النَّظْمُ وبرهانه في القرآن الكريم

النَّظْمُ في اللغة: التأليف، نَظَمَهُ يَنْظِمُهُ نَظْمَاً وَنِظَامَاً وَنَظَّمَهُ فانْتَظَمَ وَتَنَظَّم. وَنَظَمْتُ اللؤلؤ: أَي جمعته في السّلك والتَّنْظِيم مثله، ومنه: نَظَمْتُ الشّعر. وكل شيء قَرَنْتَه بآخر أو ضَمَمْتَ بعضه إلى بعض فقد نَظَمْتَهُ. والنُّظُمْ جمع نِظَامْ، والنِّظَام: ما نَظَمْتَ فيه الشيء من خيط وغيره، وكل شعبة منه وأصل: نظَامُ. وهو في الأصل مصدر، والإنْتظَامُ: الإتّساق(1).

ومن هذا المدلول اللّغوي يمكننا القول بأن النّظم هو التنسيق والإنسجام الكامل بين الأجزاء المكوّنة لأي شيء، من ناحية المحتوى والظاهر. فأما من ناحية المحتوى، فإن كل شيء مركّب من أجزاء مختلفة، وهذه الأجزاء هي التي كوّنت ذلك الشيء فصار كلاً. فالنّظم فيه هو وجود تناسب بين أجزائه من حيث تكوينه من مواد خاصّة، وبمقدار خاصّ، وبشكل خاصّ، وبوضع خاصّ.. فإذا اختلّ وجه من وجوه هذا التناسب، فيفسد النّظم في ذلك الشيء. وأما من ناحية الظاهر، فبما أن النّظم يربط بين أمور مختلفة، سواء كانت أجزاءًا لمركّب أو أفرادًا من ماهيّة واحدة، أو ماهيّات مختلفة، فهذا الترابط والتناسق بين الأجزاء، أو التوازن والإنسجام بين الأفراد، يؤدّي بطبيعة الحال إلى غاية مخصوصة. وهذه الغاية لا بدّ أن تكون منبثقة عن صانع حكيم، ومدبّر قدير.

ويقرب من هذا مصطلح النّظم عند علماء القرآن، فإنهم يقصدون به أن القرآن بلغ من ترابط أجزائه، وتماسك كلماته، والتحام جمله وعباراته، وإحكام آياته، وترتيب سوره، مبلغًا لا يدانيه فيه أي كلام آخر مع طول نفسه وتنوّع مقاصده(2). وهذه صفات تصبّ جميعها في محيط التأليف والتركيب.

وممّا لا ريب فيه أن تركيب أي نظام لغوي وتأليفه وُجد للإفادة، أي لتبليغ أغراض المتكلّم للمستمع، أو الكاتب للقاريء، "فهو آلة للتبليغ، جوهره تابع لما وُلي من أمر الإفادة"(3). فالإفادة إذن شرط أساسي في كل عملية تواصلية، شفهيّة كانت أم كتابيّة. وهدف أيّة عملية تواصلية هو الفهم والإفهام، ولذلك كانت غاية اللّغة القصوى التفاهم. فنحن نتكلّم أو نكتب لبيان أفكارنا وإيصالها إلى فهم السامع أو القاريء. ولإيصال أيّة صورة فكريّة، لا بدّ لنا من استعمال الجُمَل، كتابيّة كانت أم خطابيّة. والجمل تتميّز في احتوائها على شيئين: "ألفاظ منسوقة على ترتيب مخصوص، ومعانٍ تقابل تلك الألفاظ ويُدلّ بها عليها(4).

وقد اختلف العلماء في تحديد دور كل من الألفاظ والمعاني في إعطاء الصور الفكرية قيمتها الفنّية، وتقويم شخصيّة كل منها في السيادة والأولوية. ولعلّ المحفّز لهذا الخلاف كان الإعجاز القرآني، "أو فكرة الإعجاز في القرآن وارتباط الفكر النقدي والبلاغي بمضامينها. فكان النزاع محتدمًا في أين يكمن الإعجاز، في اللفظ وتأليفه، أو المعنى ودلالته، أو بهما معًا"(5). واستمرّ هذا الخلاف حتى منتصف القرن الخامس الهجري، وذلك حين وضع الإمام عبد القاهر الجرجاني نظريته في النّظم، والتي أكّد فيها على وجود علاقة عضوية بين الألفاظ والمعاني.

فلم ينتصر الجرجاني للألفاظ على المعاني، ولم ينتصر للمعاني على الألفاظ، ولم يسوِّ بينهما في القيمة وفي التقدير، وإنما أبرز عدم ارتياحه إلى ما ذهب إليه كل مَن سبقه، وصرّح بأن هناك هدفًا أسمى وغاية عظمى يجب أن تكون هي الغاية والنهاية.. وقد وجد هذه الغاية "في العلاقة بين الألفاظ في العبارات من جهة، وبينها وبين المعاني من جهة أخرى، وسمّى تلك العلاقات النّظم"(6). فالنّظم عنده عبارة عن العلاقة بين الألفاظ والمعاني، وأنها "تناسقت دلالتها، وتلاقت معانيها، على الوجه الذي اقتضاه العقل"(7). وأنه لا يمكن أن يكون في الكلم نظم ولا ترتيب "حتى يُعلَّق بعضها ببعض، ويُبنى بعضها على بعض، وتجعل هذه بسبب من تلك"(8).

وعلى هذا فإن مفهوم النّظم عند الجرجاني يتحدّد بعناصر ثلاثة، تُعدّ الأساس في مناقشة دلالة الألفاظ والمعاني، وهي: الغرض الذي يُوضع له الكلام، والنّظم الذي ينظم مواقع الكلمات، واللفظ الذي يحدّد كيفيّة استعمال الكلمات بعضها مع بعض(9). ومن ثمّ، فهو يعود بهذا النّظم إلى أصل قائم على أساس من علم النحو. يقول: "ليس النّظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نُهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رُسمت لك، فلا تخلّ بشيء منها"(10). بيد أن النحو الذي يقصده الجرجاني هنا شيء أعمّ وأشمل من النظر في حركات الإعراب وحدها. إذ هو يوجّهه إلى قواعد ربط الكلام، وتأليف الجمل، كالتقديم والتأخير، والذكر والحذف، واختلاف صيغ الأفعال بين الماضي والمضارع والأمر، والتعريف والتنكير، والإفراد والتثنية والجمع، وتنوّع الحروف وتعدّد مجالات استعمالها، وكثرة الأسماء وتنوّع مواقعها الإعرابية، وتنوّع الصيغ الصرفية في التراكيب اللغوية، وتعدّد صيغ القَسَم، وتعدّد أساليب النداء والإستفهام والأمر والنهي والرجاء والتمنّي والتوكيد والنفي..(11).

وأنت إذا تدبّرت القرآن، فلن يخفى عليك أن كل عنصر من عناصر هذا التشكيل اللغوي قد جاء في الكتاب العزيز لهدف مقصود، محدّد، ومنظّم. حتى أن بعضهم قد شبّه العلاقات بين هذه العناصر بـ"القوانين الرياضيّة"(12)، التي لا يكاد يختلف فيها أحد. ومن هنا يتبيّن لك أن من أهمّ سمات المنهج الجرجاني يكمن فيما يقرّره علماء اليوم، من أن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ، بل مجموعة من العلاقات(13).

وبما أن العلاقات بين عناصر النظام اللغوي تتجلّى بوضوح فيما يُسمّى بـ"الهدفية"(14)، والتي تنبثق بدورها عن أوجه عديدة من المناسبات بين أجزاء النظام، فلا بدّ إذن أن فيها تكمن حِكَم ودلالات. ولمّا كان بحثنا هنا يتّجه اتجاهًا مباشرًا إلى تبيان الإعجاز العددي في القرآن، وإلى توضيح علاقة هذا الوجه من أوجه الإعجاز بالنّظم، والكشف عمّا في هذا الترتيب من أسرار حسابية وإحصائية تؤيّده، لا جَرَمَ قصرنا هذه "الهدفية"، والعلاقات المنبثقة عنها على مواضيع ثلاثة، سنعالج كل واحد منها على انفراد. الموضوع الأول: اختيار الألفاظ ودقّة المعاني واتّساع الدلالات العددية للعلاقة فيما بينها. والموضوع الثاني: التراكيب المعجزة في اختيار الكلمات القرآنية ومواقعها المحكمة. والوضوع الثالث: الذكر والحذف ومراعاة الإحصاء في إبدال حرف بحرف.


(2) انظر لسان العرب لابن منظور، مادة (نظم).

(1) د. محمد عناية الله سبحاني، إمعان النظر في نظام الآي والسور، ص24.

(2) د. نهاد الموسى، نظرية النحو العربي، ص87.

(3) الخواطر الحسان، ص6.

(1) تعصّب الفريق الأول للألفاظ دون المعاني، ووضعوا الأناقة والجودة والجمال للقيمة الأدبية في الألفاظ، وتمثّل هذا الفريق في الجاحظ (ت255هـ) وأبو هلال العسكري (ت 395هـ). وذهب الفريق الثاني إلى القول بالجمع بين الألفاظ والمعاني مقياسًا للبلاغة وميزانًا للقيمة الفنية، وكان في طليعته ابن قتيبة (ت 276هـ) وقدامة بن جعفر (ت 337هـ). واعتبر الفريق الثالث الألفاظ والمعاني شيئًا واحدًا متلازمًا ملازمة الروح للجسد، لا يمكن الفصل بينهما بحال، وتمثّل في ابن رشيق (ت 414 هـ) وابن الأثير (ت 637هـ). انظر نظرية النقد الأدبي للدكتور محمد حسين علي الصغير، ص27-39.

(2) د. عبد الفتاح لاشين، المعاني في ضوء أساليب القرآن الكريم، ص39.

(3) عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ)، دلائل الإعجاز، ص50.

(4) المصدر السابق، ص55.

(4) المصدر السابق، ص87.

(5) المصدر السابق، ص81.

(1) د. محمد بركات حمدي أبو علي، دراسات في الأدب، ص154. وانظر شواهد من الإعجاز القرآني للدكتور عودة أبو عودة، ص36-37.

(2) د. عبد العظيم المطعني، خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية، ص151.

(3) د. محمد مندور، الميزان الجديد، ص185.

(4) د. عبد الفتاح لاشين، المعاني في ضوء أساليب القرآن الكريم، ص41.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام