مدخل إلى إعجاز القرآن الكريم

     مما لا شكّ فيه أنه ما من كتاب ظهر على وجه الأرض منذ أن خلق الله السماوات والأرض ومن فيهنّ، قد حظي باهتمام كبير ونال مكانة في نفوس الخليقة، مثل ما حظي به القرآن الكريم. حيث ترك أثره في تصوّرات الإنسان وفكره ومعتقده، ولم يترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وتناوله بالبيان الواضح الذي لا غموض فيه.

 

ولذلك أقبل العلماء على هذا الكتاب العظيم في القديم والحديث، وألّفوا حوله الآلاف المؤلّفة من الكتب والدراسات، مستعينين في ذلك بما قاله منزّله سبحانه وتعالى من أوصاف وخصائص، وبما أخبر به أمين الأرض محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وأنت لو تدبّرت هذا الكتاب المجيد، فلن يخفى عليك أن فيه من أبواب العلوم، ما إن انفتحت لك، وأطلقت عقلك ليرتع فيما شاء منها، لخرجت منه بمعارف، ما لو أمضيت الدهر كله لتغتنمها من غيره، لما تحقّق لك مرادك. فالقرآن أُنزل فيه كل علم، وبُيّن لنا فيه كل شيء(1). ولو أغفل الله تعالى شيئًا فيه، "لأغفل الذرّة والخردلة والبعوضة"(2).

 

وقد صنّف علماؤنا ما لا يُحصى من العلوم القرآنية، وأفردوها في كتب ورسائل عظيمة، وبسطوها بسطًا وفيرًا، ليس من غرضنا أن نستقصيه في هذا البحث المتواضع. على أنه من العلوم التي حازت نصيبًا كبيرًا من تراث علمائنا الفكري، والذي حشد له علماؤنا جهودًا جبّارة، وقدّموا عليه أدلّة عظيمة، كان علم إعجاز القرآن.

 

ومع أن كلمة "إعجاز" لم ترد في القرآن العظيم، ولم يحدّثنا التاريخ عن مصنّفات لهذا العلم في عهد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، إلا أن التأليف فيه برز بكثرة في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث للهجرة النبوية المباركة(3). وذلك أنه بتوالي الأزمان، وازدياد اختلاط العرب بثقافات الأعاجم، فقد ظهر مِن الملحدين مَن أثاروا شكوكًا حول القرآن، وسدّدوا نحوه بعض المطاعن، ولَغَوْا فيه، ثم قَضَوْا عليه بالإختلاف، والإستحالة في اللحن، وفساد النظم، والتناقض..

 

فتصدّى علماء المسلمين لهذه التيارات الفكرية الملحدة، وقدّموا الأدلة الراسخة والبراهين الدامغة على أن القرآن الكريم "معجز". هو كذلك، لأنه أوقع بالمنكرين العجز والضعف والقصور، فلم يستطيعوا معارضته أو الإتيان بمثله، ولا حتى الإتيان بسورة واحدة من مثله. فدلّ على أنه كلام الله تعالى، أوحاه إلى قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

وعلى هذا، فإن المعجزة مأخوذة من العجز. وهو في اللغة: التأخّر عن الشيء وحصوله عند عجز الأمر، أي مؤخّرته(4)، وصارت إسمًا للقصور عن فعل الشيء، وهو ضدّ الحزم والقدرة(5). وقد وضع العلماء لها شروطًا، منها: أن تكون أمرًا خارقًا للعادة، مقرونًا بالتحدّي، وسالمًا عن المعارضة(6). فهي إذن كل أمر يظهر بخلاف العادة على يد مدّعي النبوّة عند تحدّي المنكرين، على وجه يعجزهم عن الإتيان بمثله(7).

 

ومن المعلوم في تاريخ الأديان أن كل رسول كان يحمل بين يديه آية معجزة إلى قومه، يلقاهم بها متحدّيًا، لتكون هي دليله القطعيّ على أنه مبعوث من عند الله سبحانه وتعالى. فالمعجزة برهان من الله يؤيّد بها رسوله المبعوث لإثبات مصداقيّة المنهج الذي يحمله. وهي إما حسيّة وإما عقلية(8).

 

فالمعجزات الحسيّة هي كل ما أوتيه الأنبياء من آيات قبل نزول القرآن، كناقة صالح، وعصا موسى، وإحياء الموتى بإذن الله على يدي عيسى، عليهم الصلاة والسلام. وسُميّت هذه المعجزات بالحسّية لأنها انقرضت بانقراض الأجيال المعاصرة لهؤلاء الأنبياء، فلم يشاهدها بالأبصار إلا مَن حضرها. وأما المعجزة العقلية فهي متمثّلة في القرآن الكريم، لأنها مستمرّة إلى يوم القيامة، فلا يمرّ عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء يدلّ على صحّة دعواه، فيبقى معجزة مشاهَدة بعين العقل لكل عصر ولكل جيل.

 

وقد تسأل فيما أسلفنا عن أمرين، الأول: إذا كان القرآن كتابًا سماويًا، فما الوجه الذي يفرقه عن غيره من الكتب السماوية؟ أو لماذا كان القرآن معجزًا، دون سواه من هذه الكتب؟ والثاني: إذا كان القرآن معجزًا، فما السبيل إلى معرفة وجه إعجازه؟ وما الحدّ الأدنى لمقدار الإعجاز فيه؟

 

أما الجواب عن السؤال الأول، فمن عدّة وجوه، أهمّها يكمن في الفرق بين المعجزة والرسالة. فالرسل عليهم السلام بعثهم الله لهداية أجيال محدّدة، في أزمان محدّدة، وأماكن محدّدة، وأيّدهم برسالات تكون هي منهج الحياة والتشريع، ثم أيّدهم في الوقت نفسه بالمعجزات، لتكون دليلاً على صدق دعواتهم. فمعجزات موسى وعيسى عليهما السلام شيء، ومنهجهما، المتمثّل في التوراة والإنجيل، شيء آخر. أما الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فقد بعثه الله تعالى هدًى ورحمة للعالمين، مؤيَّدًا بالقرآن ليكون المنهج القويم والتشريع الخالد لأمم العالم أجمعين، وليكون في الوقت نفسه المعجزة الخالدة إلى يوم الدين، فهو إذن معجزة ومنهج في آن واحد.

 

وأما الجواب عن السؤال الثاني، فهو أن قضية الإعجاز قد فرضت نفسها من قديم على السلف من علماء المسلمين، كما ذكرنا، إلا أن أقوالهم تعدّدت في وجوهها. وأيًا ما قالوا فيها، فالذي لا ريب فيه هو أن إعجاز القرآن من جهة البلاغة والفصاحة، لم يكن قطّ موضع جدل أو خلاف(9)، وإنما كان الجدل بين أهل النظر في اعتباره معجزًا في غير ذلك من مختلف الوجوه(10).

 

ففي حين أن طائفة من العلماء اقتصرت إعجاز القرآن على بلاغته وفصاحته، رأت طائفة أخرى أن القرآن معجز أيضًا فيما تضمّنه عن الأخبار الماضية والمستقبلية. ورأت طائفة أخرى أنه معجز فيما قرّره في تشريعه، وتبيينه للحلال والحرام وسائر الأحكام. ورأى آخرون أن من إعجاز القرآن المناسبات العجيبة بين سوره وآياته من فواتح السور وخواتيمها. ورأى البعض أن القرآن معجز فيما تضمّنه من العلوم والحِكم البليغة على اختلافها.. حتى أن بعضهم ذكر أربعين وجهًا من أنواع الإعجاز في القرآن الكريم(11).

 

وعلى كل، فإن المتأمّل في الأدلّة والبراهين المتعدّدة التي قدّمها علماؤنا لإظهار إعجاز القرآن، يجد فيها من البيان وتوافر شواهد الصدق ما يكفي لإقامة الحُجّة على الناس، بأن هذا القرآن لا يمكن أن يكون من كلام بشر، وإنما تنزيل من العزيز الحكيم سبحانه.

 

ولعلّ الإختلاف الظاهر بين العلماء حول وجوه الإعجاز يكمن في حقيقة أن دراسة النصّ القرآني الكريم قد تأثّرت _ من حيث النشأة وامتداداتها _ بالمناخ الثقافي السائد في كل عصر وزمان. فما من شكّ أنه بدوام اتساع دائرة المعارف الإنسانية، وتكرار تأمّل المتأمّلين في هذا الكتاب العظيم، وتدبّرهم لآياته عصرًا بعد عصر، وجيلاً بعد جيل، يفتح الله تعالى على العلماء باكتشاف حقائق ومستجدّات، لم يتنبّه إليها المتقدّمون من السلف(12).

 

فالقرآن معجزة تخاطب كل عصر بما برع فيه أصحابه، ولذلك يبقى عطاؤه دائمًا لا ينقطع، ليجد فيه كل جيل حاجته ومحجّته. قال تعالى: ﴿ قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (13). حقًّا! فلو كانت بحار الدنيا حبرًا ومدادًا، وكُتبت به كلمات الله وحِكَمه وعجائبه، لفني ماء البحر على كثرته وانتهى، وكلام الله لا ينفد، لأنه غير متناهٍ، كعلمه سبحانه وتعالى. وفي هذا يقول الزرقاني: "لقد اشتمل القرآن على آلاف من المعجزات، لا معجزة واحدة فحسب. فلم يذهب بذهاب الأيام، ولم يمت بموت الرسول صلى الله عليه وسلم، بل هو قائم في فم الدنيا يجابه كل مكذّب، ويتحدّى كل منكر، ويدعو أمم العالم جمعاء إلى ما فيه من هداية وتشريعات ونظم تكفل السعادة لبني الإنسان"(14). ولذلك نجد أن دائرة الإعجاز القرآنية تتجلّى عبر الأزمان بأوجه مختلفة ومتعدّدة، "بحيث لم يجد العلماء موضوعًا من مواضيع المعرفة الإنسانية، إلا وكان القرآن عليه دليلاً"(15).

 

وإن في هذا التعليل نكتة ذات أهمية بالغة، نحسبها السبب الرئيس في إقرار العلماء بأن "علوم القرآن وإن كثر عددها وانتشر في الخافقين مددها، فغايتها بحر قعره لا يُدرك، ونهايتها طود شامخ لا يُستطاع إلى ذروته أن يُسلك. ولهذا يُفتح لعالِم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب"(16). وأنت تتبيّن هذه الحقيقة إذا تأمّلت كتب الإعجاز في القرآن قديمًا وحديثًا، وإذ ذاك سيلفت انتباهك تصريح كل مؤلّف فيها، أنه جاء بشيء جديد، لم يسبقه إليه أحد من قبل.

 


(1) مصداقًا لقول الحقّ تبارك وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾، {سورة النحل: 16/89}.

(2) انظر كنز العمال للمتقي الهندي، المجلد السادس عشر، الباب الثاني في الترهيبات. حديث رقم (43746).

(3) د. مصطفى مسلم، مباحث في إعجاز القرآن، ص46.

(4) ابن منظور، لسان العرب، مادة (عجز).

(5) الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، مادة (عجز).

(6) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 2/311.

(7) مجد الدين الفيروز آبادي، القاموس المحيط والقاموس الوسيط، مادة (عجز).

(8) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 2/311.

(9) عبد القاهر البغدادي، الفَرق بين الفِرق، ص394.

(10) د. عائشة عبد الرحمن، الإعجاز البياني للقرآن، ص82.

(11) بديع الزمان سعيد النورسي، الكلمات، 1/421-540.

(12) انظر شواهد في الإعجاز القرآني للدكتور عودة أبو عودة، ص19.

(13) سورة الكهف: 18/109

(14) محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان في علوم القرآن، 2/232.

(15) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 2/338.

(16) جلال الدين السيوطي، التحبير في علم التفسير، ص28.

المصدر : موقع / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام