(الصفحة الثانية من 3 صفحات)
الرياضيات والإســـلام
ولنأخذ مثالا واحدا من هؤلاء الأماجد وهو أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم التميمي الشافعي البغدادي صاحب المعارف الواسعة في أمور الدين والفقه واللغة والحساب والهندسة وله مؤلفات عديدة أهمها (الملل والنحل) ، (نفي خلق القرآن) ، (بلوغ المدى من أصول الصدى) ، (تأويل متشابه الأخبار) ، (أصول الدين في علم الكلام) ، (الإيمان وأصوله) ، (التحصيل في أصول الفقه) ، (العماد في مواريث العباد) ، (تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر) ، (معيار النظر) ، (التكملة في الحساب) ، و(رسالة المساحة) . لقد شكلت مباحث هذا العلامة تراثا علميا خالدا حمل معه طابع الأصالة والابتكار . فقد بحث في مختلف جوانب علم الحساب والهندسة والأعداد جمعا وتفريقا وتضعيفا وضربا وقسمة وكيفية إخراج الجذور في الأعداد الصحيحة وغير الصحيحة والكسور بين صورها وطرق جمعها وتفريقها وضربها وقسمتها واستخراج جذور الكسور التربيعية والتكعيبية والضرب والقسمة باستخدام الهندسة والأعداد المتناسبة والجذور ومسائل العدد وخصائصه وتطبيقاته في المعاملات والصرف وتحويل الدراهم والدنانير والأجرة والربح والخسارة والزكاة والجزية والخراج وحساب الأرزاق والبريد والثلاثي والأعداد المضمرة وغيرها من علوم الحساب . وأما في الهندسة فقد أوضح مساحات الأشكال للمثلث والمربع والدائرة والمجسمات ، وفي المسائل العلمية في حفر الآبار وبالأشكال الهندسية الدقيقة التي أثبتت مقدرة رياضية فائقة . وكمثل على جهلنا بهذا التراث العظيم نذكر أننا في مناهجنا الحالية ما زلنا نستعمل الكثير من مسائله عدا تغيير بسيط بالألفاظ والتسميات وذلك لمواكبة التطورات العلمية المعاصرة ، ولكن للأسف الشديد بدون الإشارة إلى فضل عالمنا عبد القاهر البغدادي وغيره من علمائنا العظام الذين كان لهم قصب السبق في اكتشاف وابتكار أفضل طرق حل المسائل الرياضية وأسلوب عرضها ، ولنأخذ مثالا واحدا من الأمثلة التي ذكرها البغدادي ونقارنه بأحد الأمثلة الحديثة ، لنرى كيفية عرض هذا العالم الجليل لمسائله الرياضية : فقد ذكر عبد القاهر البغدادي عند عرضه لمسائل البريد المثال الآتي :
(عاملي بريد إن خرج أحدهما من بغداد إلى الكوفة يسير كل يوم ثلث الطريق وخرج الآخر في تلك الساعة من الكوفة إلى بغداد ، يسير كل يوم ربع الطريق ، ففي كم من الزمان يلتقيان ؟) ، وهذا المثال يثار بالسؤال الآتي الذي نعلمه لطلبتنا في الوقت الحاضر وهو : (قطاران أحدهما من بغداد إلى الموصل يقطع كل يوم ثلث المسافة ، وسار الآخر في تلك الساعة من الموصل إلى بغداد ويسير كل يوم ربع المسافة ، ففي كم من الزمان يلتقيان ؟) . وأترك التعليق للمتابع الكريم ! . . .
ومعلوم أن العرب هم الذين ابتكروا الرقم (صفر) وهذا بحد ذاته فتح الآفاق الواسعة أمام علم الأرقام والعدد والرياضيات ، كما وأن الأرقام العربية المستخدمة الآن هي بالأصل أرقام هندية ، بينما الأرقام الإنجليزية المستخدمة دوليا عي أصلا الأرقام العربية التي اكتشفها المسلمون بناء على طريقة الزوايا ، إذ يمثل كل رقم رسما توضيحيا يعتمد على زوايا تقابل ذلك الرقم ، فالعدد (1) يمثل زاوية واحدة ، والعدد (2) يمثل زاويتين ورسمه الأصلي يشبه الحرف Z إلا أنه حرّف إلى شكله الحالي ، والعدد (3) كذلك وهلمّ جرّا . . . إلى أن نصل إلى العدد تسعة وهو مكون من تسع زوايا كما هو مبين بالشكل أدناه لمواقع الزوايا لكل رقم غباري عربي ، ولم يُستعمل نظام الزوايا بالنسبة للصفر بل استعملت الدائرة لأنها ليست رقما أو عددا وإنما هي مكونة من لا شيء ، والقصد من استعمالها هو للدلالة على موقع الفراغ بالنسبة للأرقام ووضعها في الخانات الصحيحة ، لتفرق بين الخانة الآحادية والعشرية والمئوية . . . إلخ .
وهذه الأرقام تسمى باللغة العلمية (الأرقام العربية Arabic Numeric) ، ولن نزيد عن الكلمة العظيمة التي قالها المهندس الإنشائي الكبير البروفيسور (كيني) إذ قال في مقدمة أحد كتبه : (يكفي العرب فخرا أن تكون أرقامهم أساسا لكل علومنا الحاضرة) .
الأرقام والعددية في القرآن الكريم
أولا - إن نظرة ثاقبة إلى سورة النساء فقط ومدى الروعة العظيمة في تقسيم الميراث في الإسلام وحقيقة إعطاء النصف والربع والثلث والسدس لحالات مختلفة يريك مدى الترابط بين القانون وعلم الاجتماع والاقتصاد والرياضيات .
وثانيا - فإذا تأملت لماذا هذه الكسور وحقيقة تقسيمها بهذه الدقة وربطها مع الحالات الاجتماعية المختلفة لكل تقسيم يريك الدقة في مراعاة الحقوق من جهة ودقة التقسيم الرياضي من جهة ثانية . وثالثا - وهذا ما يهمنا في هذا البحث - إن علم الرياضيات يحوي على ما يسمى بالكسور الاعتيادية وهذا العلم لم يكن معروفا بهذه الصفة الشمولية وهذه الدقة عند نزول الآية بل تطور بعدها بزمن . يقول تعالى : (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) سورة البقرة 261 . وما في هذه الآية المباركة من موضوع الأرقام والمضاعفات الرقمية ما يغني عن التعليق لوضوحها .
أما في ما يتعلق بالدرجات والتصانيف فقوله تعالى : (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ) سورة الأنعام 132 ما يبين لك أهمية موضوع الدرجات في القرآن الكريم ، وما سنذكره لاحقا هو حول الإعجاز الرقمي وهو في محيط كتاب الله المعجز .
أما في الإحصاء فللقرآن سبق أيضا ، يقول تعالى : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) سورة البقرة 261 ، كما وردت كلمة إحصاء بكل مشتقاتها وتفاعيلها في القرآن الكريم 10 مرات في سورة الجن والمجادلة والكهف ومريم ويس والنبأ والمزمل وإبراهيم والنحل والطلاق .
فتصور أخي المتابع أن كل ذرة في الأرض وفي جسم الإنسان وفي الكون من أي مادة كانت آلة التصوير (الكاميرا) محمولة معها تسجل تحركاتها وأعمالها فكم من المعلومات بإمكاننا أن نجمع في الثانية الواحدة ، يقول تعالى : (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) سورة الأنعام 59 فكم هو علمنا الإحصائي إلى علم الله . ألا من متأمل ؟ ، ولنا عودة لهذه الآية في رابط آخر إن شاء الله .
إن علم المواريث هو واحد من أهم العلوم الاجتماعية التي أولاها الإسلام اهتماما عظيما لأنه يشكل إحدى الدعامات الرئيسية التي يبنى عليها البناء الأساسي للمجتمع وهو الأسرة ، ويعتبر هذا العلم في الفقه الإسلامي من أهم وأعقد العلوم ، وهو أول العلوم التي يرفع تطبيقها من أمة الإسلام كما تنبأ المصطفى صلى الله عليه وسلم فجاء الخطاب القرآني فيه بشكل بناء اجتماعي - هندسي - رياضي محكم .
| قام المهندس الأستاذ مولود مخلص الراوي بتقديم بحث رائع في هذا الموضوع إلى المؤتمر الأول للإعجاز القرآني الأول المنعقد ببغداد للفترة 21 - 26 رمضان 1410 هـ. الموافق 16 - 21 نيسان 1990 م. ، وأسماه (الإعجاز في علم المواريث) والذي يتضمن إعداد برنامج حاسوبي للقسّام الشرعي يمكنه حل جميع مسائل الميراث مفردة كانت أم مناسخة (متعددة الوفيات) بأعداد صحيحة أو ما يعرف بالتصحيح وبنفس الأسلوب الشائع في تنظيم القسّامات الشرعية . وقد جرى اختبار البرنامج عمليا من قبل لجنة شرعية متخصصة ثم تم اعتماده من قبل وزارة العدل العراقية للاستخدام عمليا في المحاكم العراقية . (موقع الأرقام سيحاول إذا استطاع فنيا أن يوفر برنامجا شبيها يكون سهل الاستعمال مباشرة من الشبكة مع إمكانية التحميل إن شاء الله) . |
وبناء على ما سبق فإن للرقم والعد والرياضيات والعلوم الرياضية المختلفة (وهي أم العلوم كما ذكرنا) أهمية بالغة جدا في البنية الشخصية للمسلم ، وإذا ما عدنا غلى كتاب إلى العظيم وحاولنا اقتباس بعض من نوره . فإذا أجرينا إحصائيات عديدة معتمدين على عدة أساليب رياضية وإحصائية ومنها عدد مرات التكرار ، وتسلسل الكلمات والآيات والسور ، وعدد الأحرف ، وغيرها ، وكذلك حساب الجمل ، وأحيانا التراميز الثلاثة لحروف القرآن ، والأوزان الرقمية للأعداد وهو ما عرف عند العرب من عصر قبل الرسالة الإسلامية وكذلك عرفت عند أقوام آخرين من أصحاب اللغات السامية الأخرى كالعبرية وغيرها ، لوجدنا أن الإشارات القرآنية للعدد والرقم والرياضيات تقسم إلى الأقسام الآتية :
1 - الإشارة المباشرة إلى الرقم الصحيح : فقد وردت الأرقام الصحيحة الآتية بشكل واضح في آيات متعددة (1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10 / 11 / 12 / 19 / 20 / 30 / 40 / 50 / 60 / 70 / 80 / 99 / 100 / 200 / 300 / 1000 / 2000 / 3000 / 5000 / 50000 / 100000) .
فائدة في الأعداد الصحيحة :
وهي ثلاثون عددا .
إذا جمعنا قيم هذه الأعداد جميعا
فسنجدها كالتالي :
- 162146 – أي – 19
× 8534 -
وإذا أردنا أن نضيف الأعداد التي لم
يصرح بها مباشرة وهي – تسع وتسعون – وقد ورد العدد تسعة صراحة وكذلك العدد تسعة
وتسعون ، أما العدد – تسعين فلم يرد في الأعداد الصريحة سالفة الذكر .
وهناك أيضا العدد – 950 – فلبث فيهم
ألف سنة إلا خمسين عاما - .
وهناك العدد – 309 – ثلاث مائة سنين
وازدادوا تسعا - . وعليه يكون مجموع قيم الأعداد التي لم تذكر صراحة هو :
950 + 309 + 90 = 1349 أي
19 × 71 .
عدد مفردات جميع الأعداد 69 ÷ 23 = 3 . (23 هو مدة تنزيل القرآن) .
نرصف الأعداد : 100000500005000300020001000300200100998070605040302019121110987654321
نقسم ÷ 7 = 14285785715000042860000142900028585856867229291471717017301569664903
(انتهت الصفحة الثانية من 3 صفحات)
مع تحيات موقع الأرقام
من المصادر - كتاب (المنظار الهندسي للقرآن الكريم)