ملائمة القرآن لكل زمان ومكان

كان كل عالِم يُقبل على مسألة الإعجاز كأنها لم تُعرض من قبل، فيقول فيها كمن يرى الميدان خاليًا ليس فيه دليل، ثم يقول في غير الجهات التي كتب فيها مَن قبله، ومِن بعد أن ينهي مناقشته، يظنّ أنه قطع قول كل باحث، وجاء في أمر قصر عنه مَن سبقه ومَن سيلحقه، فيستريح مِن حيث يظنّ أنه أفحم الأوائل والأواخر. ثم ما يلبث الزمن إلا أن يأتي عالِم آخر، ليستدرك ما فات الذي جاء قبله، فيوجّه أنظار الباحثين إلى مواضع جديدة وغير معهودة من الإعجاز القرآني الجليل 1 .

 

وما أن يظنّ هذا الأخير أنه أغلق باب الإعجاز من جديد، وأنه قال فيه الكلمة الأخيرة، إلا أن يشاء الله لعالِم آخر بالكشف عن المزيد من عجائب هذا الكتاب العظيم، فيصير الأخير هو الأول، الذي ترك لنا ما ترك، وهكذا.. يبقى الإعجاز القرآني قائمًا في كل عصر، لا يُختصّ به أهل زمان دون زمان. ذلك أن الله سبحانه وتعالى أيّد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بمعجزة، هي "على الأيام باقية، وعلى الدهور والأزمان ثابتة، وعلى مرّ الشهور والسنين دائمة" 2 .

 

ولعلّ في هذه المقدّمات نكتًا جليلة، تنكشف لك إذا أمعنت فيها النظر. فبعد أن حدّد علماؤنا أسباب عجز البشر عن محاكاة القرآن من أوجه مختلفة، وانتهوا من المناقشة إلى ذات النتيجة الحتمية _ أن القرآن ليس من مصدر بشري _ يتّضح لك أن هذا الكتاب العظيم قد حوى الحقيقة المطلقة للوجود، وهو في الوقت نفسه يحوي الحقيقة النسبية التي يفهمها العالِم الباحث بحسب المناخ الثقافي الذي يعيش فيه.

 

فكون القرآن الكريم حاويًا للحقيقة المطلقة، وللفهم النسبي لهذه الحقيقة في آن واحد، يدلّ على إحكام ما بعده إحكام، ولا يمكن لأي كان من جنّ أو إنس أن يأتي بمثله، وهو لعمري الإعجاز بعينه!

 

ذلك أن التناسق المطلق بين الصياغة اللّغوية العلمية الموضوعية، وبين الصياغة الأدبية الخطابية التي يتحلّى بها القرآن، يضفي إلى هيكله بُعدًا عجيبًا يتمثّل في أن ألفاظه تبقى كلها حاملة لهذه المعاني المتعدّدة، لتلائم كل زمان ومكان، وذلك مهما تعدّدت أقوال العلماء وآراء الباحثين، ومهما تنوّعت مفاهيمهم وإشاراتهم.

 

فأنت إذا نظرت إلى الكلمات القرآنية بعين بصيرة تجد أن هذا الكتاب العظيم ينتقي دائمًا من الألفاظ ما هو أغناها بالدلالة، ويختار من أدوات التعبير ما يعطيك من المعنى ما هو دائمًا متجدّد متدفّق، بحيث يسع وجهات النظر المختلفة. "وهكذا يُخيّل إليك أنك قد أحطت خُبْرًا به، ووقفت على معناه محدودًا، ولو رجعت إليه كرّة أخرى لرأيتَك منه بإزاء معنى جديد، غير الذي سبق إلى فهمك أول مرّة، وكذلك حتى ترى للجملة الواحدة أو الكلمة الواحدة وجوهًا عدّة. كلها صحيح أو محتمل للصحّة، كأنما هي فصّ من الماس يعطيك كل ضلع فيه شعاعًا، فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها فلا تدري ما تأخذ عينك وماذا تدع. ولعلّك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك رأى فيها أكثر مما رأيت. وهكذا تجد كتابًا مفتوحًا مع الزمان يأخذ كل منه ما يُسّر له، بل ترى محيطًا مترامي الأطراف لا تحدّه عقول الأفراد ولا الأجيال" 3 .

 

ويستتبع هذا الحديث ما بيّنه أيضًا الدكتور فاضل السامرّائي بقوله: "إن التعبير الواحد قد ترى فيه إعجازًا لغويًا جماليًا، وترى فيه في الوقت نفسه إعجازًا علميًا، أو إعجازًا تاريخيًا، أو إعجازًا نفسيًا، أو إعجازًا تربويًا، أو إعجازًا تشريعيًا، أو غير ذلك. فيأتي اللغوي، ليبيّن مظاهر إعجازه اللغوي، وأنه لا يمكن استبدال كلمة بأخرى، ولا تقديم ما أُخّر أو تأخير ما قُدّم، أو توكيد ما نُزع منه التوكيد، أو عدم توكيد ما أُكّد. ويأتيك العالِم في الطب ليقول من وجهة نظر الطب، ألطف وأدقّ مما يقوله اللغوي. ويأتيك العالِم في التشريع، ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التشريع والقانون. ويأتيك المؤرّخ ليقول مثل ذلك من وجهة نظر التاريخ، ويأتيك صاحب كل علم، ليقول مثل ذلك من وجهة نظر علمه.." 4 .

 

ولذلك تظلّ الأجيال تتوارد على هذا الكتاب العجيب جيلاً بعد جيل، كلّما حسب جيل أنه بلغ منه مبلغًا، امتدّ الأفق بعيدًا وراء كل مطمح وفوق كل طاقة. ويبدأ الجيل اللاحق حيثما انتهى السلف، الذين خلفوا لنا عبر تراثهم العلمي النادر علامات تضيء الطريق لمسيرة علمية، لا تنتهي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وانطلاقًا من ذلك الفهم، فإننا نرى أن المستقبل القريب سيكون له حتمًا حظًا عظيمًا في تبيان وجه جديد من أوجه الإعجاز القرآني، لم يتطرّق إليه القدماء من العلماء إلا من رحم ربي، حيث بدأ يظهر لنا في عصرنا الحديث، وبدأت تتجلّى لنا دلالاته يومًا بعد يوم، وفتح الله علينا بالكشف عن جزء من أسراره في هذا الكتاب، ونرى أن المستقبل سيظهره على شكله الكامل، ليكون حُجّة متجدّدة وبرهانًا مطلقًا على صدق القرآن الكريم، وعلى صدق من بُعث به، وليؤكّد للعالم أجمع وبصورة مطلقة أن القرآن هو كلام الله العزيز الحكيم، وأنه لا ولن يستطيع أحد أن يأتي بشيء من مثله.

 

فبعد أن بلغت البحوث العلمية أوجها في القرن الماضي، واكتشف العلماء حقائق قد أشار إليها القرآن الكريم قبل ما يزيد عن ألف وأربعمائة عام في مختلف العلوم، انتقلت هذه البحوث في هذا العصر إلى محاولة الكشف عن الأسرار الكامنة في السنن والقوانين الإلهية، التي تحكم كلاً من عالمي الجماد والأحياء. فلا نجد اليوم عالِمًا إلا وهو يعلن أنه على وشك الكشف عن "الشيفرة الوراثية" أو "الشيفرة الكونية" أو "شيفرة الحياة".. بحيث أصبح مصطلح "الشيفرة" من التعابير العلمية الحديثة، التي ترتكز أساسًا على علم الأعداد والأرقام والإحصاء. ولذلك نجد أن الإعجاز القرآني المتجدّد، يتحدّى بكل عظمة وثبات ما يُعتبر اليوم في الأوساط العلمية بـ"إله العصر الحديث"، ألا وهو علم الرياضيات. فكما أن القرآن الكريم يخاطب أهل كل عصر بلغتهم، أي بمستوى العلوم التي احترفوها، وبما أن لغة هذا العصر هي الرياضيات، كما سنوضّح قريبًا، فإن هذه اللغة ستري أهل العصر الحديث أن القرآن ليس من وضع بشر، إنما هو وحي إلهي، أوحاه الله سبحانه وتعالى إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

 

ومع أننا لا أذهب مذهب بعضهم، بأن الإعجاز العددي هو الوجه في إعجاز القرآن، إلا أنه يشكّل بنظرنا وجهًا عظيمًا من وجوهه. ولعلّ الفرق بينه وبين أوجه الإعجاز الأخرى، أنه لا تختلف فيه نتيجة الآراء، ولا تتعدّد حوله الإتجاهات. فهو ليس بتفسير أو تأويل تتعارض فيه الإجتهادات، وتتباين له النظريات، ولكنه حساب وأرقام. وحقائق الحساب دائمًا قاطعة، وشواهد الأرقام أبدًا دامغة حقًا وصدقًا، لكل ما تتضمّنه من طلاقة في فهم هذه الحقائق. في حين أن أوجه الإعجاز القرآني، وخاصّة البلاغيّ منها، تتطلّب معرفة الفصيح والأفصح، والرشيق والأرشق، والجليّ والأجلى، والعليّ والأعلى من الكلام، "وهذا أمر لا يُدرَك إلا بالذوق، ولا يمكن إقامة الدلالة المنطقية عليه" 5 . ناهيك أن العرب اليوم قد فقدوا إضافة إلى هذا التعليل الحسّ اللغوي تمامًا.

 

ومن ثمّ، فإن أداة التعبير الرقمي ليست بدعًا من العلوم، بل كانت هي الوسيلة التي كشفت بحقّ عن جمال القوانين التي يخضع لها النظام الكوني بموازينه الدقيقة، وانسجامه الفائق. فهذا النظام المهيمن على مركّبات الكون المختلفة يفرض نفسه من خلال علاقات رياضية قائمة بين عناصرها. وإن التعبير عن هذا الإنسجام بواسطة المعادلات الرياضية قد شهد بنفسه على أن الكون وما فيه، لا بدّ أن يكون من صنع واحد أحد، ونبّه القلوب إلى أن خالقه هو المبدع والمبديء والمعيد، وأثبت عظمة الخالق الذي أتقن كل شيء صنعه.

 

ولا جَرَم أن الأرقام والأعداد في هذه المعادلات هي بمثابة الخيوط الموصلة التي تربط بين عناصر تصميم "الرسالات المرموزة"، التي بدأت تنكشف بفضل الله تعالى وبعونه. وإن ما سنلقي عليه الضوء هنا قد يمهّد مسلكًا جديدًا لمحاولة فكّ رموز هذه الرسالات الكونية من خلال العلم الإلهي الكامن في القرآن الكريم، والذي حتمًا سيفرض نفسه بنفسه على الإنسان. إذ ليس بصدفة أن يمنّ الله على البشرية بالكشف عن هذا الإعجاز المتجدّد في عصرنا الحديث. وما نصّ هذه الرسالة وفحواها إلا تعزيزًا وتثبيتًا للمبدأ الكوني القائل، أن لا إله إلا الله، هدف الخلق كله، وأنه هو وحده أحقّ بالألوهية والعبادة دون سواه.

وإنه لمن السهل على القاريء أن يتفهّم أن كل الأعمال المطروحة هنا، ما هي إلا الجزء الظاهر من جبل عائم من العلم. وأن هذا العلم لا حدود له، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 6. وإنه لتنقصنا الأقلام والأوراق، لو حاولنا أن نشهد ملمّين بكل ما آتانا الله من فضله. ولكن كلّما تقدّم علمنا وازدهرت معارفنا، فيزداد رقيّنا في إدراك الروابط بين العناصر الكونية والعناصر القرآنية. ولا يخفى على ذوي العلوم أن هذا الأمر قد بدأ يتحقّق بعونه تعالى، وذلك بعد أن أصبحت غاية العلماء اليوم هي الوصول إلى ما يسمّونه بـ"المعادلة الكونية"، التي يأملون عن طريقها تفسير "كل شيء" في الوجود 7 .

 

وعلى هذا، فقد قمت في هذه الرسالة بربط مجموعة من الملاحظات، لأبرهن للقاريء أن الحقائق المتحصّلة هنا، لا تترك مجالاً للشكّ في أن الموازاة بين الدلائل الكونية والدلائل القرآنية، قد شكّلت أعظم دليل وأصدق برهان على أن خالق هذا الكون، هو ذاته المتكلّم في القرآن الكريم. وأملي أن تكون الصفحات التاليات بداية لدراسات أعمق، أتوقّع أن تكشف من إعجاز هذا الكتاب العظيم في هذا الباب ما يقوم دليلاً بين أدلّة تترى، تضفي إلى القناعة المطلقة بأن هذا الكتاب من عند الله جلّ وعلا.

 

ولكن قبل أن نتوسّع في كلامنا عن الإعجاز العددي ونشأته وتطوّره وفوائده، علينا أن ننوّه ببعض الإشارات على الحكمة والدلالة التي نشاهدها في التناظر العجيب بين العناصر القرآنية والعناصر الكونية، وكيف أنها تفتح لِمَن تدبّرها نوافذ إيمانية، قد يصل من خلالها إلى نور معرفة الحقّ سبحانه وتعالى من مسامات الدلائل والبراهين، ومرايا الآيات والشواهد، التي فيها من الفذلكات والنقوش العجيبة، الدالّة على أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى.

 


(1) انظر الإعجاز البياني للقرآن للدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطيء)، ص33-34.

(2) تفسير الطبري: المقدمة 1/3.

(3) د. محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم، ص117-118.

(4) د. فاضل السامرّائي، لمسات بيانية في نصوص من التنزيل، ص8.

(5) بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 2/132.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام