الإعجاز العددي عند السابقين

يعالج الإعجاز العددي ما ثبت من الدراسات القرآنية الحديثة بأن مكوّنات القرآن الكريم، من سور وآيات وكلمات وحروف، ترد جميعها بأعداد مقدّرة ومحدودة ومقصودة، ولحكمة لا يعلمها ولا يحيط بكنهها إلا الله سبحانه وتعالى؛ فمكوّنات القرآن العظيم منتظمة ومرتبطة بعضها ببعض ليس في التعبير والبلاغة.. فحسب، وإنما بنظم عددي عجيب، إذا قمتَ بتغييره أو المسّ فيه، خرجتَ من القرآن إلى غير قرآن. وكما يبيّن الإسم، فإن هذا الوجه من أوجه الإعجاز يعتمد على الأعداد والأرقام.

والأعداد والأرقام من علوم الحساب القرآنية التي أشار الباحثون إلى وجودها منذ القرون الأولى للإسلام. إلا أن أمرها اقتصر في بحوثهم على عرض ملاحظات أولية، كعدد السور والآيات، أو الحروف والكلمات، وغير ذلك مما أمكنهم واسترعى أنظارهم. ولذلك بقيت الأعداد في القرآن الكريم تحت غطاء الحكمة الإلهية، منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا. حيث أُغفلت أكثر نتائج البحوث المتقدّمة في بداياتها، ولم يُقدّر لها أن تتقدّم وتتطوّر، كغيرها من الفروع العلمية. ومن الملاحظ أن تعطيل مثل هذه البحوث يرجع في الأساس إلى ثلاثة أسباب رئيسية:

أولها: تشكيك بعض أهل العلم في الفائدة منها، كالإمام السخاوي رحمه الله تعالى، حيث يقول: "لا أعلم لعدّ الكلمات والحروف من فائدة، لأن ذلك إن أفاد فإنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقصان. والقرآن لا يمكن فيه ذلك"(1). وسيأتي الكلام على ضعف هذه الدلالة، التي لا توجب تعطيل أي بحث كان، بحُكم عدم العلم فيه. فالمعارف الإنسانية في تطوّر مستمرّ، وما لم يعلمه جيل معيّن في عصر معيّن، ليس بالضرورة أن ينفي عدم المعرفة عند أجيال لاحقة. قال السيوطي: "إن العلوم وإن كثُر عددها، وانتشر في الخافقين مددها فغايتها بحر قعره لا يُدرك، ونهايتها طود شامخ لا يُستطاع إلى ذروته أن يُسلك، ولهذا يُفتح لعالِم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب"(2).

وثانيها: عدم فهم المقصود من هذا البُعد العددي، إذ ردّه بعض العلماء بدعوى أنه أمر يفوق طاقة البشر، وأن فيه فجوات ومهلكات مليئة بالخطر. فحذّروا من الخوض فيه، واكتفوا بردّه إلى الله تعالى، ورأوا ألا يبحثوا فيه ما لم يأتهم عنه علم، وما لم يحيطوا بأمره على بصيرة ويقين. يقول الدكتور فهد الرومي، بعد قراءته لبعض المقالات في الإعجاز العددي: "بقي أن أقول إن هذا الإعجاز _ أي العددي _ ما زال بحرًا مظلمًا فيه فجوات وفيه مهلكات، فالحذر الحذر من أن تقودنا العاطفة إلى المهالك.. ولنحذر أن نقع في هذه الأمور حتى تنبلج الحقيقة ويشرق ضوؤها وحينئذ فليتّجه إليها المؤمنون فهي ضالّتهم، ومن اتّبع الأوهام وقع في المهالك"(3). ونحن لا ننكر هذا القول الجميل، لعالِم يعلم ما يقول. على أنّا نرى أن هذه الحقيقة راحت تنبلج فعلاً، وأن هذا الإعجاز القرآني المتجدّد بدأ يتبيّن للناس على حقيقته، وأشرقت في الآفاق أنواره، ليظهره الله تعالى على الناس بمزيد من دلالاته وبراهينه، وليؤكّد قطعيًا ونهائيًا أن النظم العدديّ في القرآن الكريم علم قائم بذاته، وأنه سيكون من حُججه تعالى لكتابه في هذا العصر والعصور القادمة إن شاء الله جلّ جلاله!

وثالثها: أن جماعة من الذين يدّعون الإنتساب إلى هذه الأمّة، قد اشتطّ بهم الغلوّ، وطغى عليهم روح التحيّز والحيف، فجاؤوا بشبهات كثيرة، وتمحّلوا أمورًا لا تُرتضى ولا تصحّ في سبيل إثبات صحّة هذا الوجه من أوجه الإعجاز، كما سنبيّنها في موضعها إن شاء الله تعالى. فلا جَرَم أننا نحذّر أيضًا من هؤلاء، الذين لا يستقيم لعملهم عقل ولا وزن، وإنما يقومون بابتداع حسابات وأقاويل لا تقوم إلا على المزاجية والهوى. إذ المهمّ عندهم أن تكون نتيجة أيّة عملية حسابية يقومون بتطبيقها على النصوص القرآنية، أن تكون هذه العملية موافقة لما يذهبون إليه. حتى وصل الحدّ بأحدهم إلى حذف آيتين من آيات القرآن المجيد، لتستقيم حساباته وتتّفق مع مذهبه(4)، والعياذ بالله. على أن من يتأمّل في هذه الشّبهات بعين بصيرة، يرى أن كثيرًا منها لا أساس له، وأنها لا ترتكز على حجج مبينة، وأن لا علاقة لها بالإعجاز العددي إطلاقًا، وأن بعضها ينمّ عن الجهل إن افترضنا حسن النيّة، ولا نظنّهم من الجُهّال.. أو هو يكشف عن روح حقد تتعمّد الإضلال، بإيراد شبهات يعلمون أنها باطلة، وأنها قد تجد رواجًا عند ذوي النفوس الضعيفة والعلوم القاصرة.

فلا يفوتنا أن كثيرًا من المغرضين اليوم يستغلّون حالة الجهل التي تعيشها الأمّة، فيقومون بحياكة شبهات، لا يجدها من اطّلع عليها إلا واهية، كبيت العنكبوت لا تصمد بإذن الله أمام الحقّ المبين. وكل ما علينا أن نتسلّح باليقين الذي يعصمنا من الشكّ والرّيب، وبالعلم الذي ينفعنا بإذن الله في ردّ ادعاءات المغرضين.

فالباحث عن الحقيقة في كتاب الله تعالى، لا تعنيه أبدًا إساءة استعمال هذه الحقيقة مِن قِبَلِ غيره، وتأويلها وفق أهواء التائهين، ولا يمنعه ضلال بعض المغرضين في تأويل حقيقة ما، من النظر إلى هذه الحقيقة بعين اليقين، ولا يدفعه ذلك إلى إنكارها والإعراض عنها، كما تهواها نفوس الملحدين والمستشرقين. ولا يمكن أن تحملنا إساءة بعضهم للإعجاز العددي، على معاداة هذا الوجه من أوجه الإعجاز بعينه، ولا أن تدفعنا أهواء بعضهم للإعراض عن تدبّر ما جاء في القرآن من حقائق بتعبيره.

بل على العكس من ذلك، فمن الواجب شرعًا على كل من آتاه الله تعالى دينًا وعقلاً أن يتصدّى لمثل هذه الإساءات، وأن يثبت بطلان ما أُلحق بهذه الحقائق من فساد التأويلات. ليشرق ضوؤها، فتُقام بها الحُجّة على المغرضين، ويُنتصر بها للمؤمنين، وعلّ الله تعالى يهدي بها مَن يبحث عن الحقيقة مِن التائهين والضالّين والكافرين. فالإعجاز العددي بات اليوم حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وسنقوم إن شاء الله في الأبواب القادمة ببرهنتها. ولكن لكي تتلمّس الطريقة في إدراكها، عمدنا في هذا الباب أن نتدرّج في استقصاء ما طالعناه من بعض المراجع والبحوث التي بحوزتنا، لتستدلّ به على غرضنا، وتصل به إلى مقصدنا، فتكتسب منه أسمى درجات الفوائد والمنافع البيّنة. وبما أنه لا وجود لعلم دون سوابق ومقدّمات تمهّد لنشأته وتأصيله، فقد رأينا أن نأخذ بيدك إلى نقطة البداية، وأن نبيّن كل أصل من أصول هذا الإعجاز ببيان وتوضيح حتى النهاية. سائلين الله تبارك وتعالى العون والتثبيت والدراية.

على الرغم من مواقف بعض العلماء تجاه الدلالة الكامنة في الحساب والأعداد، إلا أن الأوّلين لم يغلقوا أبواب التحرّي والبحث في هذا العلم، بل على العكس من ذلك، فإننا نجد أن المسائل الحسابية كانت نورًا يضيء على أحكام علمائنا منذ البداية. بيد أننا نميّز هنا بين نوعين من هذه المسائل: الأول، يأخذ من علم الحساب ركيزة له، والثاني، يعتمد على علم الإحصاء بغية الدلالة على شيء ما. أما النوع الأول من الحساب، فنجد أن منه ما ارتكز على نصّ قرآني صريح لتقرير حكم معيّن، وأن منه ما استدلّ به العلماء عن طريق عدّ بعض الكلمات والحروف لتحليل ظاهرة معيّنة، وأن منه ما استنبطوه من مواقع بعض السور القرآنية للدلالة على حدث معيّن. وأما اعتمادهم على الإحصاء، فمنه ما اقتصر على عرض ملاحظات أولية، ومنه ما أفاد للدلالة على مدى تأثير تكرار بعض الكلمات في نصّ قرآني معيّن.  

فالحساب الذي ارتكز على نصّ قرآني صريح، نجد له مثلاً فيما رُوِيَ عن رجل تقدّم إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمطلب إقامة حدّ الزنا على زوجه، حيث تزوّجها بكرًا من ستة شهور، فإذا بها تلد طفلاً كاملاً. وظاهرة ولادة الطفل الكامل قبل تسعة شهور لم تكن موجودة بين العرب. فطلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الرجل أن يتريّث لحين استفتاء مستشاريه في هذا الأمر الجديد، خاصّة وأن حدّ الزنا من حدود الله، ولكن شرط الشهود غير متوفّر في هذه القضية، وأما أن الطفل يُولد قبل موعده بثلاثة شهور فلا نصّ في ذلك. وما كان من عمر رضي الله عنه إلا أن يلقي بالمشكلة إلى باب العلم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فجاءت الفتوى من علي بأن هذه السيدة التي ولدت طفلاً كاملاً في ستة شهور بريئة تمامًا، وذلك بنصّ آيتين كريمتين من القرآن العظيم، جاء في الأولى قول الحقّ تبارك وتعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً (5)، وفي الثانية قوله جلّ وعلا: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (6).

فإذا كانت مدّة الرضاعة حولين كاملين (أي أربعة وعشرين شهرًا)، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهرًا، فالحمل فيها ستة أشهر. وبهذا الحساب القرآني قرّر القرآن أن الطفل يمكن أن يُولد بفترة حمل ستة شهور، وهكذا كانت الفتوى ببراءة السيدة من شبهة حدّ الزنا بنور الحسابات القرآنية(7). وفي هذا رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول: إذا وضعت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لستّة أشهر كفاها من الرضاع أربعة وعشرون شهرًا، كما قال تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً ﴾. انتهى(8).

وأما ما استدلّوا به عن طريق عدّ الحروف والكلمات، فقد لفت انتباهنا ما قام به بعض العلماء في محاولة لتعيين ليلة القدر عن طريق عدّ حروف وكلمات سورة القدر نفسها. فمن المعلوم أن العلماء اختلفوا منذ القديم في تعيين هذه الليلة المباركة، ولكن الذي عليه أكثرهم أنها ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان المبارك(9). وقد ذكر أبو بكر الوراق إشارات لطيفة من السورة، لتعيين هذه الليلة المباركة في قوله: "إن الله قسّم ليالي شهر رمضان على كلمات هذه السورة. فسورة القدر تتكوّن من (30) كلمة بعدد ليالي الشهر. وكلمة (هي) الدالّة على ليلة القدر في الآية الأخيرة، هي الكلمة الـ(27)"(10). ثم قام بتقديم دليل آخر على ما ذهب إليه عن طريق إحصاء حروف السورة، يقول: "بالإضافة إلى ذلك فإن عبارة (ليلة القدر) تكوّنت من (9) حروف، وقد تكرّرت (3) مرات في السورة، مما يجعل حاصل ضربهما مساويًا أيضًا لـ(27)(11).

وأما ما استنبطوه من مواقع بعض السور للدلالة على أحداث معيّنة، فذكر السيوطي رحمه الله أنه "ما من شيء إلا ويمكن استخراجه من القرآن لمن فهّمه الله، حتى أن بعضهم استنبط عمر النبي صلى الله عليه وسلم، ثلاثًا وستين سنة، من قوله تعالى في سورة المنافقون: ﴿ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا ﴾(12). فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقّبها بسورة التغابن ليظهر التغابن(13) في فقده صلى الله عليه وسلم"(14).

وأما اعتمادهم على الإحصاء الذي اقتصر على عرض ملاحظات أولية، فمنه ما خصّ عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه، أو ما قام به بعض العلماء في استقصائه لإحصاء أكثر الحروف وأقلّها دورانًا في القرآن الكريم. ولقد عجبنا من وجود مثل هذه الإعتبارات في وقت مبكّر في كتب الأدب بشكل عام. يقول الجاحظ في (البيان والتبيين): "وأنشدني ديسمٌ قال: أنشدني أبو محمد اليزيدي:

وخلّة اللفظ في اليـاءات إن فُقدتْ              كخـلّة اللـفظ الـلاماتِ والألـفِ

وخصلة الراء فيـها غير خـافيةٍ              فاعرف مواقعها في القولِ والصحفِ

يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادًا من غيرها، والحاجة إليها أشدّ. واعتبر ذلك بأن تأخذ عدّة رسائل، وعدّة خطب من جملة خطب الناس ورسائلهم، فإنك متى حصَّلت جميع حروفها، وعددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشدّ"(15).

وقد نقل الدكتور علي العماري إحصاءات كهذه في القرآن عن كتاب (بصائر ذوي التمييز) للفيروز آبادي، والذي جاء فيه أن أكثر الحروف دورانًا في آيات القرآن، هي: الألفات وعددها (48800)، واللامات وعددها (36522)، والنونات وعددها (26525)، والميمات وعددها (26135)، والياءات وعددها (25909). في حين أن أقل الحروف دورانًا في آيات القرآن الكريم: الثاءات وعددها (1276)، والصادات وعددها (1081)، والظاءات وعددها (842)(16). كما قام الأستاذ محمد الحسناوي بإحصاءات مشابهة لحروف فواصل الآيات، وهي حروف الكلمة الأخيرة في الآية. يقول: "اتّسع مجال تغيّر حرف الرويّ(17) في الفواصل، حتى تناول حروف الأبجدية العربية أو معظمها، على تفاوت بينها في النسبة. فحرف النون فاصلة القرآن الأثيرة، فقد بلغ ما جاء عليها ساكنة بعد واو أو ياء (3050) فاصلة، منها (1758) على الواو والنون، و(1291) على الياء والنون، بينما لم ترد حروف كالغين إلا مرة واحدة، والحرف الذي لم يرد في الفواصل هو الخاء"(18).. وما إلى ذلك من إحصاءات.

وأما اعتمادهم على الإحصاء الذي استنبطوا منه فوائد للدلالة على مدى تأثير التكرار على النصّ القرآني، فنجد أنه ارتكز في غالبيّته على إحصاء حروف وكلمات في السور المقطّعة، وهي تلك السور التي ابتدئت بالحروف النورانية (مثل: ألـم، ألـر، حـم، طـس..). وقد تنبّه السلف إلى أن مجموع هذه الحروف، بغير المكرّر منها، أربعة عشر حرفًا، هي نصف الحروف العربية(19). كما أطال بعضهم النظر فيها، فلفتهم منها أنها نصف الحروف الهجائية على أي وجه من الوجوه التي اصطلح عليها علماء اللغة بعد نزول القرآن. ففيها خمسة مهموسة، وعدد المهموس من الحروف العربية عشرة(20). وفيها كذلك نصف الحروف المجهورة، بغير زيادة ولا نقصان. وفيها ثلاثة من حروف الحلق، هي نصف الحروف الحلقية(21)، كما أن فيها نصف الحروف غير الحلقية. وفيها نصف الحروف الشديدة(22)، ونصف الحروف الرخوة. وفيها حرفان من الأحرف الأربعة المطبقة(23)، ونصف الحروف الأخرى المنفتحة غير المطبقة. وفيها نصف الحروف المستعلية(24)، ونصف الحروف المنخفضة(25).

وذهب قوم، منهم أبو بكر الباقلاني، إلى "أن مجيء هذه الحروف على حدّ التنصيف مما تواضع عليه العلماء بعد العهد الطويل، هو من دلائل الإعجاز، من حيث لا يجوز أن يقع هكذا إلا من الله عزّ وجلّ، لأن ذلك يجري مجرى علم الغيوب"(26). ثم تنبّهت طائفة إلى أن السور التي ابتدئت بهذه الحروف قد بُنيت عليها، أي أن كل سورة حوت من الكلمات ما يكثر فيها الحروف التي ابتدئت فيها. جاء في (مِلاك التأويل): "إن هذه السور إنما وقع في أول كل سورة منها ما كثر ترداده فيما تركّب من كلمها. ويوضّح لك ما ذكرت أنك إذا نظّرت سورة منها بما يماثلها في عدد كلمها وحروفها وجدت الحرف المفتَتح بها تلك السورة إفرادًا وتركيبًا أكثر عددًا في كلمها منها في نظيرتها ومماثلتها في عدد كلمها وحروفها"(27).

ولم يكتف صاحب (مِلاك التأويل) بإدلاء هذه الملاحظة مجرّدة، وإنما ساق الدليل باستناده إلى علم الإحصاء. يقول في سبب بدء سورة لقمان بـ«ألـم» وسورة يونس بـ«ألـر»: "إن سورة لقمان تضمّنت من التنبيه والتحريك والإعتبار إفصاحًا وإيماءً للمؤمن والكافر ما لم تتضمّن سورة يونس على طولها.. ومن التنبيه للمؤمنين ولغيرهم قوله مخاطبة لنبيّه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً  (28)، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ.. الآية(29)، وقوله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ.. الآية(30). فورد هذا التنبيه بهمزة التقرير ولَمْ الجازمة، وهي الأداة المتكرّرة في آي التنبيه، فتكرّرت في هذه السورة في ثلاث آيات، ولم تقع متكرّرة في شيء مما أتى بعدها من السور إلى آخر القرآن، ولا في سورة مما قبلها مما يماثلها في عدد كلمها.. فتناسب ذلك مع ما في هذه السورة من التنبيه في مطلعها بوقوع الميم مكان الراء الواردة في مطلع سورة يونس"(31).  

أما بالنسبة لبدء سورة يونس بـ«ألـر»، فيقول صاحب (مِلاك التأويل): "إن هذه السورة مبنيّة على التعريف بربوبيّته تعالى وقصره.. ثم تكرّر فيها اسمه الرب سبحانه في بضعة عشر موضعًا.. ثم إنه تكرّر في سورة يونس من الكلم الواقع فيها الراء مائتا كلمة وعشرون كلمة أو نحوها. وأقرب السور إليها مما يليها بعدها من غير المفتتحة بالحروف المقطعة سورة النحل وهي أطول منها. والوارد فيها مما تركّب على الراء من كلمها مائتا كلمة مع زيادتها في الطول عليها.. فلمجموع ما ذكرنا وردت في الحروف المقطعة الراء مكان الميم الواردة في لقمان، وجاء كل على ما يجب ويناسب، والله أعلم"(32)

وقال في موضع آخر عن افتتاح السور بالحروف المقطّعة واختصاص كل واحدة بما بُدئت به، حتى لم يكن لترد «ألـم» في موضع «ألـر» ولا «حـم» في موضع «طـس»: "وذلك أن كل سورة بُدئت بحرف منها، فإن أكثر كلماتها وحروفها مماثل له، فحقّ لكل سورة منها ألا يناسبها غير الواردة فيها، فلو وضع «ق» موضع «ن» لعُدم التناسب الواجب مراعاته في كلام الله، وسورة (ق) بُدئت به، لِمَا تكرّر فيها من الكلمات بلفظ القاف، من ذكر القرآن والخلق وتكرير القول ومراجعته مرارًا، والقرب من ابن آدم وتلقّي الملكين، وقول العتيد، والرقيب، والسائق والإلقاء في جهنّم، والتقدّم بالوعد، وذكر المتّقين، والقلب والقرون، والتنقيب في البلاد، وتشقّق الأرض، وحقوق الوعيد وغير ذلك..". وأما بالنسبة لسورة (ص) فقد "اشتملت على خصومات متعدّدة، أولها خصومة النبي صلى الله عليه وسلم مع الكفار، ثم اختصام الخصمين عند داود، ثم تخاصم أهل النار، ثم اختصام الملأ الأعلى، ثم تخاصم إبليس في شأن آدم، ثم في شأن بنيه وإغوائهم.. وسورة الأعراف زيد فيها الصاد على «ألـم»، لما فيها من شرح القصص، قصّة آدم فمن بعده من الأنبياء، ولِمَا فيها من ذكر "فلا يكن في صدرك حرج"، ولهذا قال بعضهم: معنى «ألـمص» "ألم نشرح لك صدرك". وزيد في الرعد «راء» لأجل قوله: "رفع السموات"، ولأجل ذكر الرعد والبرق وغيرهما.."(33).

وبعد، فإن الوقوف عند هذه التحليلات للأساليب الإحصائية التي اتّخذ منها القدامى مرتكزًا للدلالة على ظواهر مختلفة في النصّ القرآني الكريم، يكشف بوضوح أن مسألة العدّ والإحصاء في القرآن الكريم ليست بدعًا من العلوم، وإنما أظهرت منذ البداية أن ثمّة وجودًا لنسق عددي محسوب في هذا الكتاب العظيم. فهي إذن ظاهرة بارزة في هيكل القرآن وتمثّل جهة من جهات بنائه، الأمر الذي يشكّل منها بُعدًا مدخليًّا في عمليّة فهمه، وخاصّة فيما يتعلّق بنظم حروفه وكلماته وتركيب جمله وعباراته وآياته.

ولكن على الرغم من كل هذه البحوث المتناثرة في مصادر متعدّدة ومتنوّعة، فهي لم تصل بطبيعة الحال إلى ما يمكن أن يُطلق عليه نظرية عددية أو إعجاز عددي، كما يتناوله البحث الحديث. إلا أنه ينبغي التأكيد على أن هذه البحوث تُعدّ من صميم الإعجاز العددي، ولا يمكن إغفالها حين التأريخ له، أو التعرّض إلى مراحل تطوّره.


(1) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 1/190.

(2) جلال الدين السيوطي، التحبير في علم التفسير، ص28.

(3) د. فهد بن عبد الرحمن الرومي، اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، 2/701.

(4) رشاد خليفة، الإعجاز الرقمي في القرآن، تحت عنوان "التلاعب بكلمة الله"، الملحق 24. وسيأتي الكلام عن هذا المُغرِض حين نتعرّض للعدد (19) في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

(5) سورة الأحقاف: 46/15.

(6) سورة لقمان: 31/14.

(7) محمد بن أبي بكر الزرعي، تحفة المودود بأحكام المولود، ص265 (بتصرّف).

(8) المصدر السابق، ص266.

(9) نظر لطائف المعارف لأبي الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي، ص338-339.

(10) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 20/136.

(11) المصدر السابق. ومن اللطيف أيضًا أن كلمة (القدر) جاءت في السورة في المواقع (5، 10، 12) على التوالي، ومجموع ترتيب هذه المواقع يساوي كما هو واضح أيضًا (27).

(12) سورة المنافقون: 63/11.

(13) التغابن: يوم تبدو الأشياء لهم بخلاف مقاديرهم في الدنيا، انظر مفردات ألفاظ القرآن للأصفهاني.

(14) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 4/332.

(15) أبو عثمان الجاحظ، البيان والتبيين، ص27.

(16) د. علي محمد حسن العماري، من أسرار القرآن، ص109.

(17) الرويّ: هو الحرف الأخير من الفاصلة. انظر صبح الأعشى: 2/280.

(18) محمد الحسناوي، الفاصلة في القرآن، ص210.

(19) الحروف المقطعة الأربعة عشر هي: الألف، اللام، الميم، الراء، الصاد، الكاف، الهاء، الياء، العين، الطاء، السين، الحاء، القاف، النون.

(20) لحروف المهموسة: الحاء والهاء والخاء والكاف والشين والثاء والفاء والتاء والصاد والسين.

(21) الحروف الحلقية: العين والحاء والهمزة والهاء والخاء والغين.

(22) الحروف الشديدة: الهمزة والقاف والكاف والجيم والظاء والذال والطاء والباء.

(23) الحروف المطبقة: الطاء والظاء والصاد والضاد.

(24) الحروف المستعلية: هي سبعة، منها الحروف المطبقة، والغين والخاء والقاف.

(25) وهي جميع الحروف، ما عدا المستعلية.

(26) أبو بكر الباقلاني، إعجاز القرآن، ص44.

(27) ابن الزبير الغرناطي، مِلاك التأويل، 1/176.

(28) سورة لقمان: 31/20.

(29) سورة لقمان: 31/29.

(30) سورة لقمان: 31/31.

(31) مِلاك التأويل، 1/609-611.

(32) المصدر السابق، 1/611-612.

(33) الغرناطي، البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن، انظر: الإتقان للسيوطي، 3/299-300.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام