|
:: الجَـــوْس
(فجاسوا خلال
الديار):
الجوس هو التردُّد ذهاباً وإياباً. ونحن نقول في العاميّة: "حاس الدار" إذا
أكثر من الذهاب والإياب حتى ظهرت آثار ذلك في أرجاء البيت، في صورة من الفوضى.
وكذلك عندما نضع البصل في الزيت، ونضعهما على النارِ، ونكثر من التحريك
والتقليب، نقول: " إننا نحوس البصل ". وإذا وقع إنسانٌ في مشكلة جعلته يضطرب
فلا يعرف لحلها وجهاً، نقول: " وقع في حوسة ". والحوس والجوس هنا بمعنى واحد.
والعقوبة غير واضحة المعالم كالمرة الثانية، ولكنك تستطيع أن تتصورها عندما
يجوس قوم أولوا باسٍ شديد، ليس في قلوبهم إيمانٌ ولا رحمة.
بدأ الفساد بانقسام الدّولة بعد
موت سليمان عليه السلام عام 935 ق. م، ثم كان جوس المصريين، فالآشوريين،
فالكلدانيين. وبارتفاع وتيرة الإفساد ارتفعت وتيرة الجوس وخطورته، حتى بلغ
الذّروة بتدمير الدّولة الشمالية إسرائيل عام 722 ق.م. وبذلك تم قتل وسبي عشرة
أسباط من الأسباط الإثني عشر، وبقي الجوس في الدولة الجنوبية يهوذا على الرغم
من بعض الإصلاحات، وأبرزها إصلاحات (يوشيا) عام 621 ق.م،[1]
إلى أن تم
تدميرها من قبل الكلدانيين عام 586 ق.م. وبذلك تلاشت آثار المملكة التي أسسها
داود وسليمان، عليهما السلام.
(عباداً لنا أولى بأسٍ شديد فَجاسُوا خلال الدّيار):
الدارس للتاريخ، والمتدبّر للآيات الكريمة، يلاحظ:
1) أنّ الجوس قام به
المصريّون، والآشوريّون، والكلدانيّون –البابليون - وبذلك نلحظ دقة التعبير
القرآني: " عباداً "
هكذا بالتنكير.
2) كانت الأمم الثلاث قوية وشديدة البأس، وتجد ذلك
واضحا في الروايات التاريخية.
3) دخلت جيوش هذه الأمم
خلال الديار من غير تدمير لكيان المجتمع، وأبقوا الملوك في عروشهم، حتى كان
الملك (هوشع)، الملك التاسع عشر على مملكة إسرائيل، فزالت في عهده عام 722 ق.م.
أما مملكة يهوذا فزالت عام 586 ق.م، في عهد الملك (صِدْقيّا)، الملك التاسع عشر
على مملكة يهوذا، وبذلك انتهى الجوس. من هنا نلحظ دقة التعبير القرآني في قوله
تعالى: " خلال الديار ".
4) تَصاعدت وتيرة الإفساد وتصاعد معه الجوس، حتى كان
الأوج عام 722 ق.م، ثمّ عام 586 ق.م. من هنا ندرك دقّة التعبير القرآني في قوله
تعالى: " لتُفسِدنَّ في الأرض... ولتعلنَّ عُلواً كبيراً
".
بعد زوال المملكتين انتهت المرة الأولى، لكنّ جزءاً من
اليهود عادوا إلى الأرض المقدّسة على مراحل، وبدأت عودتهم في عهد (كورش)
الفارسي، الذي حرص على أن لا يقيم لهم دولة، ثم كان الاحتلال اليوناني عام 333
ق.م، ثم الأنباط، فالرومان الذين استمر احتلالهم للأرض المقدّسة حتى العام
636م، أي عام فتح عمر بن الخطاب للقدس.
قام اليهود العائدون من الشتات[2]حاولات
عدة لتحقيق الاستقلال، أو الحصول على حكم ذاتيّ. وقد نجحت بعض هذه المحاولات
لفترة محدودة حتى كان السبي على يد (تيطس) الرّوماني سنة70م، ثم السبي الروماني
الأخير في عهد (هدريان) عام 135م. وقد التبس الأمر على البعض، فذهبوا إلى القول
بأنّ المرة الثانية كانت عام 70م و 135م لأن الهيكل الأول دُمر عام 586 ق.م،
ودُمّر الهيكل الثاني عام 70م، ومُحيت آثاره تماما عام 135م.
[1]تاريخ
سورية ولبنان وفلسطين، د. فيليب حتي، ترجمة د. جورج حداد، دار الثقافة،
بيروت، ط3، ج1، ص 218
[2]وهم
قلّة عملت على تهويد بعض السكان في الأرض المقدّسة ليتكثَّروا بهم. ويجدر
التنبيه هنا إلى أنّ الغالبيّة العظمى من بني إسرائل ذابت في الشعوب
المختلفة. وعليه فإنّ الغالبيّه العظمى من بني إسرائل أصبحوا مسلمين، والنسبة
الأقل نصارى، وأقل القليل بقوا على اليهوديّة.
مع تحيات موقع الأرقام
|