أوجه من المناسبات والإحكام العددي المعجز

إن المتأمّل في الرسائل التي وضعها النورسي، يلاحظ أنه قد أدرك مسبقًا أسرارًا عظيمة، اعتمد عليها في الكشف عن تفاصيل المناسبات في المنظومة القرآنية. يقول في وصفه للنظام القرآني الخارق: "إذ كما أن عقارب الساعة العادّة للثواني والدقائق والساعات يكمل كل منها نظام الآخر، كذلك النظام في كل جملة من جمل القرآن، والنظام الذي في كلماته، والإنتظام الذي في مناسبة الجمل كل اتجاه الآخر.."(1).

وبعد أن تعرّض في بحوثه إلى العلاقات الرابطة بين المكوّنات القرآنية، وأثبت بدلائل يقينية أن في كل حرف وفي كل كلمة من القرآن الكريم أسرارًا دقيقة تسع صحيفة كاملة من البيان والتوضيح(2)، راح رحمه الله يضرب الأمثال على الوجوه العديدة التي تتجلّى فيها هذه المناسبات. فنجده يقول مثلاً عن الحروف المقطّعة: "إن الحروف المقطّعة المذكورة تنصِّف كل أزواج طبائع الحروف الهجائية من المهموسة والمجهورة والشديدة والرخوة.. وغيرها من أقسامها الكثيرة. فسلوكه (أي القرآن) في التنصيف والأخذ بهذا الطريق الخفيّ، الذي لا يدركه العقل من بين هذه الطرق المتداخلة المتردّدة بين مائتي احتمال، ثم سوق الكلام في ذلك السياق وفي ذلك الميدان الواسع المشتبهة الأعلام، ليس بالأمر الذي يأتي مصادفة قطّ، ولا هو من شأن البشر(3).

ومن ثمّ، فهو يؤكّد أيضًا على أن "التقطيع إشارة إلى أن قيمة الحروف ليست في معانيها فقط، بل بينها مناسبات فطريّة كمناسبة الأعداد، كشفها علم أسرار الحروف"(4). وبعد هذا التقرير، نجده يتعرّض في رسائله إلى أمثلة عديدة، كالتي أوردناها في موضع سابق. بيد أنه لم يحدّد هذه المناسبات العددية على حروف السور المقطّعات، وإنما أطلقها على آيات مختلفة من السور القرآنية.

وللتنظير الدلالي على المناسبات العددية في حروف القرآن، اختار مثلاً من قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5).

ثم عقّب عليه بقوله: "أنعِم النظر في هذه اللمعة ذات الإعجاز، وهي: أن الألف والياء لأنهما أخفّ حروف الهجاء، وتنقلب إحداهما بالأخرى كأنهما أختان، تكرّر كل منهما إحدى وعشرين مرة. وأن الميم والنون(6) لأنهما أختان، ويمكن أن تحلّ إحداهما مكان الأخرى فقد ذُكر كل منهما ثلاثًا وثلاثين مرة. وأن الصاد والسين والشين متآخية حسب المخرج والصفة والصوت، فذُكر كل واحد منها ثلاث مرات. وأن العين والغين متآخيتان، فذُكرت العين ست مرات لخفّتها، بينما الغين لثقلها ذُكرت ثلاث مرات أي نصفه. وأن الطاء والضاء والذال والزاي، متآخية حسب المخرج والصفة والصوت، فذُكر كل واحد منها مرتين. وأن اللام والألف متّحدتان في صورة (لا)، وأن حصّة الألف نصف في صورة (لا)، فذُكرت اللام اثنتين وأربعين مرة، وذُكرت الألف نصفه إحدى وعشرين مرة. وأن الهمزة والهاء متآخيتان حسب المخرج، فذُكرت الهمزة ثلاث عشرة مرة، والهاء أربع عشرة مرة لكونها أخف منها بدرجة. وأن القاف والفاء والكاف متآخية، فذُكرت القاف عشر مرات لزيادة نقطة فيها، وذُكرت الفاء تسع مرات والكاف تسع.. وأن الباء ذُكرت تسع مرات، والتاء ذُكرت اثنتي عشرة مرة، لأن درجتها ثلاثة. وأن الراء أخت اللام، ولكن الراء مئتان واللام ثلاثون حسب أبجدية الجمل، أي أن الراء فوق اللام بست درجات فانخفضت عنها بست درجات، وأيضًا الراء تتكرّر كثيرًا في التلفّظ، فيثقل، فذُكرت ست مرات فقط. ولأن الخاء والحاء والثاء والضاد ثقيلة، وبينها مناسبات ذُكر كل منها مرة واحدة. ولأن الواو أخف من الهاء والهمزة، وأثقل من الياء والألف، ذُكرت سبع عشرة مرة فوق الهمزة الثقيلة بأربع درجات، وتحت الألف الخفيفة بأربع درجات أيضًا"(7).

فكون الحروف موضوعة بهذا الشكل المنتظم الخارق، يثبت بيقين جازم كحاصل ضرب اثنين باثنين يساوي أربعًا "أنه ليس من شأن البشر ولا يمكنه أن يفعله. أما المصادفة فمحال أن تلعب به! هذا وإن ما في أوضاع هذه الحروف من الإنتظام العجيب والنظام الغريب، مثلما هو مدار للفصاحة والسلاسة اللفظية، يمكن أن تكون له حِكَم كثيرة أخرى. فما دام في الحروف هذا الإنتظام، فلا شكّ أنه قد روعي في كلماتها وجملها ومعانيها انتظام ذو أسرار وانسجام ذو أنوار، لو رأته العين لقالت من إعجابها: ما شاء الله، وإذا أدركه العقل لقال من حيرته: بارك الله"(8).

وإذا روعي مثل هذا الإنتظام والإنسجام في حروف الكلمات ومعانيها، فهذا يدلّ على أن الحروف والكلمات القرآنية تنتظم بطريقة لغوية محكمة، لتؤدّي وظيفتها البلاغية على أكمل وجه. ومن ثمّ، فهي تنتظم أيضًا بطريقة حسابية دقيقة لتشير إلى مناسبات محكمة فيما بينها.

وبهذا تجتاز الرسالة القرآنية السماوية الحدود اللغوية المقتصرة على العرب، متوجّهة نحو هدف أسمى وأعظم في إثبات كونها ذكرى للناس أجمعين: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾(9). إذ هي تُظهر بجلاء أن كل حرف في هذا الكتاب العظيم يدلّ بعين اليقين على مصدره الإلهي. ومع كونه نزل بلسان العرب ولغتهم، إلا أنه يتميّز عن هذه اللغة ولغات العالم أجمع بأن للغته نظامًا محكمًا لا يستطيع أحد من إنس أو جنّ أن يأتي بمثله. وهذا النظام لا يقتصر على فنون اللغة وحدها فحسب، بل تتعدّى أبعاده كل ما يخطر ببال بشر. فكلام الله تعالى لا تحدّه الحدود، ولذلك يستمرّ بعطائه الكريم، ليكشف لنا في كل يوم عن جديد من عجائبه التي لا تنقضي.

وعلى هذا فإن البحث عن أوجه المناسبات في النصوص القرآنية الكريمة يخضع لتطوّر مستمرّ، حيث يجد فيه الباحثون في كل زمان من الأسرار ودواعي الإعجاز ما تنتهي الدنيا ولا ينتهي(10). وبالتالي، فهو يجمع بينها ليبلغ الإعجاز ذروته في تناسب كلّي: معنوي وصوتي وتصويري وبلاغي وعددي.. "وعندئذ يتّسق التنوّع الجمالي في وحدة كبرى يتربّع الإعجاز القرآني عليها روحًا علوية وبيانًا فذًا، ومأثرة إلهية كريمة"(11).

ومن المظاهر المتجدّدة لأوجه من المناسبات العددية العجيبة، ما توصّل إليه أيضًا المهندس عدنان الرفاعي، الذي جعلها محور دراسته وألّف فيها كتابه (المعجزة). لقد رأى الرفاعي في بحثه أن مجموع الحروف والكلمات المرسومة في العبارات القرآنية، يرتبط ارتباطًا مطلقًا بماهيّة الصورة التي تصوّرها هذه العبارات(12). ووجد أن هذه المناسبات قد تعدّت أحيانًا حدود الآية الواحدة، لتشمل جزئين من آية أو آيتين، كل منهما تحوي العدد نفسه من الكلمات، وتشكّلان عنصرين متوازيين من سؤال وإجابة، أو من كفّتي ميزان لأمرين متناظرين.

وللتنظير الدلالي على المناسبات الدقيقة في كلمات القرآن، أورد الرفاعي أمثلة عديدة، نذكر منها التناظر التام بين الآيتين (44) و(45) من سورة التوبة، حيث جاء في الأولى قوله تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (13)، وفي الثانية قوله عزّ وجلّ: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (14). فهاتان الصورتان القرآنيتان تناظرتا تمامًا في تساوي كلمات كل واحدة منهما، والتي بلغت (14) كلمة. ومن ذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ  (15)، والذي يقابله الجواب في قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا ﴾، حيث تألّفت كل عبارة من (7) كلمات. أو ما جاء في قوله تعالى: ﴿ قَالَ سَئآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء (16)، المتألّف من (7) كلمات، وتتمّته في قوله تعالى: ﴿ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ ﴾، والذي يتألّف أيضًا من (7) كلمات.

ثم بيّن الرفاعي أن هذه المناسبات المعجزة لا تنحصر على الكلمات القرآنية فحسب، بل تنطبق كذلك على تعداد الحروف. فذكر مثلاً قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ ﴾، الذي تألّف من (8) حروف، ويقابله (8) حروف في قوله تعالى: ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ (17). وحتى لو نظرت إلى هذه الآية الكريمة كمسألة متكاملة، لرأيتها مؤلّفة من ركنين متناظرين تمامًا: الأول: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لاَ رَيْبَِ ﴾، والثاني: ﴿ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾. حيث أن التناظر العجيب قد انعكس في مجموع الحروف المصوّرة لكل ركن من هذين الركنين، فعبارة ﴿ ذَلِكَ الْكِتَبُ لاَ رَيْبَِ ﴾ تألّفت من (13) حرفًا، وعبارة ﴿ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ تألّفت هي الأخرى من (13) حرفًا.

وهذا التعبير يشبه التوازن بين قوله تعالى: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ ﴾، وقوله سبحانه: ﴿ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ (18)، حيث تألّفت كل من العبارتين من (11) حرفًا. ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَرُ (19)، وتتمّته: ﴿ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ ﴾، حيث تألّفت كل عبارة منهما من (13) حرفًا. وينطبق الأمر نفسه على قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ، وتتمّته: ﴿ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ (20)، حيث تألّف كل منهما من (16) حرفًا. وفي قوله تعالى: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (21)، نجد أن ما تحمله الصورة القرآنية: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ ﴾، يقتضي ما تحمله الصورة القرآنية: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ﴾، والعكس صحيح.

ولذلك نجد هذا التناظر منعكسًا في مجموع الحروف المصوّرة لكل ركن من ركني هذه المسألة. فعبارة ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ ﴾ تألّفت من (11) حرفًا، وعبارة ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا تألّفت أيضًا من (11) حرفًا. ولو أخذنا هذه المسألة بركنيها لرأيناها ركنًا جديدًا في مسألة أخرى تشمل الآية كاملة. ذلك أن عبارة ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ﴾ تكوّنت من (22) حرفًا، وعبارة ﴿ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ تكوّنت أيضًا من (22) حرفًا.

فهذه الملاحظات العددية تبيّن أن من العبارات القرآنية ما يتوازن فيها عدد الكلمات والحروف بصورة بيانيّة معجزة، وروعة نظاميّة فريدة، وأسلوب تأليفيّ في غاية الجمال والإبداع. ومن ثمّ، فهي تدلّ أيضًا على وجود مناسبات عددية تتجلّى في أبعاد مختلفة، تارة في الحروف، وتارة في الكلمات، وتارة في الآيات، حتى أنها تربط أحيانًا بين آيتين أو أكثر.. لتظهر القرآن كله "كلامًا واحدًا ذا مناسبة وترتيب في أجزائه من الأول إلى الآخر.."(22).

وهذا الأمر إن دلّ على شيء، فإنما يدلّ على أن العلاقات والمناسبات في القرآن الكريم، بتدبيرها المحكم، وتقديرها المبرم، تتبع نظامًا دقيقًا وموزونًا، تنتظم فيه السور والآيات والكلمات والحروف. وهذا ما يدفعنا إلى البحث في النوع الثالث من العلوم الذي يرتبط به الإعجاز العددي: وهو برهان النظم.


(1) النورسي، الكلمات، ص426.

(2) النورسي، المكتوبات، 2/247.

(1) النورسي، الكلمات، ص431.

(2) النورسي، إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز، ص34.

(3) سورة آل عمران: 3/154.

(4) هنا يعدّ النورسي التنوين نونًا.

(1) النورسي، الكلمات، 1/437-438.

(1) المصدر السابق، 1/438-439.

(2) سورة الأعراف: 7/158.

(1) د. محمد بركات حمدي أبو علي، سرّ العربية وبيانها، ص116.

(2) نذير حمدان، الظاهرة الجمالية في القرآن الكريم، ص210.

(3) المهندس عدنان الرفاعي، الحق المطلق، ص76.

(4) سورة التوبة: 9/44.

(5) سورة التوبة: 9/45.

(1) سورة البقرة: 2/170.

(2) سورة هود: 11/43.

(3) سورة البقرة: 2/2.

(4) سورة النساء: 4/.80

(1) سورة الأنعام: 6/103.

(2) سورة الحجرات: 49/10.

(3) سورة طه: 20/14.

(1) عبد الحميد الفراهي، دلائل النظام، ص75.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام