المحاسبة والتقدير في القرآن الكريم

لقد احتلّت العلوم الرياضية والحسابية مركزًا عظيمًا في الحضارة الإسلامية، وأعارها المسلمون اهتمامًا بالغًا، فكان لعلم الحساب فضيلة كبرى منذ القدم. يقول الجاحظ بعد أن قدّم الدليل على فضيلة هذا العلم، وعظم قدر الإنتفاع به، من قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ 1 ، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ {1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ {2} خَلَقَ الْإِنسَانَ {3} عَلَّمَهُ الْبَيَانَ {4} الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾2 ، وقوله جلّ وعلا: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ 3، وقوله تبارك وتعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ﴾ 4  يقول: "الحساب يشتمل على معانٍ كثيرة ومنافع جليلة، ولولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا، لما فهموا عن الله عزّ وجلّ ذكره معنى الحساب في الآخرة" 5  

 

ولذلك، فليس من المصادفة أن يركّز الوحي الإلهي على المحاسبة والتقدير في العديد من آياته الكريمة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴾ 6 وقوله عزّ وجلّ: ﴿ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ ﴾ 7 وقوله تبارك وتعالى: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ 8 وقوله جلّ جلاله: ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾ 9 وقوله عزّ من قائل: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾  10. وقوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾11. وقوله أيضًا: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾   12

 

فآيات المحاسبة والتقدير، وما يكمن فيها من تهيئة دقيقة لهذا الوجود، وتأليف أجزائه، ونظمها على ما هي عليه، تشكّل أعظم العبر والأدلّة على وجود الخالق سبحانه وتعالى. ذلك أن التناسق البديع والإنتظام الكامل في صنعة كل شيء في الوجود، والتسوية والتقدير فيه والهداية لكل مخلوق، وكذا، منح كل شيء وجودًا بموازين دقيقة، وبمقاييس خاصّة، وإلباسه صورة معيّنة، ووضعه في موضع ملائم.. كل هذا وذا إنما يدلّ على أن الأمور تؤدَّى بحكمة مطلقة، وأن العالَم مخلوق بتقدير ونظام وملاءمة، وأن الخالق له واحد سبحانه، ألّفه ونظّمه بعضًا إلى بعض، ووضع لكل شيء فيه موازين دقيقة لا تحيد عنها ذرّة ولا مجرّة.

 

وكما أنه سبحانه وتعالى وضع كل شيء في الكون الذي نعيش فيه بميزان 13 ، فقد أخبرنا جلّ شأنه أنه أنزل كتابه الكريم أيضًا بـ"الحقّ والميزان" 14 . يقول الرافعي معقّبًا على كلمة «الميزان»: "هذه الكلمة وحدها في وصف القرآن معجزة. فقد أثبتت كل العلوم أن الميزان أصل الكون، وأن كل شيء بقدر ونسبة. وعَطْف الميزان على الحقّ في وصف القرآن مما يحيّر العقول، لأن أحدهما ممّا يلينا خاصّة، والآخر ممّا يلي الكون عامّة، حقّ لا يتغيّر ولا يتبدّل، وميزان لا يُغَيَّر ولا يُبَدَّل" `15 فمن الواضح إذن أن الله سبحانه وتعالى قدّر قوانين الكون بنسب دقيقة لا تتبدّل، كما أن كلماته عزّ وجلّ جاءت في القرآن العظيم بنسب دقيقة لا تتبدّل. ﴿ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾ 16 في الكون المخلوق، و﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ 17 في القرآن المقروء.

 

وكما أن كل صغيرة وكبيرة في الكون تدلّ على آيات التوازن والإستقرار، حيث هيّأ لها المولى تبارك وتعالى الثبات على نظم محكم دون أن يتسرّب إليها خلل ولا فساد، كما وصفها بقوله سبحانه: ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ 18 فكذلك هو الحال في كل سورة وآية وكلمة، بل وكل حرف في القرآن، حيث تدلّ جميعها على أن الله تعالى أنزله ﴿ قُرآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ 19 ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ 20

 

وإن في هذا التناظر بين الميزانين القرآني والكوني فوائد جمّة، أهمّها بنظرنا معرفة الأداة المشتركة التي تكشف عن جمال كل منهما. فأنت إذا أمعنت نظرك في هذا التناظر العجيب، تدرك بعين بصيرة كيف أن الكون يسجّل وصفًا دقيقًا لما تحمله كلماته تعالى في القرآن الكريم، وتعي أن الذي وضع الكون من أجلك، هو ذاته المتكلّم في القرآن سبحانه.

 

ومن ثمّ، فلقد بات من المعلوم اليوم أن الأداة التي كشفت عن جمال القوانين في التهيئة الدقيقة لهذا العالَم، هي أداة التعبير الرقمي. حيث اتّضح للمتدبّرين في أمر الكون وأسراره أن النظم المهيمن على مركّباته، يفرض نفسه من خلال علاقات رياضية قائمة بين عناصره.

 

والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام، هو: هل يمكن لهذه الأداة، أي أداة التعبير الرقمي، أن تكشف لنا من علمائنا عن جمال خفي في كتاب الله العزيز؟ وإن طرح مثل هذا السؤال ليس بالأمر الإعتباطي، من حيث أن الحافز الرئيسي الذي جعلنا نطرحه، يتعلّق بالدرجة الأولى بأسماء الله الحسنى: المحصي والمقدّر والحسيب. فمن المعلوم أن أسماءه تعالى وصفاته الكريمات، مثلما تتجلّى لنا في الكون، فهي كذلك تتجلّى في القرآن الكريم.

 

يقول الإمام النورسي عن تجلّي أسماء الله الحسنى في الكون: "يتجلّى عنوان من عناوين إسم من الأسماء الحسنى، في كل عالَم من عوالم الكون، وفي كل طائفة من طوائفه. ويكون ذلك الإسم حاكمًا مهيمنًا في تلك الدائرة، وبقيّة الأسماء تابعة له هناك، بل مندرجة فيه" 21 ، ويقول الإمام ابن قيّم الجوزية عن تجلّي أسماء الله الكريمة في القرآن: "القرآن كلام الله، وقد تجلّى الله فيه لعباده بصفاته" 22

 

ومن المعلوم أيضًا أن لكل كمال، ولكل علم، ولكل تقدّم، ولكل فنّ أيًا كان حقيقة سامية عالية. وأن تلك الحقيقة تستند دائمًا إلى إسم من أسماء الله الحسنى، وباستنادها إلى ذلك الإسم، الذي له حُجُب مختلفة، وتجلّيات متنوّعة، ودوائر ظهور متباينة، يجد ذلك الفنّ وذلك الكمال وتلك الصنعة، كل منها كماله، ويصبح حقيقة فعلاً.

 

فالهندسة مثلاً علم من العلوم، وحقيقتها وغاية منتهاها هي الوصول إلى إسم العادل والمقدِّر من الأسماء الحسنى، وبلوغ مشاهدة التجلّيات الحكيمة لذلك الإسم، بكل عظمتها وهيبتها في مرآة علم الهندسة. والطب هو علم ومهارة ومهنة في الوقت نفسه، ومنتهاه وحقيقته يستند أيضًا إلى إسم من أسماء الله الحسنى وهو الشافي. فيصل الطب إلى كماله ويصبح حقيقة فعلاً بمشاهدة التجلّيات الرحيمة لإسم الشافي في الأدوية المبثوثة على سطح الأرض الذي يمثل صيدلية عظمى.

 

وكذلك العلوم التي تبحث في حقيقة الموجودات، كالفيزياء والكيمياء، والتي هي حكمة الأشياء، يمكن أن تكون حكمة حقيقية بمشاهدة التجلّيات الكبرى لإسم الله الحكيم جلّ جلاله في الأشياء. وبرؤية هذه التجلّيات في منافع الأشياء ومصالحها، تصبح تلك الحكمة باستنادها إلى ذلك الإسم الحكيم حكمة حقًا 23

 

ثم قِِس من هذه الأمثلة على بقية العلوم والفنون، فكل إسم من أسماء الله الحسنى يتجلّى فيما يناسبه من العلوم والفنون. وبما أن معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم الخالدة هي القرآن، ولأن حقيقة تعليم الأسماء تتجلّى فيه بوضوح تامّ، وبتفصيل دقيق، فإنه يبيّن الأهداف الصائبة للعلوم الحقّة وللفنون الحقيقيّة، فيسوق البشر إليها ويوجّههم نحوها، مثيرًا فيهم رغبة شديدة فيها.

 

ومن هذا الفهم والمنطلق تساءلنا عن كيفيّة تجلّي أسماء الله تعالى الكريمة: المحصي والمقدّر والحسيب، في كتاب الله العزيز. فلا بدّ إذن من علاقة وطيدة بين نظم الكون الذي يتجلّى بالموازين الدقيقة، والتقدير المحكم، والمحاسبة الفائقة، في تهيئته العظيمة، وبين نظم القرآن المجيد.

 

ومن هنا كان الأصل في توجّهنا عند اختيارنا لمعالجة ما نسمّيه بالإعجاز العددي، إذ هو يهدف بالدرجة الأولى إلى تعريف القاريء على هذه الأسماء الجليلة، التي فيها رذاد فوّاح من ماء الحياة للهداية الإلهية، وبعض شرارات من بوارق إعجاز القرآن العظيم. ومع هذا وذاك، فلا تحسبنّ أن في بحثنا هذا تقديسًا للأعداد، كما جعله البعض محور بحثه. فنحن نبحث هنا عن الأعداد لا للأعداد، ولا عن ماهيّتها، بل نبحث عن التناسق والإنتظام، الذي تجلّيه هذه الأعداد في القرآن، وذلك بالطريقة التي يتّبعها القرآن الكريم في بحثه لموضوعاته المطروحة.

 

فالقرآن يبحث عن الشمس مثلاً لا للشمس، ولا عن ماهيّتها، بل لمَن نوّرها وجعلها سراجًا، وعن وظيفتها بصيرورتها محورًا لانتظام الصنعة ومركزًا لنظام الخلقة، وذلك ليعرّفنا بإراءة نظم النسج وانتظام المنسوجات، كمالات فاطرها الحكيم وصانعها العليم. فهو يفهّمنا بها، وينبّهنا إلى تصرّفات القدرة الإلهية العظيمة في اختلاف الليل والنهار، وتناوب الصيف والشتاء. وفي لفت النظر إليها تنبيه السامع إلى عظمة قدرة الصانع، وانفراده في ربوبيّته.

 

فما الإنتظام والنظم إلا مرايا معرفته سبحانه وتعالى. وكذلك هو الأمر بالنسبة للأعداد والأرقام والإحصائيات، التي سنقوم بعرضها في الأبحاث القادمة. إذ إن الغرض منها ليس إلا تنبيه القاريء الكريم إلى عظمة منزّل القرآن العظيم، وانفراده في حفظه لكتابه سبحانه وتعالى.


1 سورة الأنعام: 6/96.

2 سورة الرحمن: 55/1-5.

3 سورة يونس: 10/5.

4 سورة الإسراء: 17/12.

5 أبو عثمان الجاحظ، البيان والتبيين، ص57.

6 سورة الرعد: 13/8.

7 سورة الحِجر: 15/19.

8 سورة الحِجر: 15/21.

9 سورة المؤمنون: 23/18.

10 سورة الفرقان: 25/2.

11 سورة الزخرف: 43/11.

12 سورة القمر: 54/49.

13 من قوله تعالى: "والسماء رفعها ووضع الميزان". سورة الرحمن: 55/7.

14 من قوله تعالى: "الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان". سورة الشورى: 42/17.

15 مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص208.

16 سورة فاطر: 35/43.

17 سورة يونس: 10/64.

18 سورة القمر: 54/3.

19 سورة الزُّمَر: 39/28.

20 سورة فُصّلت: 41/42.

21 النورسي، الكلمات، ص376.

22 ابن قيّم الجوزية، نظم القلائد في ترتيب كتاب الفوائد، ص257.

23 انظر الكلمات للنورسي، ص749.

 

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام