الذكر والحذف ومراعاة الإحصاء

لقد سبق أن ذكرنا وجهًا من أوجه التناسق والتناسب بين الحروف عندما تحدّثنا عن ظاهرة التنصيف العددي في الحروف النورانية، التي تعرّض لها الإمام النورسي، ورأينا لطائف من تحليلات علمائنا وإشاراتهم إلى إحصائيات هذه الحروف في السور التي تتردّد فيها.

 يقول الأستاذ نذير حمدان: "التعليلات الواردة في التناسب بين الحروف المقطعة(1) وسائر السور التابعة لها تدلّ على عمق في الفهم الفنّي للقرآن الكريم، وحين تتبّعها العلماء بصبر كبير فإنهم وجدوا لطائف وعجائب في تناسب بعضها ببعض، وهو كشف أدبي وعددي أو ما يشبهه متقدّم على النظرات الحديثة التي تنوّه بالإعجاز العددي للقرآن الذي لم يكتمل في كثير من صوره.. والموضوع يستوعب إحصاء ودراسة جماعية وموضوعية في ألوان جمالية مبدعة، ويستحقّ من الدارسين _ وقد بدأها بعضهم _ مزيدًا من الجهد والتفرّغ"(2).

 من هذا القول يتّضح لنا أن هذه (اللطائف) و(العجائب) وثيقة الدلالة على التناسب العددي في الحروف القرآنية. وهذا ما ذهب إليه أيضًا الدكتور صلاح الخالدي، حيث يقول: "يظهر التناسق العددي في ورود الحروف في البيان القرآني بصورة واضحة، وورود هذه الحروف ليس مصادفة، وإنما هو مقصود مُراد، سواء كانت الحروف حروف المباني التي تُبنى منها الكلمة، أو حروف المعاني التي تدلّ على معانٍ مرادة"(3).

 ولبيان هذه الفكرة، يضرب الدكتور الخالدي مثلاً على التناسق العجيب في حروف الآية الأخيرة من سورة الفتح، يقول: "ومن لطائف القرآن ورود آية جمعت كل حروف المباني الثمانية والعشرين، وهذه الآية هي الأخيرة من سورة الفتح، والتي تتحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأمتّه: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾(4).

 فما من شكّ أن هذه النظرات التأمّلية الجمالية في تناسق القرآن، تضفي عليها جمالاً علميًا أو علمًا جماليًا في البيان القرآني. "وقد فتحت هذه النظرة الثاقبة آفاقًا جديدة من التناسق الجمالي في الدراسات الحديثة الأدبية الجادة، فتنوّعت صوره وتلوّنت أبعاده حتى أضحى قاعدة فنّية، ترى بوضوح في النسيج القرآني المتلاحم، وفي بنائه المحكم"(5).

وممّا لا شكّ فيه أيضًا أن جمال التناسق العددي في حروف القرآن الحكيم، ينبع من الخصائص العجيبة في رسم هذا الكتاب العظيم، الذي هو سرّ من أسرار الله المشاهدة. وعلى الرغم من اختلاف العلماء في مسألة توقيفيّة الرسم العثماني أو نفيها، وقول بعضهم بالتكلّف فيها، إلا أن الراجح في تقديري ما ذهب إليه أكثر الضالعين في علوم القرآن، وهو أن الرسم القرآني توقيفي(6).

 وقد نقل الشيخ الزرقاني ما ذكره العلامة ابن المبارك في كتابه (الإبريز) عن شيخه عبد العزيز الدباغ، قوله: "رسم القرآن سرّ من أسرار الله المشاهدة.. وكما أن نظم القرآن معجز فرسمه أيضًا معجز. وكيف تهتدي العقول إلى سرّ الزيادة في الألف في «مائة» دون «فئة»، وإلى سرّ زيادة الياء في «بأييد» و«بأييكم»، أم كيف تتوصّل إلى سرّ زيادة الألف في «سَعَوْا» بالحج، ونقصانها من «سَعَوْ» بسبأ؟ وإلى سرّ زيادتها في «عَتَوْا» حيث كان، ونقصانها من «عَتَوْ» في الفرقان؟ وإلى سرّ زيادتها في «آمنوا» وإسقاطها من «باؤ، جاؤ، تبوؤ، فاؤ» بالبقرة؟ وإلى سرّ زيادتها في «يعفوا الذي»، ونقصانها من «يعفو عنهم» في النساء؟

 أم كيف تبلغ العقول إلى وجه حذف بعض أحرف من كلمات متشابهة دون بعض، كحذف الألف من «قرءنًا» بيوسف والزخرف، وإثباتها في سائر المواضع؟ وإثبات الألف بعد واو «سموات» في فُصّلت وحذفها من غيرها، وإثبات الألف في «الميعاد» مطلقًا، وحذفها من الموضع الذي في الأنفال، وإثبات الألف في «سراجًا» حيثما وقع، وحذفه من موقع الفرقان؟ وكيف تتوصّل إلى حذف بعض التاءات وربطها في بعض؟ فكل ذلك لأسرار إلهية، وأغراض نبوية. وإنما خفيت على الناس لأنها أسرار باطنية لا تُدرَك إلا بالفتح الرباني، بمنزلة الألفاظ والحروف المقطعة التي في أوائل السور، فإن لها أسرارًا عظيمة، ومعاني كثيرة، وأكثر الناس لا يهتدون إلى أسرارها، ولا يدركون شيئًا من المعاني الإلهية التي أُشير إليها. فكذلك الرسم الذي في القرآن حرفًا بحرف"(7).

 وللتدليل على أن الرسم القرآني معجز، يقول الأستاذ عاطف عزايزة: "لقد أنزل الله المبدع الخبير الآيات بألفاظ متقنة محسوبة، وذلك في شكل قاعدة تسلسل حسابي، من المستحيل علينا الوصول إليه ما لم نعرف الطريقة التي بُنيت بها هذه الألفاظ في الآيات"(8). ولتوضيح الإعجاز الكامن في رسم الحروف، يورد العزايزة الآيات الثلاث التالية: الأولى، ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ﴾(9). والثانية، ما جاء في قوله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(10). والثالثة، ما جاء في قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾(11).

ثم يقول: "لو قمنا الآن بجمع ألفاظ كل آية من بين هذه الآيات، لكانت النتيجة كما يلي: بالنسبة للآية الأولى عدد حروف الألفاظ هو أربعين، لو ابتدأنا بإحصاء الحروف من آخر الآية، وهي للتوضيح كما يلي:

 (و - إ - ذ - و - ا - ع - د - ن - ا - م - و - س - ى – أ - ر - ب - ع - ي - ن - ل - ي – ل – هـ – ث – م – ا – ت – خ –ذ - ت - م - ا - ل - ع - ج - ل - م - ن - ب - ع - د – هـ - و - أ - ن - ت - م - ظ - ا - ل - م - و – ن).

 كذلك بالنسبة للآية الثانية، فلو قمنا بجمع حروف اللفظ بها مبتدئين بذلك من آخر الآية إلى بدايتها، لكان مجموع الحروف يساوي ستّينًا عند لفظة ستين، مستقرًا بذلك اللفظ ومعناه ومخرج حرفه، كل في موضعه، ممّا يؤكّد دقّة اللفظ وإتقان معناه في رسالة القرآن العجيب. وأيضًا الآية الثالثة، لو قمنا بجمع حروف ألفاظها مبتدئين بذلك من آخرها لوصل مجموع الحروف إلى سبعين عند لفظة سبعين. فعلى ماذا يدلّ كل هذا؟ على أن ربّنا جلّت حكمته قد أبدع رسالة القرآن العظيم، وفصّلها على علم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون"(12).

 ومن أوجه الإعجاز في الرسم القرآني أيضًا ظاهرة الذكر والحذف، يقول الدكتور صلاح الخالدي: "ولم يأتِ ذكر الحرف في موضع وحذفه في موضع آخر قريب منه مصادفة، وإنما جاء لحكمة مقصودة، تقرّر المعنى المراد، وتحقّق الإعجاز البياني الرفيع. إذا ذُكر الحرف في آية كان ذكره مقصودًا، لتحقيق حكمة مرادة، حكمة لفظية بلاغية ومعنوية تفسيرية، وإذا حُذف ذلك الحرف في آية أخرى قريبة من الآية السابقة، كان حذفه مقصودًا، ولتحقيق حكمة مرادة أيضًا، لفظية ومعنوية"(13).

وقد وضّح الدكتور فاضل السامرّائي هذه الظاهرة العجيبة، وتعرّض لها في كتابيه (التعبير القرآني) و(بلاغة الكلمة في التعبير القرآني). يقول: "قد يُحذف في التعبير القرآني من الكلمة نحو (استطاعوا) و(اسطاعوا)، و(تتنزّل) و(تنزّل)، و(تتوفّاهم) و(توفّاهم)، و(لم يكن) و(لم يكُ)، وما إلى ذلك، وكل ذلك لغرض وليس اعتباطًا. فالتعبير القرآني تعبير فنّي مقصود، كل كلمة، بل كل حرف إنما وُضع لقصد"(14).

 ثم أورد العديد من الأمثلة على هذا النوع من الحذف في الكلمات القرآنية، من مثل: (يَهْدِيَنِي) و(يَهْدِيَنِ)، و(كِيدُونِي) و(كِيدُونِ)، و(أخّرْتَنِي) و(أخّرْتَنِ)، و(اخشَوْنِي) و(اخشَوْنِ)، و(يأتِي) و(يأتِ)، و(المُهْتَدِي) و(المُهْتَدِ).. وغيرها(15). ومن ثمّ، فهو لم يكتف بهذا الإستقراء، بل ذهب إلى أبعد من ذلك. فبعد أن تعرّض إلى بعض مظاهر الإبدال في القرآن الكريم "نحو (يتذكّر) و(يذّكّر)، و(يتدبّر) و(يدّبّر)، ونحو مكة وبكة، وبسطة وبصطة.."(16)، ووضّح ما فيها من الإعجاز التعبيري، أكّد على أن القرآن الكريم، كما أنه يراعي في الإبدال حكمة لفظية ومعنوية، إلا أنه يراعي فيه كذلك حكمة إحصائية(17).

   ولقد ذكرنا في مكان آخر أن علماءنا الأقدمين اجتازوا في هذه الحكمة الإحصائية مرحلة طيّبة وموفّقة. وذكرنا قول الزركشي والغرناطي وغيرهم في أن الحروف في مفتتح السور تشير إلى غلبة مجيئها في كلمات هذه السور، فحقّ لكل سورة منها ألا يناسبها غير الواردة فيها. فأكثر كلمات سورة (ص) مثلاً، يرد فيها حرف الصاد، وكثير من كلمات سورة يونس فيها حروف (الـر)، وفي سورة (ق) تتكرّر كلمات كثيرة بلفظ القاف.. وهكذا.

  ولمّا كان ذلك كذلك، فكان من باب الأولى أن ندرس الحِكم الإحصائية من الحذف والزيادة والإبدال في رسم الكلمات القرآنية، كما نرى مثلاً في (نشاء) و(نشؤا)، و(لقاء) و(لقآىء)، و(قرآنًا) و(قرءنًا)، و(دعاء) و(دعؤا)، و(أينما) و(أين ما)، و(شركاء) و(شركؤا)، و(الميعاد) و(الميعد)، و(شىء) و(شايء)، و(نبأ) و(نبإي) و(نبؤا)، و(أنباء) و(انبؤا)، و(شفعاء) و(شفعؤا)، و(لعنت) و(لعنة)، و(رحمت) و(رحمة)، و(إبرهيم) و(إبرهم)..

وسنتعرّض في الأبواب القادمة من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى إلى مثل هذه الإحصاءات، التي تدلّ دون أدنى شكّ على أن الله سبحانه وتعالى أودع في كتابه العزيز من الدلائل والإشارات العجيبة، التي تكنّ أسرارًا عظيمة، وتظهر إعجازًا جديدًا من مظاهر إعجاز القرآن الحكيم.

والآن، وبعد استعراض هذه الملاحظات الإستقرائية التي وافيناك بها، عن مظاهر من الإعجاز العددي في كتاب الله تعالى، كما يراها الباحثون، سنصطحبك في رحلة إلى رحاب القرآن المديدة، لنقتطف منها ما منّ الله به علينا من علمه وفضله. ولنبدأ رحلتنا هذه بالدخول من باب المنطق الرياضي في القرآن الكريم، والذي سيؤهّلنا على التمكّن من التجوال في هذه الرحاب الواسعة، بقلوب مطمئنة، وعقول يقظانة، وعيون مبصرة.


(1) أي الحروف النورانية، مثل (ألـم، ألـر، طـس، حـم..).

(2) نذير حمدان، الظاهرة الجمالية في القرآن الكريم، ص174.

(3) د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، إعجاز القرآن البياني، ص335.

(4) سورة الفتح: 48/29.

(5) الظاهرة الجمالية، ص175.

(6) انظر رسم المصحف وضبطه للدكتور شعبان محمد إسماعيل، ص63.

(7) عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان، 1/345.

(8) عاطف عزايزة، أسرار الحروف والآيات في رسالة القرآن العجيب، ص64.

(9) سورة البقرة: 2/51.

(10) سورة المجادلة: 58/4.

(11) سورة التوبة: 9/80.

(12) أسرار الحروف والآيات، ص91-92.

(13) د. صلاح الخالدي، إعجاز القرآن البياني، ص186.

(14) د. فاضل السامرّائي، بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، ص11.

(15) د. فاضل السامرّائي، التعبير القرآني، ص75-91.

(16) بلاغة الكلمة في التعبير القرآني، ص40.

(17) المصدر السابق، ص58.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام