من التكرار اللفظي إلى التكرار العددي

رأينا ممّا سبق أن كثيرًا من الباحثين المحدثين قد تبنّوا موقف الفريق الأول الذي نفى وجود تكرار في القرآن الكريم. على أننا نجد عالمًا علّه يكون، فيما نعلم، أول من قام بتوظيف البُعد العددي والإحصائي للتكرار في النصّ القرآني في العصر الحديث، وهو الإمام سعيد النورسي(1).

لقد توصّل النورسي في بحثه إلى أن تكرار الألفاظ في القرآن الكريم، لا بدّ أن تكون له دلالة على علاقات بينها وبين المكوّنات القرآنية، وأن تكرارها يشير إلى حِكَمٍ عددية وإحصائية. ومن ثم، فإنه يرى في ظاهرة التكرار وجهًا من أوجه الإعجاز القرآني، حيث يقول: "إن القرآن الكريم يظهر نوعًا من إعجازه البديع في تكراره البليغ لجملة واحدة، أو لقصة واحدة، وذلك عند إرشاده طبقات متباينة من المُخاطَبين إلى معان عدّة، وعِبَر كثيرة في تلك الآية أو القصة. فاقتضى التكرار حيث أنه كتاب دعاء ودعوة، كما أنه كتاب ذكر وتوحيد، وكل من هذا يقتضي التكرار. فكل ما كُرّر في القرآن الكريم من آية أو قصة، إنما يشتمل على معنى جديد وعبرة جديدة"(2). ثم يقول ردًّا على الطاعنين بنقص بلاغة القرآن من جهة التكرار والتطويل وما يتّصل بذلك: "اعلم أن القرآن لأنه كتاب ذكر، وكتاب دعاء، وكتاب دعوة، يكون تكراره أحسن وأبلغ بل ألزم، وليس كما ظنّه القاصرون، إذ الذكر يُكرّر، والدعاء يُردّد، والدعوة تُؤكّد. إذ في تكرير الذكر تنوير وفي ترديد الدعاء تقرير وفي تكرير الدعوة تأكيد"(3).

وبعد أن وضّح النورسي المقصد من التكرار وبيّن العبرة فيه، راح رحمه الله يضرب أمثلة على الإنتظام الدقيق للألفاظ المكرّرة في القرآن الكريم(4). فذكر على سبيل المثال أن عدد المرّات التي تكرّر فيها لفظ الجلالة "الله" في سورة البقرة تتساوى مع عدد آياتها، ولكن بفارق (4) أعداد. إلا أنه وجد أن (4) ألفاظ جليلة وردت بدلاً عن لفظ الجلالة "الله"، كما هو الحال في "لا إله إلا هو"، وبها تمّ التوافق. وذكر أيضًا أن مجموع تكرار لفظ الجلالة "الله" مع لفظ "الرب" الوارد بمعنى "الله"، يساوي نصف عدد آيات القرآن. وأن عدد آيات السور الثلاث النساء والمائدة والأنعام توافق تمامًا مع مجموع تكرار لفظ الجلالة "الله" في السور الخمس التالية، إذا عُدّ لفظ الجلالة في بسملات هذه السور(5).

ثم أشار رحمه الله إلى أن لفظ الجلالة "الله" قد تكرّر في السور الخمس الأولى بمعدّل ضعف عدده في السور الخمس التي تليها، أي الأعراف والأنفال والتوبة ويونس وهود. وأن عدد المرّات التي ورد فيها هذا اللفظ الجليل في السور الخمس التالية، أي يوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل، هو نصف النصف. وأن عدده في الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج، هو نصف نصف النصف. وأن السور التالية بعدها بخمس سور وخمس سور تحتفظ على تلك النسبة تقريبًا. وفي السور الخمس التالية التي تبدأ من سورة الزخرف، يساوي هذا المجموع نصف نصف ذلك النصف. ثم ابتداءًا من سورة النجم، يصبح العدد بالتقريب نصف نصف نصف نصف ذلك النصف(6).

فكان رحمه الله أول مَن تعرّض لمثل هذه الملاحظات في العصر الحديث، ليؤكّد بالبراهين القاطعة وجود علاقات عددية بين مكوّنات القرآن الحكيم. وهذا الأمر يفيد دون أدنى شكّ أنه لا يد للمصادفة في هذه العلاقات المحكمة. بل على العكس من ذلك، فهي تُظهر بصورة جليّة إعجازًا جديدًا للنظم في ثنايا هذا الكتاب العظيم، وتبيّن أنها ليست مجرد أرقام صمّاء تتساوى أو تختلف، وإنما تدلّ على ميزان وانضباط مذهل للألفاظ والكلمات القرآنية الكريمة. لأن الإنسان لا يمكن أن يحيط بهذه الصفحات الواسعة، ولا يستطيع أن يتدخّل فيها قطعًا.

وبعد أن تقدّم الإمام النورسي في البحث عن الحكمة العددية من التكرار، وقام بتوظيفها في النصّ القرآني الكريم، وبيّن أن الألفاظ والكلمات لم تُوضع عبثًا أو من غير حساب في هذا الكتاب العظيم، بل هي موضوعة وضعًا دقيقًا بحساب وتقدير، تلاه عدد لا بأس به من المؤلّفين المعاصرين الذين فتح الله عليهم بالإشارة إلى ملاحظات لطيفة في إحصاءاتهم لكلمات وألفاظ قرآنية، مبيّنين توافقات بنسب عددية جميلة، كثيرًا ما كانت تتساوى، وأحيانًا تصبح نصفًا أو ثلثًا، مما يشهد على حكمة وانتظام عجيب واتّساق موزون، لا تجاوز فيه أو تفاوت.

فها هو الدكتور عبد الرزاق نوفل يُظهر وجهًا جديدًا من الإعجاز العددي المتعلّق بالتكرار، والذي يتجلّى في تساوي أعداد الألفاظ القرآنية، مبيّنًا التناسق والتوازن المُحْكَم فيها، فيقول: "وما كنت أدري أن التناسق والإتزان يشمل كل ما جاء في القرآن الكريم. فكلّما بحثت في موضوع وجدت عجبًا وأي عجب. تماثل عددي، وتكرار رقمي، أو تناسب وتوازن في كل الموضوعات التي كانت موضع البحث، في الموضوعات المتماثلة أو المتشابهة أو المتناقضة أو المترابطة. إنها معجزة، وأي معجزة. وإنها لصورة من صور الإعجاز التي لا يمكن لأي باحث أو دارس أو قاريء أن يستعرضها، إلا ويؤمن الإيمان الكامل المطلق أن هذا القرآن لا يمكن إلا أن يكون وحي الله سبحانه وتعالى لآخر أنبيائه وخاتم رسله. لأنه شيء فوق القدرة، وأعلى من الإستطاعة، وأبعد من حدود العقل البشري(7).

ثم ضرب أمثلة عديدة على ما ذهب إليه، نذكر منها بعض الألفاظ المتطابقة عددًا. فقد وجد أن لفظ "الدنيا" تكرّر في القرآن الكريم (115) مرة، وهو نفس العدد الذي تكرّر فيه لفظ "الآخرة". ووجد أيضًا أن لفظ "الملائكة" تكرّر في القرآن (68) مرة، وهو نفس العدد الذي تكرّر فيه لفظ "الشياطين". وذكر أن لفظ "الحياة" ومشتقاته تكرّر (145) مرة، وتساوى بذلك مع عدد ألفاظ "الموت" ومشتقاته، وأن لفظ "الصالحات" ومشتقاته تكرّر (167) مرة، ليتساوى مع لفظ "السيئات" ومشتقاته، وأن لفظ الجهر تكرّر (16) مرة، ليتساوي مع لفظ "العلانية"، وأن لفظ "الرغبة" تكرّر (8) مرات، وتساوى مع لفظ "الرهبة"..(8).

ثم تعرّض الأستاذ صدقي البيك إلى أمثلة مشابهة لهذه، وأضاف إليها وجهًا جديدًا من التناسق، يظهر بين بعض الكلمات المتضادّة أو المتقاربة. حيث وجد أن عدد المرات التي تتردّد فيها بعض الكلمات القرآنية ليس متساويًا، وإنما يتناسب في تناسق عجيب للغاية.

ومن الأمثلة التي ذكرها على هذه الظاهرة العجيبة: أن كلمة "الأبرار" وردت في القرآن (6) مرات، وهو ضعف "الفجّار" التي وردت (3) مرات، وكلمة "السرّ" وردت (32) مرة، وهو ضعف "الجهر" التي وردت (16) مرة، وكلمة "اليسر" وردت (36) مرة، وهو ثلاثة أضعاف "العسر" التي وردت (12) مرة، و"المغفرة" وردت (234) مرة، وهو ضعف "الجزاء" التي وردت (117) مرة.. ثم وجد أن كلمة "شهر" وردت في القرآن (12) مرة بعدد شهور السنة، وأن كلمة "الأيام" مثنى وجمعًا وردت (30) مرة بعدد أيام الشهر، وأن كلمة "يوم" بصيغة المفرد وردت (365) مرة على عدد أيام السنة(9).

ومن ثم، فإن هذه الإحصائيات لم تبق مجرّدة، وإنما نجد أن بعض النحويين والبلاغيين المحدثين راحوا يتفنّنون في بيانها، والكشف عن أسرارها. يقول الدكتور فاضل السامرائي مبيّنًا السرّ في ذكر اليوم على عدد أيام السنة، والأيام على عدد أيام الشهر: "إن العرب تستعمل الجمع تمييزًا لأقلّ العدد وهو من ثلاثة إلى عشرة، فإذا زاد على العشرة وصار كثرة جاءت بالمفرد فتقول: عشرون رجلاً، ومائة رجل، وألف رجل. فالجمع يوقعونه تمييزًا للقلّة والمفرد يوقعونه تمييزًا للكثرة.. فهو جرى على سنن كلام العرب في التعبير. والقرآن أُنزل بلسان عربي مبين.."(10).

وهكذا، توالت البحوث تباعًا لتظهر نوعًا من التجلّيات المعجزة في هذا النسق العجيب، والإحكام الدقيق، لموقع كل لفظ تكرّر في هذا الكتاب العظيم. وإن هذا الإبداع والإحكام لهو دليل قائم شاهد بلسان حاله أن منزّل هذا الكتاب إله حكيم حفظ كتابه من كل زيغ وعبث سبحانه.. ولذلك كان من الطبيعي أن لا يقتصر هذا الإحكام على ألفاظ القرآن المكرّرة فحسب، بل وأن يكشف عن أوجه من المناسبات المحكمة بين الكلمات القرآنية والتحامها في جملها، وبين مواضع الكلمات في الآيات القرآنية واتّساقها في سورها. وهذا ما يقودنا للبحث في النوع الثاني من العلوم التي ارتبط بها الإعجاز العددي: وهو علم المناسبة.


(1) هو الإمام الجليل بديع الزمان سعيد النورسي. وُلد في قرية نورس الواقعة شرقي الأناضول في تركيا سنة  (1293هـ، 1876م). قام بتأليف أكثر من (150) رسالة، جُمعت كلها تحت عنوان "كليات رسائل النور". وتوفي في مدينة أورفة سنة (ت 1379هـ، 1960م).

(2) النورسي، الكلمات، 1/528.

(3) النورسي، المكتوبات، 2/267-268.

(4) يُلاحَظ أن بعض الإحصاءات التي قام بها النورسي رحمه الله ليس دقيقًا. ولكن المهم هنا تبيين العبرة والفائدة من هذه الإحصاءات.

(5) النورسي، الكلمات، 2/525.

(6) المصدر السابق، 2/526.

(7) د. عبد الرزاق نوفل، الإعجاز العددي للقرآن الكريم، ص10-11.

(8) المصدر السابق، ص15، 19، 25، 41، 58، 69.

(9) انظر معجزة القرآن العددية لصدقي البيك، ص33-47.

(10) د. فاضل السامرائي، التعبير القرآني، ص13-14.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام