الإعجاز العددي وتبلوره في العصر الحديث

لقد بيّنت البحوث التي تعرّض لها القدامى من العلماء أن الحروف والكلمات القرآنية لم تُوضع عبثًا، أو من غير حساب في هذا الكتاب العظيم، إنما هي موضوعة في انتظام عجيب واتّساق موزون، لا تجاوز فيه أو تفاوت. ومن ثمّ، فإن هذه البحوث قد أنارت الطريق أمام الباحثين الّلاحقين، وأخذت بأياديهم للكشف عن المزيد من أسرار القرآن الكريم.

فلا ريب إذن أنها كانت الممهّد الرئيس لنشأة ما نسمّيه اليوم بالإعجاز العددي، وأن توظيف أداة الترقيم والإحصاء على النصّ القرآني قد فتح للعلماء أبوابًا جديدة، وغير معهودة للتدبّر في هذا الكتاب المجيد. ولعلّ التسارع المذهل الذي شهدناه في توظيف هذه الأداة في العقود الأخيرة، يرجع في الأساس إلى سببين: الأول، تطوّر الدراسات الأدبية والجمالية والعلمية والتجريبية للنصّ القرآني الكريم. والثاني: تطوير المعاجم والفهارس القرآنية الحديثة.

ففي حين أن الدراسات القرآنية الموروثة اقتصرت على التفسير الترتيبي أو التجزيئي، أي دراسة الآيات القرآنية الكريمة بمعزل عن الهيكل العام للسورة، فقد برزت في العقود الأخيرة مناهج جديدة درست السور القرآنية من حيث الروابط السببيّة التي تربط بين عناصرها. أي أنها بحثت السورة القرآنية من حيث بناؤها الموضوعي واللغوي والبياني، ومن حيث صلة جزئيّاتها بعضها مع الآخر، ومن حيث صلة آياتها جميعًا بعضها مع الآخر، ومن حيث صلة موضوعاتها بعضها مع الآخر.. ومن حيث صلة أولئك جميعًا بالعناصر الأخرى، كالصورة والإيقاع، والحوار(1)..

فهذه الدراسات الحديثة أضفت إلى الروابط المعنويّة بين السور والآيات أبعادًا فنّية جديدة، وبيّنت أن خيوط النسج القرآني ليست مقتصرة على نظم لغوي وبلاغي فحسب، وإنما هي مشبوكة بموازين داخلية وخارجية، يتماسك من خلالها النصّ القرآني بصورة مطلقة.

وأما ما يخصّ تطوير المعاجم والفهارس القرآنية، فنجد أن هذه "النهضة" قد بدأت في أواخر الأربعينات من القرن الماضي، عندما قامت دار الكتب المصرية بنشر معجم للأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي تحت عنوان «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم»، جمع فيه المؤلّف ألفاظ القرآن الكريم، بعد أن رتّب موادّها حسب حروف المعجم، مع الأخذ في الإعتبار ردّها إلى أصولها اللغوية، فوضع الكلمات القرآنية وأمامها الآية أو الآيات التي وردت فيها.

ثم وضع مؤلّفون آخرون معاجم وفهارس قرآنية جديدة، جمعوا فيها الألفاظ القرآنية، وذلك حسب جذور الكلمات، أو التبويب الموضوعي، أو التراكيب المتشابهة لفظًا، أو بإيراد العبارات القرآنية ومواقع تكرارها في القرآن.. ممّا أتاح للعلماء التدبّر والغوص في معاني القرآن وألفاظه، والكشف عن المزيد من أسرار هذا الكتاب العظيم.

فما من شكّ أن هذه الوسائل قد أعانت العلماء على الوصول إلى غاياتهم، وسهّلت عليهم المعرفة الدقيقة لمواقع التراكيب والألفاظ والموضوعات في كل القرآن الكريم، والتي منها استمدّ الإعجاز العددي وجوده في شكله المتجدّد.

ولذلك نجد أنه في حين امتازت المسائل العددية التي بحثها السابقون بنوعين من الحسابات القرآنية، كما رأينا، إلا أن الدراسات الّلاحقة تبلورت فيها أشكال أخذت طابعًا أكثر أصالة، وتميّزت ببحوث أكثر دقّة، لم يكن من الممكن تحصيلها من قبل بهذه الخلفيّة.

ثم راحت هذه الدراسات تتزيّن بلباس العلم، وأثبتت أنها تملك عناصر البرهنة على كثير من العلوم القرآنية. فجاء الإعجاز العددي بدراساته ليشيّد جسرًا عريضًا بين جزيرتين في بحر عميق من بحور القرآن الكريم.

أما الجزيرتان فتمثّلان ظاهرة التكرار من جهة، وعلم المناسبة من الجهة الثانية، وأما البحر العميق فيتمثّل في نظرية النّظم. ولتوضيح هذه النظرة وبيانها، ومن ثم الكشف عن علاقة كل واحدة منها بالإعجاز العددي، سنجعل لكل ظاهرة منها فصلاً قائمًا بذاته، لنكشف الستار عن ضروب من التوافق والإنسجام، الذي يضفيه الإعجاز العددي على البناء القرآني في تلاحم تراكيبه المحكمة.


(1) لقد بدأت البلورة العلمية لهذا المنهج في أطروحة للدكتوراة قدّمها الدكتور محمود محمد حجازي تحت عنوان "الوحدة الموضوعية في القرآن" في الأزهر سنة (1967). ومنذ ذلك الحين أخذت الدراسات تتكاثر تباعًا، حتى بلغت ذروتها في دراسة قدّمها الدكتور محمود البستاني سنة (1999) تحت عنوان "عمارة السورة القرآنية"، والتي بحث فيها عن القوانين التي تحدّد الأساس الموضوعي الذي يقوم عليه بناء السورة القرآنية من خلال القرآن الكريم كله.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام