المفاتيح ومدى تأثير التكرار على النص

المفاتيح هي تلك الكلمات التي يكون لها ثقل تكراري وتوزيعي في النصّ بشكل يفتح مغاليقه(1). فـ"الكلمة المفتاح" هي التي يصل معدّل تكرارها في عمل معيّن أو لدى مؤلّف معيّن إلى نسبة أعلى ممّا هي عليه في اللغة العادية(2). أي أنها كلمة تفوق في تردّدها لدى كاتب معيّن المعدّلات العاديّة لدى أمثاله في نفس الموضوعات.

ومن الأمثلة على ذلك ما قامت به الدكتورة فاطمة محجوب في دراستها لتكرار الصيغ الصرفية في قصيدة ابن الفارض. فبعد أن أحصت تكرار بعض الصيغ الصرفية، وجدت أن صيغة (فَعْل) قد تكرّرت في تسعة وستين موضعًا مختلفًا في القصيدة. فعلّلت هذه الكثرة بأن النصّ يدور حول (خَمْر بلا كَرْم)، ولذلك كانت صيغة اللفظين (خَمْر وكَرْم) واحدة، وهي (فَعْل). فكأن هذه الصيغة هي الأساس الذي بُني عليه نظم هذه القصيدة.

وعلى هذا فإن الإحصاء لهذا النمط من التكرار يوضّح أن الأمر يرجع أولاً وأخيرًا إلى (اختيار) أو (انتقاء) الألفاظ(3). فالشاعر ينتقي الألفاظ التي تحقّق تكرارًا في الأصوات، وتكرارًا في المقاطع، وتكرارًا في الوحدات الصرفية، وتكرارًا للتراكيب النحوية.

ولكن إذا كان هذا الإختيار أو الإنتقاء مقصودًا، فهذا يعني أن السّمات اللغوية، حين تحظى بنسبة عالية من التكرار، وحين ترتبط بسياقات معيّنة على نحو له دلالته، تصبح خواصًّا أسلوبية تظهر في النصوص بنسب وكثافة وتوزيعات مختلفة(4). ولذلك يرى الدكتور صلاح فضل أن تطبيق مثل هذه المعايير الإحصائية في الدراسات الأسلوبية له فوائد كثيرة، نذكر منها ما يلي: أولاً: بوسع التحليل الإحصائي أن يسهم في حلّ المشاكل ذات الصبغة الأدبية الخالصة. فاستخدام هذه الآلية قد يساعد، مع شواهد أخرى، على تحديد مؤلّفي الأعمال المجهولة النسب، ويمكنه أن يلقي ضوءًا على مدى وحدة بعض القصائد واكتمالها أو نقصها.

وثانيًا: قد يفيد المنظور الإحصائي في تزويدنا بمؤشّر تقريبي لمعدّل تكرار أداة خاصّة، ودرجة تكثيفها في العمل الأدبي. فممّا لا ريب فيه أن تكرار ظاهرة معيّنة مرّة واحدة أو عشر مرّات أو مائة مرّة في الكتاب الواحد له دلالة مختلفة، وكثير من الدراسات التي تدور حول الأسلوب لا تقدّم بيانات دقيقة عن هذا الأمر. وثالثًا: قد تكشف الإحصاءات عن ظواهر غير عادية بالنسبة لتوزيع العناصر الأسلوبية، مما يؤدّي إلى طرح مشاكل ذات صبغة جمالية هامّة(5). وعليه فإن هذا المنهج يمكنه أن يقدّم الكثير للدراسات الأدبية والنقدية، أو للدراسات اللغوية على العموم، وللدراسات القرآنية على الخصوص.

ومن هذا المنطلق سنقوم في بحثنا بتوظيف هذه الفائدة الإحصائية لظاهرة التكرار في النصّ القرآني. والسبب في ذلك يكمن في الوصول إلى علم يقينيّ في ملاحظات تركّزت حول تكرار حروف أو كلمات أو عبارات أو آيات معيّنة في النصّ القرآني، والتي تضفي إليه بُعدًا، لا يمكن فهمه إلا من هذا المنظور الإحصائي، كما سنبيّن لاحقًا. إذ نجد أنه على الرغم من أن بعض الباحثين والمفسّرين قد برعوا في تحليل معاني الألفاظ القرآنية، وكشفوا عن بعض الدقائق في معانيها، إلا أنهم لم يصلوا إلى نتائج واضحة من تكيّف تلك الألفاظ وتفاعلها وارتباط بعضها ببعض.

ولكي يتسنّى لك إدراك الطريقة التي تتلمّس منها هذا الوجه الإعجازي، سنقوم فيما يلي بتوجيه هذه الفائدة في سورة قد برزت فيها هذه الظاهرة بشكل لم يبدُ في غيرها(6): وهي سورة الرحمن. فقد تردّدت آية الإستفهام ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾ في هذه السورة الكريمة (31) مرة. ولهذا التردّد في هذه السورة أسباب ومقتضيات، نذكر منها ما تيسّر قبل البدء في تحليل البنية الإعجازية التي يقوم عليها؛ ومن ثمّ، فإن العبرة في غيرها من السور.


(2) د. شفيع السيد، الإتجاه الأسلوبي في النقد الأدبي، ص169.

(3) د. صلاح فضل، علم الأسلوب، ص239.

(4) د. فاطمة محجوب، بحث التكرار في الشعر، مجلة الشعر، العدد الثامن، ص40 (1977).

(1) انظر اتجاهات البحث الأسلوبي للدكتور شفيع السيد، ص116.

(2) د. صلاح فضل، علم الأسلوب، ص227-230.

(1) سنقوم بدراسة للآيات المكرّرة في القرآن الكريم بشكل موسّع في الأبواب القادمة إن شاء الله تعالى.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام