مع بحث كامل عن الرسم القرآني
وقع بين يدي كتاب (الميزان في الإعجاز العددي للقرآن) لمؤلفه / السيد أيمن الموسوي ، عن دار الطباعة والنشر والتوزيع – بيروت - . وقد قسّم الكتاب إلى عدّة فصول يحاول المؤلف من خلالها تسليط الضوء على المسميات التي تأتي مثل : (لغة الأرقام) ، (الإعجاز العددي للقرآن) ، إعجاز التساوي في ألفاظ القرآن) . . . الخ . ويقول المؤلف بالنص لتعريف لغة الأرقام : (لغة الأرقام هي عبارة عن عملية إرسال النظر في القرآن الكريم ، وأخذ ألفاظ منه ، ثم القيام بتعدادها . . . ليكتشف بعد ذلك أنَّ من هذه الأعداد ما هو متساوٍ في عدد وروده فيه ، وأنَّ هناك شيئاً ما في هذا التساوي ، يراد إفهامه لنا) . ويستمر قائلاً : بأنه لم يتعرف أحد ممن جمع وكتب في هذه الأمور لذكر تاريخ معين يرجع إليه بداية هذا العلم لسب تركيزهم على صرف الجهد نحو ذلك .
وقد ساق المؤلف عدة أمثلة للتفسيرات العددية للقرآن ، وبين ما بها من أخطاء حسب اجتهاده ، (سوف نورد لكم بعضاً منها في سياق هذا الموضوع) . ويتساءل المؤلف ما المقصود بلغة الأرقام هل هي لغة يمكن التخاطب بها ؟ وقد عرّفوا اللغة واصطلحوا عليها : بأنها هي ما يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم ، وأعتبرها لغة إيحائية. ويستمر في تسائله ما هي هذه اللغة – المدعاة - وما هو شكل تعبيرها . وقد استرسل المؤلف في الشرح ليقول : (في معرض مناقشتنا لهذه الأعداد والأرقام والحسابات لم نرَ لها أسساً واضحة وقواعد حاكمة ، تبين لنا ما يمكن أن يكون مقبولاً من هذه الحسابات ، وما لا يمكن أن نقبله .
فعلى سبيل المثال : – وهذا الكلام للمؤلف – (هذا علم اللغة العربية ، فإنه بقواعده يمكن معرفة أيّ لفظة وتمييز صحيحها من سقيمها ، والتفريق بين ما هو من أصل اللغة وما هو دخيل أو مولّد فيها ، وذلك من خلال مقايسة الكلمة بقواعد هذه اللغة . . . وهكذا في كل العلوم . كعلم الطب والهندسة والحساب . . . وغيرها) . ومن جهة أخرى ، - والكلام للمؤلف – لا بد لكل علم له قواعده وضوابطه إذا أريد تأسيس قاعدة له : أن يراعي جهة عدم المساس بالمسلمات العامة والمتفق عليها . . . والتي باتت تشكل الضروريات – على الأقل – في نطاق العلوم المتعلقة فيه . . . لكن ما نحن بصدد الحديث عنه من أشياء هذه الحسابات والأعداد ، فإنها فضلاً عن أنها لا تملك أياًّ من هذه القواعد ، لم تتمكن أيضاً في بعض تجاربها وممارساتها من التخلص من محذور ما تم ذكره سابقاً . والشروحات التي ساقها المؤلف طويلة ، ونحن موقع الأرقام لا نحب الإطالة ، ومن يهمه أمر التفاصيل عليه باقتناء هذا الكتاب والرجوع إليه ، ولكن علينا توضيح بعض الأمثلة التي وردت في الكتاب ، ومحاولة الرد عليها بقدر ما نعلم ، ليس من باب الدفاع فحسب ، بل ليتسنّى للمتابع معرفة وجهات النظر ، ويُترك الأمر له بعد ذلك في الاستنتاجات .
ولكن قبل الخوض في هذا الكتاب علينا أن نقدم للمتابع نبذة مختصرة جامعة عن المصحف الإمام نوضح من خلالها للمتابع ما يفيده ويثبته ضد كل من يتعرض لأمور القرآن ، وهذا الكتاب المذكور أعلاه دفعنا نحن موقع الأرقام إلى كتابة هذا البحث الآتي:
والموضوع : (هو الالتزام برسم المصحف الإمام) .
يقول الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي من القاهرة في كتابه : (رسم المصحف والاحتجاجُ به في القراءات) .
يقول في الصفحة العاشرة :
وهذا الرسم أجمعت عليه الأمة وتلقّتْهُ بالقبول بترتيب آياته بل كلماته بل حروفه ، لذا أصبح مصحف عثمان الإمامُ حجّة على القارئين والمقرئين إلى يوم الدين .
وفي الصفحة الثانية عشر يقول :
وهكذا كان عمل عثمان بن عفان من قبيل صَوْن القرآن عن التحريف والتبديل والاختلاف وكانوا وهم يكتبون المصحف يتحرّوْن الدقّة ، والتثبّت حتى إنهم كانوا يتوقّفون عن الكتابة حتى يثقوا من صحة ما يكتبون وأنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (النشر 1/9) ، وفي الصفحة /112/ ينقُل الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي عن مجلة الرسالة العدد /216/ (سنة 1937م) فيقول :
(كان لِلَجْنَةِ الفتوى بالأزهر إسهام في الموضوع إذ رأت الوقوف عند المأثور من كتابة المصحف وهجائه واحتجّت لما رأته : بأن القرآن كتب في عهد النبي صلى الله عليه وسلم برسمٍ كُتِبت به مصاحف عثمان واستمر المصحف مكتوباً بهذا الرسم في عهد الصحابة والتابعين ، وتابعي التابعين ، والأئمة المجتهدين في عصورهم المختلفة .
ولم يُنْقَل عن أحد من هؤلاء جميعاً أنه رأى تغيير هجاء المصحف عمّا رُسِم به أولاً إلى تلك القواعد التي حدثت في عهد ازدهار التأليف في البصرة والكوفة .
ثم يقول الدكتور : ورأى (حفني ناصف) عليه رحمة الله وجوب المحافظة على الرسم العثماني الراشدي لمعرفة القراءة المقبولة والمردودة ، وفي المحافظة احتياط شديد لبقاء القرآن على أصله لفظاً وكتابةً فلا يُفْتَحُ فيه بابُ (الاستحسان) .
الزمخشري يلتزم برسم المصحف الإمام
يطالب الإمام في كشافه وجوب التقيد بخط المصحف الإمام وفيما يلي ، بعض الشواهد على ذلك :
وأسجل ما كتبه الأستاذ الشيخ محمد متولي الشعراوي في مقدمة التفسير والذي أسماه مؤلفه الدكتور أسعد حومد : (أيسر التفاسير) فقد قال الأستاذ الشعراوي :
الأخ الكريم أسعد حومد :
السلام عليكم . . . .
فالحمد لله على ما هداك له من خدمة كتابه الكريم خدمةً تُيسّره فهماً وكتابةً فقد حافظت على المأثور من خط المصحف حتى يظلّ لكتاب الله جلالُه .
زيادة في الإيضاح أسجل ما ذكره الشيخ محمد بن علي خلف الحسيني شيخ القرّاء بالديار المصرية في كتابه (إرشاد الحيران إلى معرفة ما يجب إتباعُه في رسم القرآن) "طبع هذا الكتاب يوم الإثنين 25 شعبان عام 1342ه ."
ففيه إجابة عن السؤال الوارد من الأقطار الهندية إلى مفتي الديار المصرية ونص السؤال :
قد رأينا في كثير من المصاحف المطبوعة في الآستانة العليّة وغيرها والمكتوبة بقلم أشهر الخطاطين مثل الياقوت المستعصمي وغيره أن كلمات : (العالمين ، كافرين ، شاكرين ، صاغرين ، جنات والملائكة) وأمثالها ، مكتوبة بالألف ، وفي مصاحف يقال أنها عثمانية كتبتْها بغير الألف هكذا : (العلمين ، كفرين ، شكرين) فبفضلِكم خبّرونا ما هو الرسم القرآني وهل هو توقيفيّ واجبُ الإتباع ثم هل يستفاد وجوبه من (كتاب الله) أو (سنّة رسوله) أو (القياس) أو (الإجماع) ؟
وفيما يلي جواب مفتي الديار المصرية :
أما كون الرسم توقيفيًّا فدليلُنا ما ذكره احمد بن المبارك في كتابه (الذهب الإبريز) عن شيخه العارف الشيخ عبد العزيز الدبّاغ أنه قال : رسم القرآن سرّ من أسرار الله ولما سئل عن جماعة من العلماء ترخّصوا في أمر الرسم وقالوا إنما هو اصطلاح من الصحابة مشوْا فيه على ما كانت قريش تكتب عليه في الجاهلية وإنما صدر ذلك من الصحابة فأجابَ الشيخ عبد العزيز الدبّاغ : ما للصحابة وليس لغيرهم في رسم القرآن ولا شعرة وإنما هو بتوقيف من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي أمرهم أن يكتبوه على الهيئة المعروفة بالزيادة والنقصان للحروف وقد خصّه الله بهذه الأسرار دون سائر الكتب السماوية ، فكما أن نظم القرآن معجز فرسمُه أيضاً معجز ، ويتابع مفتي مصر فيقول : وأما قول من قال : إن الصحابة اصطلحوا على أمر الرسم المذكور فباطلٌ لأن القرآن كُتِب في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين يديه ثم إن سائر الصحابة وغيرهم قد اجمعوا على أنه لا يجوز زيادة حرف في القرآن ولا نقصان حرف منه وما بين الدفّتين كلام الله عزّ وجلّ وأما وجوب إتباع الرسم فدليله الكتاب نفسه قال تعالى : (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر 7) والعبرة لعموم اللفظ . وقال سبحانه : (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتّبعْ غير سبيل المؤمنين نُوَلِهِ ما تولّى ونُصلِه جهنم) (النساء 115) .
أما دليلنا من السنة فقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) ، وقد ثبت أن رسم المصحف توقيفيّ من النبي وإجماع الصحابة ، وفي الصفحة (47) من كتاب مرشد الحيران هذا يقول أبو محمد مكي في الإبانة وقد سقط العمل بالقراءات التي تخالف خط المصحف ، فقد ذكر عبد العزيز الدبّاغ على أن رسم القرآن معجز كلفظِه وذكر مثل ذلك الشيخ محمد العاقب في منظومته فقال :
قد خصه الله بتلك المـنزلـة
دون جـمـيع الكتـب المـنزلـة
ليظهر الإعجازُ في المرسوم
وأنقل ما أورده المؤلف الكافي في الصفحة (56) من الحديث الشريف : قال عليه الصلاة والسلام : ستّةٌ لعنتُهم ولعنهم الله ، وكلُّ نبيّ مجاب : (الزّائِدُ في كتاب الله والمكذّب بقدر الله تعالى ، والمتسلّط بالجبروت ، فيعزُّ بذلك من أذلّه الله ويذلّ من أعزّه الله ، والمستحلّ لِحرَم الله والمستحلّ من عترتي من حرّم الله والتارك لسنّتي) .
( رواه الترمذي والحاكم عن عائشة ، والحاكم عن ابن عمر "وخرَج الحديث الإمام السيوطي في الجامع الصغير)
آراء بعض العلماء المعاصرين حول كتابة المصحف وفق الإملاء المعاصر
يقول محمد محمد عبد اللطيف ابن الخطيب في كتابه (الفرقان ص 60) : (قال أشهب سئل مالك رضي الله عنه : أرأيت من استكتَبَ مصحفاً اليومَ ، أتُرى أن يُكتب على ما أحدثَ الناس من الهجاء فقال لا أرى ذلك ، ولكن يُكتب على الكتْبة الأولى ، فسأله السائل عن نقْط القرآن فقال مالك أمّا الإمام من المصاحف فلا أرى أن ينقّط أو يزاد في المصاحف ما لم يكن فيها ، وأمّا الممصاحف التي يتعلّم فيها الصبيان فلا أرى بذلك بأساً) .
ومن العجب أنّ علماء الرسم ومن لفّ لفّهم يوردون من قول مالك ما يتفق ورأيهم فيذكرون منه إلى قوله (ولكن يكتب على الكتْبة الأولى) ويسكتون عن باقيه ، وهو جواز ، كتابة المصحف بالرسم الحديث لمن يتعلّمون القرآن ، وقد أصبح الناس في زماننا عالمهم وجاهلهم في حكم الصبيان إلا مَن أكرمهم الله بفهمِه ، ويتابع ابن الخطيب مؤلف كتاب الفرقان قائلاً : فكيف بنا الآن وبعامة هذه الأمة في هذا العصر حين نكلّفهم بأخذ القرآن عن هذا الرسم العقيم وبهذا الإملاء السقيم ، وبهذه القراءات الفاسدة المتناقضة ؟ ثم يتابع قائلاً : إن كَتَبَة المصحف الأول كانوا بالأمية بالمكان الذي جعلهم يكتبونه على غير أصول الكتابة الصحيحة وليس لأحدٍ أن يمنع كتابته أو قراءته على غير الكتْبة الأولى) .
وعالم آخر هو الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي يقول في كتابه رسم المصحف والاحتجاج به في القراءات : (والرأي عندي : هو كتابة القرآن للعامة بالرسم الإملائي الذي يتعارف عليه الناس ، ولكن ليس معنى ذلك إهمال الرسم العثماني ، بل يبقى أثراً عن أسلافنا الصالحين ، يدرسه المتوفّرون على البحث العلمي ويقرؤه المحافظون لكتاب الله الذين يأمنون التحريف والتغيير) .
فالدكتور عبد الفتاح يريد أن يجعل المصحف الإمام تراثاً محفوظاً لا يتلوه إلا العلماء والباحثون ، ويسمّي الدكتور عبد الفتاح العلماء الذين يضربون على وتره ويشاطرونه الرأي بالفريق المتحرّر .
وقبل مناقشة الفريقين أعلق فأقول بادىء ذي بدء مخاطباً الفريق المتحرّر وماذا يكون حاله وموقفه إذا كان لإملاء المصحف الإمام الراشد قواعد أسهل من إملائنا المعاصر الذي كثرت استثناءاته وتعقيداته ؟ ولماذا لا ندرس رسم المصحف ونعلمه طلابنا ؟
والمدقّق للإملاءَيْن يجد تماثلاً كاملاً في كثير من الكلمات ، وما دام لإملاء المصحف الإمام هذه المكانة ، فلماذا لا نشير إلى قواعده ونحاول مقارنتها مع الإملاء المعاصر ؟ (قام بهذه المحاولة الأستاذ عبد الحليم الخطيب "ابن الشيخ محمد" مؤلف كتاب أسرار معجزة القرآن الكريم ، وعندما تقع بين أيدينا سنتعرض لها في موقعنا هذا الأرقام إن شاء الله) .
مناقشة الآراء :
تلك هي آراء الفريق المحافظ على الرسم المأثور والفريق المتحرّر الذي يطالب بكتابة المصحف بالرسم المعاصر .
لقد فهم السيد محمد محمد عبد اللطيف ابن الخطيب مؤلف كتاب الفرقان الأسبق : من قول الإمام مالك عن التنقيط بأنه تغيير رسم الحروف ، ولا مانع عنده من كتابة المصحف بالرسم المعاصر .
ونقول للسيد المؤلف : إن التنقيط إشارات والشكل حركات فقط .
فالتنقيط عبارة عن نُقَط فوق الحرف أوتحته للتفريق بين الحروف المعجمة والمهملة كالعين والغين والحاء والخاء والجيم ، والشكلُ فتحةٌ أو ضمّة أو كسرة وسكون فهي إشارات ، فالتنقيط والشكل كأدوات الزينة لكنهما لا يمكن أن يمسّا أصل الكلمة أو رسم حروفها ، ونسجل مثالاً على ذلك سورة الإخلاص : بدون نقط والشكل ثم معهما :
(قل هو االلهُ أحدٌ الله الصمدُ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد)
![]()
نقول فهل غيّر النقط والشكل أصل رسم الكلمة ؟ والجواب قطعاً لا ، فقد وُجِدا لخدمة الرسم الأصل ولتحسين تلاوته .
وإلى كلمة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي فعندها الخبر اليقين : وأنقل ما كتبه في كتابه (من روائع القرآن) حول رسم المصحف : يقول : "مع بعض الاختصار" .
لقد علمت إذاً ، أنّ في رسم القرآن في عهده الأول ظاهرتينْ :
الظاهرة الأولى : أن للقرآن إملاء خاصاّ به .
الظاهرة الثانية : أنه كان مجرّداً عن الشكل الذي يوضح إعرابه ، وعن النقط الذي يميّز الأحرف المعجمة عن المهملة .
واستمرّت الظاهرة الأولى ، ولم يطرأ عليها تغيير ، ولقد رأى العلماء أنّ الحيطة في حفظ القرآن تَدْعوهُ إلى إبقائه على شكله الأول ، تطبيقاً للقاعدة الشرعية البرى (سدّ الذرائع) .
أما الظاهرة الثانية : فقد دخلها التطوير والتحسين فيما بعد كما نجد أثر ذلك في رسم المصاحف في عصرنا هذا ، وأول من باشر التحسين هو أبو الأسود الدؤلي :
وقد سمع قارئاً يقرأ : (إنّ الله بريءٌ من المشركين ورسولِه) بالكسر فقال : ما ضننت أنّ أمْرَ الناس آلَ إلى هذا ، ثم يقول الدكتور : فالذي بدأ بتحسين رسم القرآن هو أبو الأسود الدؤلي : عن طريق الشكل الذي يقوم مقام (الفتح ، الكسر والضمّ) فلم يكن بقصد النّقْطَ الذي به تتميّز الحروف المهملة عن المعجمة كالحاء والخاء ، والعين والغين ، وهي الحروف المشتبهة فالذي فعل ذلك هو نصر بن عاصم اللّيثي (ت : 89) أيام الحجاج بن يوسف وتكامَلَ الشكلُ والنقطُ على عهد الخليل بن أحمد (ت : 170) وظلّت الخطوات التحسينية مطّردةً ابتغاء تحقيق المزيد من ضبطه وتسهيل تلاوته إلى يومنا إلا أنّ الظاهرة الأولى المتعلّقة بإملائه ورسمه ظلّت على الشكل الذي كُتبت به الصحف الأولى والمصاحف العثمانية الراشدية (انتهى) . "فالشكل والنقط لا يمسّان أصل الكلمة ورسم حروفها ، وبقي المصحف الإمام بلا تبديل في كلماته وحروفه إلى يومنا هذا" .
تلك هي آراء الفريق المحافظ على الرسم على مدى العصور ويقابلُه الفريق المتحرّر كما يقال والذي يطالب بكتابة المصحف وفقَ الرسم المعاصر .
وقبل مناقشة آراء الفريقين نقول : لو استجبْنا لدعوة الفريق الثاني وكتبنا القرآن بالرسم الذي يوافق كل عصر ، وداومنا على تبديل الإملاء على مدى العصور ، لظهرت مصاحف لا حصر لها متضاربةٌ في الرسم سهلة التحريف والتبديل . ((من هنا نحس نحن موقع الأرقام بعظمة ما أقدم عليه مجمع الملك فهد في المملكة العربية السعودية بالقيام بطباعة مصحف المدينة المنورة ، والذي هو بالرسم على (الكتبة الأولى) فجزاهم الله كل خير لما قدموه لخدمة القرآن والدين الإسلامي والمسلمين)) .
وقد شاهدنا في بعض المساجد بعض المصاحف المخالفة للمصحف الإمام أحدُها وعنوانه (المصحف الشريف الشهير بحافظ عثمان) ، ونساير هؤلاء الذين يريدون كتابة المصحف بالرسم المعاصر فنقول :
لقد جرّبتْ إمبراطورية مترامية الأطراف وهي الإمبراطورية العثمانية وبحسن نيّة فطبعت مصحفاً وكتبتْ فيه بعض الكلمات بالإملاء الحديث ، واستعملت أشهر خطّاطيها وعلمائها ، ومع ذلك فقد ارتكبت ْمع كل هذا الجهد أخطاء جسيمة في الرسم والإملاء ولا تُلام على أخطائها لأن الذين قاموا على الكتابة كانوا لا يتقنون اللغة العربية ويجهلون قدسيّة الكتْبة الأولى وأيّ شخص يستطيع اكتشاف العُجمة في صفحات مصحفهم المخالف للإمام المتواتر فيقول : (سورة لهب اثني عشر آيات ، سورة جن) فبدلاً من تسهيلها للتلاوة عقّدتْها وغرضنا من هذه الفقرات أن نثبت أنّ كل طباعة مخالفة للإمام ومهما بولغ في تدقيقها لا يمكن أن تخلو من أخطاء وستظهر أمامن مصاحف مختلفة في الإملاء والرسم وهذا ما يبغيه أعداء الإسلام .
وفيما يلي تعداد لبعض أخطاء المصحف المخالف
- (يولج – أولئك – تُؤى – تؤيه – لا تلوُن – اَنبِؤني – مستهزؤن – ليواطؤا – اَساَؤا السُّواى) ومثل هذا كثير . ملاحظة : وخطأ هذا المصحف أنه يضع إشارة المدّ فوق الواو (يولج ، أولئك . . . . . ) .
قد يقال : إن في مساجدنا مصاحف مختلفة فأيُّها المصحف الإمام ؟
- إنه المصحف المطبوع في سورية وكذلك المطبوع في السعودية ومصحف الأزهر .
الطريقة التي سرنا عليها (نحن موقع الأرقام) في التّعداد والإحصاء
1. اعتماد المصحف الإمام كمرجع وحيد ، فالإعجاز العددي مرتبط به ، سواء كان الإحصاء لسور القرآن أو لآياته وكلماته أو حروفه .
2. عدد سور القرآن الكريم (114) سورة ، أول سورة هي فاتحة الكتاب ، وآخر سورة هي الناس .
3. عدد آيات القرآن هو ( 6236) وهذا العدد مسجّل مع اصطلاحات ضبط المصحف بعد سورة الناس وهذا العدد مطابق لما وصلنا إليه .
4. تعداد الكلمات : لم نقم بتعداد كلمات القرآن كلّه ، فهذا من اختصاص العلماء والحاسبات الحديثة ، وسيكون عملنا قاصراً على تعداد كلمات آيةٍ أو آيتين أو أكثر . (ولكن وجدنا بأحد المواقع على الشبكة حصر عدد الكلمات وهو (77845) كلمة ، ولا نعلم هل تم الحصول على هذا المجموع للكلمات من واقع المصحف الإمام ، أو من مصاحف أخرى غير متوافقة مع المصحف الإمام ، أيضاً هل تم الإحصاء بواسطة حاسبات حديثة أم تقليدية (الله أعلم) .
5. تعداد الحروف : قمنا بإحصاء كامل لحروف القرآن بواسطة برنامج متطور ، وعددها هو (322604) وإذا أردت التأكد فقم بتحميل هذا البرنامج إلى حاسوبك الشخصي بنقر الرابط أدناه ، وقم بحصرها بنفسك .
6. (وجدت بموقع آخر بأن عدد حروف القرآن الكريم هي (330733) ولا نعلم صحة ذلك ، ولكن يبدو أن صاحب هذا الموقع لم يعتمد في حساباته على المصحف الإمام .
7. وتعداد الكلمات يعتمد على رسم الكلمة كما وردت في المصحف الإمام ، لا على التلفّظ بها . فكلمة يأيها تعتبر كلمة واحدة ومثلها يقوم ومثلها فيه وكذلك والعصر فنعتبرها كلمة واحدة ، وكذلك التركيب فيم وعمّ ومِمّ . وحروف العطف وكذلك النواصب والجوازم المؤلفة من حرفين فأكثر فنعتبرها كلمة بمفردها . وكمثال على التعداد نقدّم الآية (19) من سورة البقرة ونعدّ كلماتها :
(أو كصيّب من السماء فيه ضلمتٌ ورعدٌ وبرق يجعلون أصبعهم في ءاذانهم من الصّواعق حذر الموت والله محيط بالكفرين)
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19
(يلاحظ أن عدد كلمات هذه الآية مطابق لرقمها) .
ثم إنّ التركيب (ما يقولون) يعتبر كلمتين وكذلك (ما أنت) و (ما لم) وقد وقع بعض الباحثين في خطأ فاحشٍ حين اعتبروا هذا التركيب كلمةً واحدة . فسبّب هذا الخطأُ إخفاء إعجاز عددي كبير ، سنشير إليه في روابط قادمة عن شاء الله ، كما تسبّبوا في إثارة مجادلات ومناقشات لا فائدة منها .
هذا بعض ما اصطلحنا عليه في تعداد الكلمات ، وأعتقد أنه مطابق لإجماع العلماء .
تعداد الحروف :
نسير في تعدادها وفق رسم الحرف في المصحف الإمام دون التلفّظ به فكلمة ملك حروفها ثلاثة لا أربعة ، وكلمة لفظ الله حروفها أربعة ، وكلمة لفظ محمّد حروفها أربعة فالمدّة أو الشدّة إنما هما حركتان وليستا حروفاً شأنهما شأن السكون وحركة الفتح والضم والكسر ، فالحرف الممدود يعتبر حرفاً واحداً والحرف المشدّد يعتبر حرفاً واحداً ومثالنا الشهادتان :
فالشهادة (لا إله إلا الله) حروفها 12 ، والشهادة (محمد رسول الله) حروفها 12 .
أما الهمزة فلها حالتان : حركة وحرف :
والحرف الذي يكتب ولا يلفظ يحسب حرفاً وحسب رسم الكلمة فمثلاً (مأئة) حروفها أربعة و(ملإْيه) حروفها خمسة ، (أوْلوا) حروفها خمسة و(أولئك) حروفها خمسة وألف الإطلاق بعد واو الجماعة يعتبر حرفاً لوحده مثل (قالوا) حروفها خمسة وهلمّ جرّا . والخلاصة فالاعتبار في تعداد الحروف هو إملاء الحرف ورسمه لا التلفّظ به .
ملاحظة : الهمزة حرف من الأبجدية جيء بها للتخلّص من الابتداء بالألف الساكنة وبها يكون عددها (29) حرفاً .
فالأصح في تعداد الحروف هو اعتماد رسم الكلمة لا التلفظ بها وقد وُجد من يقول باعتماد التلفظ بالحرف (1) ويسوق كلمة (الإنسن) وكما رسمت في المصحف الإمام فيسجلها هكذا – الإنسان – ويقول إن عدد حروفها سبعة لا ستّة فالحرف الممدود يعتبر حرفين وكذلك الحرف المشدّد يعتبر حرفين فكلمة (ملك) أربعة حروف وكلمة (محمّد) خمسة حروف . ثم ينتقل إلى حروف فواتح السور فكلمة(حم) – حاميم – خمسة ، وكلمة (كهيعص) حروفها حسب التلفظ بها – كاف هاياعين صاد – هي 13 حرفاً ، وكلمة (حم عسق) حروفها حسب التلفظ بها – حاميم عين سين قاف – هي 14 حرفاً . وكلمة (الم) حروفها حسب التلفظ بها – ألف لام ميم – هي 9 حروف . كل ذلك ليتوصل إلى أن البسملة ليست 19 حرفاً حسب رسم حروفها بل (19 × 3) باعتبار التلفظ بحروفها . وعلى طريقة هؤلاء فالأبجدية ليست 29 حرفاً بل (29 × 3 =57) حرفاً وهذا تكلف واضح . ولكن ما الذي يحسم هذا الخلاف ؟ فنراه يعتمد رسم الحرف فحسب إنه حديث شريف رواه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول الم حرف ولكن أَلِفٌ حرف ولام حرف وميم حرف) . أخرجه الترمذي (2) .
وفي صدد حساب الجُمَّل والذي يُعطي لكل حرف قيمةً عدديّة يقول : الدكتور بكري شيخ أمين (3) ومن شروط حساب الجُمَّل أن تحسب الحروف على صورتها الكتابية لا حسب لفظها فالحرف المشدّد يعتبر حرفاً واحداً وألف الإطلاق تحسب ألفاً (أي حرفاً) .
علم رسم كتابة القرآن في المصاحف
وهذا وإن كان من فروع علم الخط لكن البحث هناك لا بخصوصية القرآن وها هنا يختص البحث بالقرآن فلذلك جعلناه من فروعه وموضوعه : رسم خط المصحف من الحذف والزيادة والهمز والبدل والفصل والوصل وما فيه قراءات فإن كتب على أحدهما وغايته : حفظ المصاحف الكريمة عن مخالفة المصحف الإمام قال أشهب سئل مالك : هل يكتب على المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء فقال لا إلا على الكتبة الأولى قال الإمام أحمد : يحرم مخالفة خط مصحف عثمان في واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك قال البيهقي في شعب الإيمان : من كتب مصحفاً فينبغي أن يحافظ على الهجاء الذي كتبوا به تلك المصاحف ولا يخالفهم فيه ولا يغير مما كتبوه شيئاً فإنهم كانوا أكثر الناس علماً وأصدق الناس قلباً ولساناً وأعظم أمانة منا فلا ينبغي أن نظن بأنفسنا استدراكاً عليهم .
علم آداب كتابة المصحف
وصنف في هذا الفن : أبو عمرو الداني ( المقنع ) وأبو العباس المراكشي ( عنوان الدليل في مرسوم خط التنزيل ) و ( القصيدة الرائية الموسومة بالعقلية ) للشيخ الشاطبي .
وهو علم يعرف فيه كيفية المصحف ليكون موافقاً للآداب المعتبرة في الشرع والمستحسنة عند السلف وفائدته غير خافية على أرباب البصائر .
واعلم أنه يستحب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وتحقيق الخط دون مشقة وتعليقه فيكره وكذا كتابته في الشيء الصغير وعن عمر رضي الله عنه أنه رأى مصحفاً قد كتب بقلم دقيق فضرب كاتبه وقال : عظموا كتاب الله وكان عمر إذا رأى مصحفاً عظيماً سر به وعن علي رضي الله عنه أنه كان يكره أن تتخذ المصاحف صغاراً ومن علي رضي الله عنه موقوفاً قال : تنوق رجل في بسم الله الرحمن الرحيم فغفر له وعن أنس رضي الله عنه مرفوعاً : من كتب بسم الله الرحمن الرحيم فجوده غفر الله له قال الغزالي : يحسن كتابة المصحف بالذهب وعن ابن عباس وأبي ذر وأبي الدرداء أنهم كرهوا ذلك وعن ابن مسعود أنه مر عليه مصحف زين بالذهب الدرداء أنهم كرهوا ذلك وعن ابن مسعود أنه مر عليه مصحف زين بالذهب فقال : إن أحسن ما زين به المصحف تلاوته بالحق قالت الشافعية : وتكره كتابته على الحيطان وعلى السقوف أشد كراهة لأنه يوطأ .
وهل يجوز كتابته بقلم غير العربي قال الزركشي : لم أر فيه كلاماً لأحد من العلماء قال : ويحتمل الجواز لأنه قد يحسنه من لا يقرأ بالعربية والأقرب المنع كما تحرم قراءته بغير لسان العرب .
قال البيهقي من آداب القرآن أن يفخم فيكتب مفرجاً بأحسن خط ولا يصغر ولا تقرمط حروفه ولا يخلط به ما ليس منه كعدد الآيات والسجدات والعشرات والوقوف واختلاف القراءات ومعاني الآيات وعن الحسن وابن سيرين أنهما قالا : لا بأس بنقط المصاحف وعن ربيعة بن أبي عبدالرحمن أنه قال : لا بأس بشكلها قال النووي : نقط المصحف وشكله مستحب لأنه قال : لا بأس بشكلها قال النووي : نقط المصحف وشكله مستحب لأنه صيانة له من اللحن والتحريف وقال ابن مجاهد : ينبغي أن لا يشكل إلا ما يشكل وأما ما نقل عن النخعي أنه كره النقط وعن ابن سيرين أنه كره النقط والفواتح والخواتم وعن ابن مسعود أنهما كرها التعشير فلعلهم قالوا ذلك عنه عدم الاحتياج إلى النقط وعند توهم الاشتباه بالمصحف في البواقي لقوله عليه الصلاة والسلام :" جردوا القرآن " لا أنهم قالوا بكراهة ذلك مطلقاً وإلا فكيف يمنع عند الحاجة إذ الغرض إزالة الالتباس على كل حال فالالتباس تارة يكون في إثبات ما ذكروه وتارة في عدم إثباته ولهذا قال مالك رضي الله عنه : لا بأس بالنقط في المصاحف التي يتعلم فيها الغلمان أما الأمهات فلا لأن الإمام مالك رأى الحاجة فيما يتعلم فيه الصبيان دون الكل وأما اليوم فالحاجة في الكل محققة فيجوز في الكل ما يحتاج إليه من الأمور على قدر الحاجة سوى كتابة تفسير القرآن بين أسطره إذ لا عذر فيها بوجه من الوجوه لأن في كتب التفاسير غنى عن ذلك وقول ابن مسعود : جردوا القرآن قيل : جردوه في التلاوة وقيل في الخط وقيل عن سائر الكتب المنزلة لتحريف اليهود والنصارى إياها .
واعلم أن الشكل في الصدر الأول للفتحة نقطة على أول الحرف وللضمة نقطة على آخره وللكسرة تحت أوله وعليه مشى الداني والمشهور الآن الضبط بالحركات المأخوذة من الحروف وهو الذي أخرجه الخليل وهو أكثر وأوضح وعليه العمل فالفتح بشكله مستطيلة فوق الحرف والكسر كذلك تحته والضم واو صغرى والتنوين زيادة مثلها والسكون دائرة صغيرة جداً
فائدة :
اختلف السلف في بيع المصحف وشرائه منهم من كرههما نقل ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن سيرين ومنهم من دونهما وقالوا إنما يأخذون أجور أيديهم وقالوا إنما يبيعون الورق وقالوا إنه بدل من أجرة النسخ نقل ذلك عن مجاهد وابن المسيب والحسن وعن سعيد بن جبير وابن الحنفية والشعبي ومنهم من جوز الشراء دون البيع نقل ذلك عن عطاء عن ابن عباس وعن مجاهد .
فرع آخر : قال عز الدين عبدالسلام : القيام للمصحف بدعة لم تعهد في الصدر الأول وقال النووي : يستحب القيام لما فيه من التعظيم وعدم التهاون به .
فرع آخر : يستحب تقبيل المصحف مثل تقبيل الحجر الأسود قياساً وكان عكرمة بن أبي جهل يفعله وقاسه بعضهم على تقبيل الولد الصغير لأنه هدية من الله وعن أحمد ثلاث روايات : الجواز والاستحباب والتوقف أما الأولان فظاهر مما تقدم وأما التوقف فلأنه لا مدخل في أمثاله للقياس كما قال عمر رضي الله عنه في الحجر لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك
فرع آخر : يستحب تطيب المصحف وجعله على كرسي ويحرم توسده لأنه فيه إذلالاً وامتهاناً قال الزركشي : وكذا مد الرجلين إليه وعن سفيان أنه كره أن يعلق المصاحف وعن الضحاك قال : لا تتخذوا للحديث كراسي ككراسي المصحف .
فرع آخر : يجوز تحليته بالفضة إكراماً له على الصحيح عن الوليد بن مسلم قال مالك : حدثني أبي عن جدي أنهم جمعوا القرآن في عهد عثمان رضي الله عنه وأنهم فضضوا المصاحف على هذا أو نحوه فأخرج إلينا مصحفاً فأراه لنا وأما بالذهب فالأصح جوازه للمرأة دون الرجل وخص الجواز بنفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه والأظهر فيه التسوية
فرع آخر : المصحف إذا بلى لا يوضع في شق لأنه قد يسقط ويوطأ ولا يجوز تمزيقه لما فيه من تقطيع الحروف وأيضاً فيه إزراء به قال الحليمي : يغسل المصحف البالي بالماء وقيل : الاحتراق أولى لأن الغسالة قد تقع على الأرض وأحرق عثمان رضي الله عنه المصاحف وقيل : الإحراق حرام لمنافاته الاحترام قال النووي : يكره وعن الحنفية : لا يحرق بل يدفن في الأرض وقيل : لا يؤمن من الوطء بالأقدام
فرع آخر : عن ابن المسيب قال : لا يقولن أحدكم مصيحف ولا مسجد ما كان الله فهو عظيم اللهم إلا أن يقصد به التعظيم لكنه يكره لابهامه التحقير .
فرع آخر : يحرم مس المصحف للمحدث سواء كان حدثاً أصغر أو أكبر لقوله تعالى : " لا يمسه إلا المطهرون " وحديث الترمذي وغيره :" لا يمس القرآن إلا طاهر "
خاتمة :
عن أنس مرفوعاً :" سبع يجري للعبد أجرهن بعد موته وهو في قبره من علم علماً أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو غرس نخلاً أو بنى مسجداً أو ترك ولداً يستغفر له من بعد موته أو ورث مصحفاً " وفي هذا الحديث بشارة عظيمة للمسلمين .
إنّ عدد أحرف البسملة يساوي (19) حرفاً – الرواية عن ابن مسعود والتي قد عدّ فيها البسملة تسعة عشر حرفاً أيضاً بمساندة المؤلف له بذلك . ولكننا نقول – والكلام للمؤلف – إنّ عدد حروف البسملة يساوي (20) حرفاً ، وليس (19) ، لحذفهم الألف من لفظ (الرحمان) فتكون كالتالي :
وقد ادعوا أنّ عدد حروف (بسم الله الرحمن الرحيم) هو 19 حرفاً ، استناداً إلى رسم الكلمات في المصحف الشريف . . .
ونسجل على هذه الدعوى ما يلي – الكلام للمؤلف - :
أولاً : إنّ الرسم القرآني لم يقرره النبي (صلعم) ، ولا الأئمة المعصومون . . . وإنما هو اختراع بشري بحت وليس من الأمور التوقيفية .
ثانياً : إنّ الرسم العثماني قد استند إلى أشخاص في عصر عثمان ولذا عرف بالرسم العثماني . . . ومهما كان السبب الذي يرجع إليه منشأ التسمية ، فإنه قد وردت فيه كلمات رسمت على خلاف القاعدة مثل :
كلمة (الإنسان) فإنها رسمت (الأنسن) ؛ وكلمة (الحاكمين) فقد رسمت (الحكمين) ؛ وكلمة (الليل) قد كتبت خطأ محضاً فقد رسمت (الّيل) وغير ذلك كثير . . .
فلعلّ هذا التغيير في الرسم – وهو على خلاف القاعدة جزماً – قد جاء على سبيل الخطأ والاشتباه الناشىء عن القصور في فن الكتابة او التقصير في تعلّم قواعدها .
ثالثاً : إنّ الرسم في المصاحف مختلف . . . وقد جاء بعضه على وفق القاعدة . . . وبعضه قد خالفها ، ولا يوجد أي مبرر لهذا الاختلاف . . . فكلمة (قال) مثلاً قد رسمت وفق القاعدة ، لكن كلمة (أنجاه) قد رسمت هكذا (أنجه) ، "أورد المؤلف الكثير من الأمثلة" .
رابعاً : إنّ بعض الكلمات قد اختلف رسمها في المصحف الواحد ؛ فنجد كلمة (الربا) قد رسمت على خلاف القاعدة (الربوا) ، ولكن كلمة (ربا) قد رسمت على وفق القاعدة (ربا) ، وغيرها الكثير .
خامساً : إنّ رسم المصاحف يختلف من مصحف لآخر ، فالمصحف المطبوع في إيران سنة(1337هجرية) في مطبعة (خيابان ناصر خسرو كوجه – تهران) يرسم كثيراً من الكلمات على خلاف الرسم العثماني ، وإليك بعض الأمثلة :
فإنه يرسم كلمة (الشاهدين) صحيحة بخلاف العثماني (الشهدين) .
وكلمة (سبحانك) صحيحة بخلاف العثماني (سبحنك) ، وغيرها الكثير .
وكذلك الحال في المصحف المطبوع مع التفسير المبين (للشيخ محمد جواد مغنية ، نشر دار التعارف 1978م . فإنه يختلف عن الرسم العثماني ، فإن الكثير منها جاء وفق القاعدة ، ومثال ذلك كلمة (الجاريات) موافقة للقاعدة بخلاف (الجريت) .
هذا ويكون عدد أحرف البسملة 20 حرفاً فيما لو لم نحتسب الحرف المشدّد في (الله) وإلّا لصار العدد (21) حرفاً مع انه حرف حقيقي وطبيعي ، وكذلك إذا لم نحسب حرف الراء المشدّد في كلمة (الرحمان) أيضاً حرفين مع أنهما أيضاً حرفان حقيقيان طبيعيان كذلك . . . وهذا إشكال منسحب وشامل لكل الأحرف في موقعها ، وإن لم نكرره نحن هنا خوف الإطالة .
نحب أن ننوه هنا إلى الآتي :
لقد نهجنا هنا على المصحف الإمام , وهو المنسوب إلى الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان ذي النورين – رضي الله عنه ، وهذا الرسم أجمعت عليه الأمة وتلقته بالقبول بترتيب آياته بكل كلماته وحروفه ، لذا أصبح مصحف عثمان الإمام حجة على القارئين والمقرئين إلى يوم الدين . وهو يطابق مصحف المدينة المنورة الصادر عن مجمع الملك فهد في المملكة العربية السعودية والذي هو بالرسم على (الكتبة الأولى) . ووردت البسملة به (بسم الله الرحمن الرحيم) ومن خلال ما تقدم أعلاه تكون عدد حروف البسملة (19) حرفاً .
نرى أنه لا داعي لذكر أمثلة أخرى لأن مؤلف كتاب (الميزان في الإعجاز العددي للقرآن) اعتمد في أمثلته على مصاحف مختلفة لا تتوافق مع المصحف الإمام ، وإن شاء الله يكون ما ورد أعلاه جواباً كاملاً شافياً رادعاً.
(1) عن كتاب عليها تسعة عشر ملكاً تأليف حسين ناجي الكويت يشاركه الدكتور عبد الصبور مرزوق القاهرة .
(2) جامع الأصول في أحاديث الرسول لابن الجزري (8/498) .
(3) البلاغة العربية في ثوبها الجديد للدكتور بكري شيخ أمين . علم البديع (ج/3 – ص 185) .
مع تحيات موقع الأرقام