إختيار الألفاظ ودقة المعاني والدلالات العددية

تتميّز اللغة العربية بكثرة المترادفات الدالّة على المعنى الواحد، وهذا ممّا يؤثّر بالطبع على الدّقّة في التعبير المراد. فلو أخذنا مثلاً كلمة "ارتفاع"، نجد أن من الألفاظ الدّالة على معناها: يعلو ويرقى ويتسلّق ويعرُج ويُحلّق ويطير ويسمو ويصعد.. فهذه الألفاظ منها ما لها دلالة معنويّة، ومنها ما لها دلالة ماديّة، ومنها ما يدلّ على الإثنين معًا. فاختيار اللفظ المطلوب يحتمل إذن معاني عدّة، وهو لا يختصّ بواحد منها إلا عند التضامّ مع المضاف إليه. ولتوضيح هذه الدلالة، نورد المثالين التاليين على كلمتي "صاحب" و"ضرب"(1).

فكلمة "صاحب" يتعدّد معناها على النحو الآتي:

لقب                    نحو               صاحب الجلالة

مالك                   نحو               صاحب البيت

صديق                  نحو               صاحبي

رفيق                   نحو               صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم

منتفع                   نحو               صاحب المصلحة

مستحقّ                نحو               صاحب الحقّ

مقتسم                  نحو               صاحب نصيب الأسد

وهي تحتمل بمفردها هذه المعاني السبعة ولا تختصّ بواحد منها إلا عند التضامّ مع المضاف إليه، أي في حالة التركيب. ولذلك يُعتبر كل مثال من هذه الأمثلة الواردة ممّا يحدّد معنًى واحدًا معيّنًا للكلمة.

وكذلك الأمر بالنسبة لكلمة "ضرب"، والتي نجد من معانيها ما يلي:

عاقب                   نحو               ضرب زيد عمرًا

ذكر                     نحو               ضرب الله مثلاً

أقام                     نحو               ضرب له قبّة

صاغ                   نحو               ضرب العملة

حدّد                     نحو               ضرب له موعدًا

سعى                   نحو               ضرب في الأرض

حسب                   نحو               ضرب خمسة في ستّة.

فكل من الكلمتين تحمل إذن دلالة ما، وتتّصف بجماليّة معيّنة على مستوى اللفظ المفرد والمؤلّف. وما تتّخذه كل كلمة في حالة الإفراد لا تتّخذه في حالة التركيب، أي مع ما يُضاف إليها. فهي في نهاية المطاف مبنًى ومعنًى، حيث تتّخذ لنفسها ماهيّة متعدّدة كتعدّد السياق الذي تدخل فيه، "ولكن المبدع الواعي بدلالة هذه الألفاظ التي يقتضيها النظام اللغوي، هو الذي يختار الصيغة المناسبة للمعنى الدقيق الذي يريده"(2).

ولا عجب أن نجد من جرّاء هذا، أن العرب قد أجهدوا أنفسهم في عصورهم الأولى في اختيار الكلمات والبحث عنها وانتقائها، مجنّدين لها ما مُنحوه من طاقات العقل ودفقات الشعور وجميل الأحاسيس. فقد كانوا في جاهليتهم، يدركون ما للكلمة من شأن، وما تحدثه من أثر إيجابي أو سلبي، فيقبلونها أو يردّونها نتيجة معرفة وذوق. وإذا كان هذا في كلام البشر، فهو في كلام الله المتناهي في البلاغة أكثر وضوحًا وأشدّ ظهورًا. ولهذا العلوّ في الأسلوب القرآني كان الأعرابي في الصحراء يعشق كلامًا واحدًا منه أحيانًا، فيسجد قبل أن يؤمن. كما سمع أحدهم الآية الكريمة ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾(3)، فخرّ ساجدًا، فلمّا سُئل: أأسلمت؟ قال: لا، بل أسجد لبلاغة هذا الكلام(4).

ولذلك نجد أن البلاغيين العرب قد تلقّوا الكلمة القرآنية بكثير من الإنجذاب الروحي والعقلي، من حيث أنهم أدركوا ما تختزنه من عجيب التأليف، وبديع التصوير، وعمق التحليل في المستويات كلها. وهذا المفهوم نراه في قول الزمخشري، حين تساءل بلسان غيره: "لِمَ قيل: ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ على التوحيد دون اسم الجنس، في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾(5)؟ فأجاب: "أُريدَ تفصيل الشجر وتقصّيها شجرة شجرة، حتى لا يبقى من جنس الشجر ولا واحدة إلا قد بُرِيت أقلامًا"(6).

إذ هنا يكمن السرّ في بقاء الكلمة القرآنية حيّة، يكمن وراءها معنى وهدف، وأن لها خصائص ومميّزات، وأنها مختارة ومنتقاة.. ومن ثمّ، فهي تُوضع في العبارة القرآنية في محلّها الطبيعي، بحيث لا يمكن أن تسدّ أيّة كلمة أخرى مكانها، ولا أن تعطي نفس الأبعاد والظلال التي كانت تعطيها تلك الكلمة. وهذا ما يدفعنا في الحقيقة إلى البحث عن سرّ استخدام القرآن الكريم لكلمة معيّنة لا لغيرها، وبهذا الشكل لا بغيره.

وللتدليل على هذه الدقّة في معاني الألفاظ التي يختارها القرآن العظيم، نضرب النموذج التوضيحيّ التالي: فقد جاء في التنزيل الحكيم قول الحقّ تبارك وتعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (7). والسؤال الذي نطرحه هنا: ما هي المعاني التي يؤدّيها لفظ (علق) في هذا النصّ القرآني الكريم؟ عند الرجوع إلى مادة (علق) في لسان العرب، نجد أن لهذا اللفظ ما يزيد عن (31) معنًى مختلفًا(8). وقد لفتت انتباهنا محاولة جميلة للدكتور إبراهيم خليل، قام فيها بانتقاء جميع الصفات الشاملة لهذا اللفظ من لسان العرب، وصنّفها حسب المعاني التي تؤدّيها، فكانت النتيجة ما يلي(9):

- مراحل تكوين وتطوّر ونمو الجنين: السائل المنوى - حدوث الحمل - الجنين داخل الرحم (دودة حمراء تمص الدم).

- المواد الأساسية التي يحتاج إليها الإنسان لاستمرارية حياته مثل: الماء – اللبن – الطعام – الدم ..

- أنشب في الشيء وتشبّث به كالجبل والأرض وما شابه.. فهو ينشب في رحم أمه عندما كان جنينًا، ثم عندما يكبر فإنه ينشب ويتشبّث بالأشياء كالأرض والممتلكات.

- حب التملّك والأثرة وحب الإستيلاء على الأشياء والرغبة في ألا تفلت منه (دائمًا متعلّق بالدنيا).

- حب الإغارة والعدوان وأخذ كل شيء يصيبه (قصة الحروب والمعارك بين الناس والدول وغنائم الحرب).

- التعوّد والتعلّق بالأشياء وملازمتها (العرف والعادات والتقاليد).

- الحرص وحب المال.

- التعلم من الغير والأخذ منه، وأحيانًا إنكار من أسدى إليك معروفًا.

- التسرّع والعجلة والإلتواء في المعاملة.

- الحب والعشق والعواطف وما يقابلها من التباعد والكره والتنافر.

-  شدّة الخصومة وقوة البلاغة وحب الجدل.

- حب التفاخر والتفوّق والشغف بالألقاب.

- الحياة التجارية بين الناس (البضائع).

- الجزء النفيس الغالي في أي إنسان وهو الروح.

- كما أحاطت اللفظة بمرحلتي ما قبل حياة الإنسان وما بعدها، وهو الموت.. فأي إنسان قد نشأ من العدم (الموت) ثم إنه صائر لا محالة إلى العدم (الموت).

وأنت إذا تدبّرت هذه المعاني المختلفة، التي يؤدّيها لفظ (علق)، تجد من العجب أنه قد تضمّن بشموليّته هذه أي إنسان على وجه الأرض، من حيث أصله وفصله ونوعه وطباعه وسلوكه.. إذ إنه حوى جميع ما في الإنسان من صفات تشريحية وفسيولوجية ونفسية وعاطفية واجتماعية.. وذلك منذ بدأ يتخلّق في بطن أمّه حتى صار رجلاً يحبّ ويكره، ويجادل ويخاصم، ويتعلّق ويلتوي، ويتعوّد ويتعلّم..

فمع أن هذا اللفظ الواحد يتكوّن من ثلاثة أحرف (ع ل ق) إلا أنه، كما ترى، يمكن شرحه في مؤلّفات ضخمة، يشترك في تصنيفها الجهابذة من علماء التشريح والأجنّة ووظائف الأعضاء والإجتماع والنفس والسلوكيات والمنطق.. ومن ثمّ، فإن الإحكام في تطبيق هذه الصفات على البشرية جمعاء جاء متعلّقًا بحرف الجرّ (من) والذي سبق كلمة (علق) في الآية الكريمة.

يقول الدكتور خليل: "فأنت تعلم أن (من) تُستخدم للتبعيض. إذن فكل إنسان أخذ لنفسه جزءًا أو نصيبًا من علق الحب والكره وحب التملّك والخصومة والجدل والتعوّد والتعليم.. فتأمّل (من) التبعيضية ثم معاني (علق) الشمولية.. هذه هي ألفاظ القرآن الدقيقة. ومعانيها العجيبة.."(10).

ولذلك، فإنك لو تفكّرت في أيّة كلمة قرآنية، ثمّ أمعنت نظرك فيها مرات ومرات، ثم حاولت البحث عن كلمة أخرى ظانًّا أنها قد تعطي نفس الأبعاد التي تعطيها هذه الكلمة، فإنك لا ريب ستخرّ ساجدًا لمنزلها الذي لا يشهده شيء ولا يغيب عنه شيء سبحانه. لأنك لن تجد أيّة كلمة يمكنها أن تسدّ مكانها، بحيث تعطي المعنى الذي جاءت هذه الكلمة لتؤدّيه في النصّ القرآني. فكلمات القرآن، وإن كانت تبدو للبعض كأنها مألوفة بسيطة، إلا أنها تؤدّي مهمّة مفاتيح لكنوز المعاني اللطيفة وأسرارها العجيبة.

ومن جهة أخرى فكما أنك ترى هذا التفوّق في القرآن والمتانة والهيبة، في فصاحة لفظه، وفي بلاغة معناه.. فإنك إذا أمعنت نظرك في أسلوبه وبيانه، وفي انتظامه ونظامه، تجد أيضًا أنه روعي فيه نسق آخر ذو أسرار، وانسجام دقيق ذو أنوار، يتجلّى لك في دلائل مناسباته العددية والحسابية. ولقد رأينا جزءًا من هذه المناسبات في باب الحكمة من التكرار، حيث وجدنا إبداعًا عدديًا في تكرار ألفاظ الجلالة التي تعرّض لها الإمام النورسي، وكذلك في تكرار بعض الألفاظ المتناظرة التي تعرّض لها الدكتور عبد الرزاق نوفل.

على أن مزيدًا من التدبّر والتأمّل في كتاب الله العزيز، يُظهر لنا أن هذه المناسبات العددية ليست مقيّدة بتكرار لفظ بعينه، وإنما تتعدّى النطاق اللفظي المحدود، لتطلق عنانها على كل ما جاء في القرآن الكريم، من أسماء وأفعال وحروف. فكما أن كل لفظ في القرآن يؤدّي معانيه المعجزة في الآية التي يجيء فيها، فكذلك نجد أن مجموع ورود هذا اللفظ في السورة التي يرد فيها، ومن ثم مجموع وروده في القرآن الكريم كله، له أيضًا دلالات إحصائية وعددية مهدوفة ومقصودة.

وبناءًا على هذا نقول: إنه مع ملاحظتنا السابقة للمعاني المعجزة التي أدّاها لفظ (علق) في سورة العلق، إلا أن الإعجاز القرآني قد تعدّى ما لا يخطر ببال بشر. وذلك من حيث أنه لا يراعي فقط المعاني التي يؤدّيها اللفظ، وإنما يرمي إلى هدف أبعد حين يراعي عدد المرات التي يرد فيها أي لفظ في كل القرآن. وهذا يعني أن كل لفظ يجيء في القرآن بنسبة محدّدة ومقدّرة، لا زيادة فيها ولا نقصان، وأن للنسبة التي يرد فيها أي لفظ أيضًا دلالات ذوات أسرار(11).

ولكي يتحصّل لديك الفهم المطلوب من اتّساع الدلالات العددية لألفاظ القرآن ومعانيه، نضرب مثلاً ذكره الأستاذ شوقي أبو خليل على كلمتي البحر والبرّ. يقول: "عاش محمد صلى الله عليه وسلم في بيئة صحراوية، وقومه ما عُرف عنهم التجارة في البحر. فكان من المفروض _ لو كان القرآن من عند محمد صلى الله عليه وسلم _ أن نجد في القرآن الكريم ذكر كلمة (البرّ) أكثر من ذكر كلمة (البحر)، خصوصًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يركب البحر مطلقًا في حياته.

بعد هذا، ورد في كتاب الله لفظ (البحر) في (32) آية، ويقابل كلمة البحر طبعًا كلمة (البرّ)، التي وردت في (12) آية، ومرة واحدة فقط قابلت كلمة (يبسًا) كلمة البحر في سورة طه، فيكون المجموع (13) مرة"(12). وبعد أن أورد الأستاذ أبو خليل الآيات التي ورد فيها لفظ (البحر) ولفظ (البرّ) والآية التي ورد فيها لفظ (يبسًا) في القرآن، عقّب على سؤال طرحه من قبل عن النسبة بين (البحر) و(البرّ) في هذه الآيات، ثم استطرد قائلاً: "بعملية حسابية بسيطة نستنتج: (32) البحر + (13) البرّ = (45)، وهي تشكّل (100٪) من مساحة سطح الأرض كاملة، التي هي إما (بحر) وإما (برّ).. فـ(45) تشكّل (100)، البحر منها (32). فتكون نسبة البحر إلى مساحة الأرض:

(32÷45)×100=71.111.

وأما نسبة البر إلى مساحة الأرض فتكون:

(13÷45)×100=28.888"(13).

ونحن نسأل هنا: أليست هذه هي نسبة الماء إلى اليابسة على سطح الكرة الأرضية؟ نعم، إنها النسبة بعينها، وبدقّة تامّة. فورود كلمتي البحر والبرّ بهذه النسبة المحدّدة والدقيقة في القرآن الكريم، يعكس تمامًا نسبة اليابسة والماء على سطح الكرة الأرضية. فلو لم يرد هذان اللفظان بهاتين النسبتين في كل القرآن، لما تحصّلت لدينا هذه النتيجة المعجزة والمقصودة دون أدنى شكّ.

وإن هذه الحقيقة، وهي أن كل لفظ يرد في القرآن بنسبة محدّدة ومقدّرة، وأن لهذه النسبة هدف مقصود، تتجلّى لنا بوضوح تامّ عند معالجة الألفاظ المشتركة المعاني، أي تلك الألفاظ التي تدلّ على معنى مشترك فيما بينها. فمع أن علماءنا الكرام قد أقرّوا بوجود علّة لغوية كامنة وراء تعدّد الألفاظ في معنى واحد _ إذ أن كل لفظ منها يختلف عن الآخر في المعنى اختلافًا ما، وقد يكون الفرق دقيقًا لا ينتبه له إلا العارف بلغة العرب _ ومع أن الفروق اللغوية في معاني الألفاظ القرآنية المختلفة ينبثق عن علّة بلاغية وبيانية معجزة(14)، إلا أن اختيار القرآن الكريم ألفاظًا مختلفة لمعنًى واحد له أيضًا دلالات عددية عجيبة، تشير إلى إحكام هذا الكتاب العظيم.


(1) انظر اللغة العربية معناها ومبناها للدكتور تمّام حسّان، ص324.

(2) د. حسن طبل، المعنى في البلاغة العربية، ص230.

(3) سورة الحجر: 15/94.

(4) انظر الكلمات لبديع الزمان النورسي، ص436.

(5) سورة لقمان: 31/27.

(6) الزمخشري، الكشّاف، 5/21.

(7) سورة العلق: 96/1-2.

(8) ابن منظور، لسان العرب، مادة (علق).

(9) د. إبراهيم خليل، أسرار تاسع كلمة في القرآن "علق"، مجلة أفق، العدد 37، أيلول 2003.

(10) المصدر السابق.

(11) انظر فصل الأطوار الستّة من هذا الكتاب، لتدرك الحكمة من تحديد نسبة ورود لفظ (علق) في القرآن.

(12) شوقي أبو خليل، الإنسان بين العلم والدين، ص116-119.

(13) المصدر السابق.

(14) انظر الإعجاز البياني للقرآن للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطيء)، ص212-215

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام