصلت

     ومن هنا بدأت الآية بمخاطبة الكافرين الذين يجعلون لله أندادا .. ويجادلون فيه أي أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يخبرنا أن الذي يستخدم هذه الآية الكريمة في التشكيك في القرآن الكريم هم أولئك الكافرون الذين يريدون أن ينشروا ويذيعوا الكفر بين الناس .. ويريدون أن يجعلوا لله أندادا .. وهم في الحالتين غبر مؤمنين يحاربون الله .. ويحاربون دينه .. ان بداية هذه الآية معجزة .. لأن الذين يجادلون فيها .. هم أولئك الذين يحاربون هذا الدين .. ويكفرون بالله ويحاولون التشكيك .. فكون الله سبحانه وتعالى قال في هذه الآية الكريمة :

"وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا"

     وقال :

"أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ"

     كأنما هو يخاطب هنا أولئك الذين سيأتون بعد قرون عديدة ليشككوا في القرآن الكريم مستخدمين هذه الآية بالذات في محاولة التشكيك .

    ونحن نقول لهم أن من يقول هذا الكلام .. أما أن يكون متعمدا أو غافلا عن مدلولات النص ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

"أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً.." .

     ثم يقول سبحانه وتعالى :

"وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا.."

    إذن الله سبحانه وتعالى يتحدث هنا عن اتمام خلق الأرض .. هو يعطينا تفصيل الخلق .. فيقول خلق الأرض في يومين .. ثم يتم بعد ذلك الحديث عن الخلق فيقول .. فجعل فيها رواسي وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام .

    ما دام الحديث تتمة لنفس الشيء الذي بدأ الكلام عنه .. وهو الأرض .. أي أن الله سبحانه وتعالى لم ينتقل إلى الحديث عن السموات .. وانما هو يفصل كيفية خلق الأرض .. فهو يتم لنا زمن خلق الأرض .. فه يقول : أنني خلقت الأرض في يومين .. ثم أتممت خلقها في أربعة أيام .. إذن فمدة الخلق ، كلها بالنسبة للأرض هي أربعة أيام .. وليست ستة .

    ولنضرب مثلا يقرّب ما نقوله للأذهان .. إذا فُرِض أنني ذاهب من القاهرة إلى الإسكندرية .. وأن القطار سيتوقف في مدينة طنطا .. بعد ساعة .. وفي الإسكندرية بعد ساعتين ونصف .. فهل معنى ذلك أن المسافة بين القاهرة والإسكندرية ثلاث ساعات ونصف أبدا .. المسافة بين القاهرة والإسكندرية هي التي ذكرتها مؤخرا (ساعتين ونصف) ، أما الساعة التي سيستغرقها القطار من القاهرة إلى طنطا فهذه جزء يدخل ضمن الساعتين والنصف .. لماذا ؟ .. لأن طنطا جزء من الطريق بين القاهرة والإسكندرية .. والله سبحانه وتعالى يتحدث عن خلق الأرض .. فهو يقول سبحانه وتعالى .. انني خلقت الأرض في يومين .. ثم أتممت عملية الخلق بأن جعلت فيها رواسي من فوقها .. وباركت فيها أقواتها في أربعة أيام ، كأن الأيام الأربعة هي كل الفترة التي استغرقتها .. عملية خلق الأرض .. منها يومان لخلق الأرض .. ويومان لإتمام الخلق بأن جعل الله سبحانه وتعالى رواسي من فوقها .. وبارك فيها أقواتها .. المدة كلها أربعة أيام .. وليست ستة أيام .. الله سبحانه وتعالى أراد أن يفسر لنا أنه خلق الأرض في يومين ثم أتم خلقها بكل ما فيها من أقوات ورواسي بما في ذلك خلق الأرض نفسها في أربعة أيام .. فكأن اليومين الأولين جزء من الأيام الأربعة التي استغرقها خلق الأرض *.. مثل بالضبط عندما تقول أن القطار يستغرق من القاهرة إلى الإسكندرية ساعتين ونصفا .. وبين القاهرة وطنطا ساعة .. المسافة كلها ساعتان ونصف .. ولكنك أردت أن تفصل الجزء من الكل .. فذكرت بالتفسير جزءا من الكل .. وليس معنى هذا أن هذا الجزء إضافة الخلق .. هذا جزء من الكل نستخدمه جميعا في حياتنا اليومية كل يوم .. أقول وضعت أساس العمارة في ثلاثة أشهر .. وأتممت بناءها في عام .. هل معنى ذلك أن العمارة استغرقت عاما وثلاثة أشهر .. لا .. لقد أتممتها في عام .. ولكن جزء الأساس استغرق ثلاثة أشهر من عام البناء .. هنا تحدثت بالتفصيل .. والجزء من الكل .. ليس منفصلا .. ولا زائدا عنه .. تقول هذا المشروع تتم مرحلته الأولى في عام .. وينتهي في عامين .. هل معناه أنه يستغرق ثلاثة أعوام .. لا عامين .. لأن المرحلة الأولى هي جزء من الكل ..

تفصيل الخلق

    والله سبحانه وتعالى لم يفصل لنا في الآيات السابقة مراحل الخلق ولكنه أتى به مجملا .. .. إنما في سورة "فصلت" .. تحدث أولا عن خلق الأرض .. خلق الأرض نفسها في يومين .. ثم أتم الخلق بأن جعل فيها رواسي .. وبارك فيها أقواتها في أربعة أيام .. هذه مرحلة خلق الأرض .. استغرقت أربعة أيام .. ثم بعد ذلك يقول الله سبحانه وتعالى :

"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ"

     هنا انتقل الله سبحانه وتعالى من عملية خلق الأرض إلى خلق السماء .. فقال تعالى :

"ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ"

     مرحلة جديدة بعد إتمام خلق الأرض .. إذن إتمام خلق الأرض استغرق أربعة أيام .. وخلق السموات في يومين .. فأيام الخلق ستة .. وهما من أيام الله سبحانه وتعالى ..

{.....ُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} (47) سورة الحـج

     وهكذا نجد أن التناقض وهمي .. وأن المستشرقين أرادوا أن يستغلوا عملية تفصيل الخلق التي أوردها الله في سورة فصلت ليشككوا في القرآن .. وكان الله عليما قبل أن يبدأوا .. تبدأ الآية الكريمة بقوله :

"قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً"

     بدأها بهذا الكلام ليقول لنا من هم الذين سيجادلون في هذه الآية وينشرونها بالطريقة التي تهواها أنفسهم للإضلال عن سبيل الله .

 و- *لذلك قال أبو يحيى زكريا الأنصاري في كتابه (فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن) ص 373 : "يوما خلق الأرض من جملة الأربعة بعدهما ،والمعنى في تتمة أربعة أيام ، وهي مع يومي خلق السموات ستة أيام . يوم الأحد والإثنين لخلق الأرض ، ويوم الثلاثاء والأربعاء للجعل المذكور في الآية وما بعده ، ويوم الخميس والجمعة لخلق السموات" .

المصدر : القرآن الكريم + خواطر الشيخ محمد متولي الشعراوي