ظاهرة التكرار في القرآن الكريم

التكرار فنّ قولي من الأساليب المعروفة عند العرب، بل هو من محاسن الفصاحة(1). يقول الجاحظ مبيّنًا الفائدة منه: "إن الناس لو استغنوا عن التكرير _ التكرار _ وكفوا مئونة البحث والتنقير لقلّ اعتبارهم. ومن قلّ اعتباره قلّ علمه، ومن قلّ علمه قلّ فضله، ومن قلّ فضله كثُر نقصه، ومن قلّ علمه وفضله وكثُر نقصه لم يُحمد على خير أتاه، ولم يُذمّ على شرّ جناه، ولم يجد طعم العزّ، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا برد اليقين ولا راحة الأمن.."(2). فهذا لو استغنى البشر في الكلام عن التكرار، فما بالك إذن بكلام ربّ البشر سبحانه؟

ولذلك نجد أن التكرار ورد في القرآن كثيرًا. ومع أن الأسلوب في الكلام العادي قد لا يسلم معه من القلق والإضطراب، إلا أنه جاء في كلام الله مُحْكَمًا. ولكون هذه الظاهرة بارزة في القرآن، فقد تعرّض لها المفسّرون والبلاغيون، وبيّنوا جزءًا من أبعادها ودلالاتها على اختلاف مواقعها، كما وحاولوا التعرّف على محاورها وأنماطها التي تمثّلت في تكرار حروف وكلمات، وتكرار بدايات وفواصل، وتكرار جمل وآيات، وتكرار قصص وأنباء..(3).

إلا أنهم اختلفوا في دلالة توظيفها، فانقسموا إلى فريقين. ففي حين رأى فريق في التكرار ظاهرة ملحّة، يرتكز عليها القرآن الكريم في بنيته، لا سيّما أن من وظائفه البلاغة والتأكيد على المعنى المقصود من الألفاظ المكرّرة(4)، نفى الفريق الآخر التكرار من القرآن تمامًا، بادّعاء عدم الفائدة من تكرار اللفظ نفسه في السياق نفسه للمعنى نفسه. فحتى لو كانت الألفاظ مكرّرة، فإنها تدلّ بنظرهم على معانٍ مختلفة(5).

ومع أن الغرض من هذا البحث، ليس تقصّى نقاط الخلاف بين الفريقين، ولا الإحاطة بظاهرة التكرار من جميع جوانبها _ فنحن لسنا هنا في موضع يُراد فيه إثبات مشروعية التكرار، وإنما في موضع يبحث عن مزايا التعبير القرآني، ومنها التكرار، ومن ثم توضيح علاقة هذه الظاهرة بالإعجاز العددي _ إلا أن معرفة الوظائف التي يؤدّيها التكرار في القرآن، قد يفيد القاريء في إدراك الطريق الذي سنسلكه قريبًا، حين نقوم بتوظيف فائدة جديدة له؛ ولبيان هذا المسلك لا بدّ أن نتحدّث عن ماهيّة هذه الظاهرة. فما هو التكرار؟ وكيف يتجلّى في القرآن الكريم؟

التكرار في اللّغة أصله من الكرّ بمعنى الرجوع، ويأتي بمعنى الإعادة والعطف. فـ"كرّر" الشيء وكركره أي: أعاده مرة بعد أخرى(6). وقد يأتي له تصريف آخر هو التكرير، يقول الجوهري: الكرّ: الرجوع، يقال: كرّرت الشيء تكريرًا وتكرارًا(7). وأما في الإصطلاح، فالمقصود به: تكرار كلمة أو لفظ أكثر من مرة في سياق واحد لنكتة ما، وذلك إما للتوكيد، أو لزيادة التنبيه أو للتهويل، أو للتعظيم(8). وقد قسّمه العلماء إلى نوعين: أحدهما الذي نجده في اللفظ والمعنى، كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع. والآخر الذي نجده في المعنى دون اللفظ، كقولك: أطعني ولا تعصني، فإن الأمر بالطاعة هو النهي عن المعصية(9). ثم حدّدوا مفهومه في أبسط مستوى من مستوياته بـ"أن يأتي المتكلّم بلفظ ثم يعيده بعينه، سواء أكان اللفظ متّفق المعنى أو مختلفًا، أو يأتي بمعنى ثم يعيده. وهذا من شرط اتّفاق المعنى الأول والثاني، فإن كان متّحد الألفاظ والمعاني فالفائدة في إثباته تأكيد ذلك الأمر وتقريره في النفس، وكذلك إذا كان المعنى متّحدًا. وإن كان اللفظان متّفقين والمعنى مختلفًا، فالفائدة في الإتيان به الدلالة على المعنيين المختلفين"(10).

ولكي لا نطيل عليك، فتملّ، نختصر في بيان ذلك، فنقول: إن المقصود من التكرار في المعنى دون اللفظ، هو عادة ما يرد كثيرًا في القَصَص، كما هو الحال في قَصَص الأنبياء، كقصة آدم، وقصة نوح، وقصة لوط عليهم السلام، أو العذاب والنعيم في الآخرة، أو إحياء الموتى يوم القيامة، وبعض الظواهر الكونية كخلق السموات والأرض.. فمع أن هذه القَصَص والظواهر المذكورة تتكرّر في السور القرآنية، إلا أنها تجيء في كل مرّة بصيغة مختلفة، وبمفردات مختلفة، ومن ثمّ فهي تَعرِض لأهداف مختلفة. فالألفاظ المستعملة في سياق هذه القَصَص تختلف من موضع لآخر، أما المعاني والعبر فتتكرّر من حين لآخر.

وفي هذا النوع من التكرار فوائد جمّة، يقول ابن قتيبة مبيّنًا إحداها: "إن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن نجومًا في ثلاث وعشرين سنة.. وكانت وفود العرب ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام، فيقرئهم المسلمون شيئًا من القرآن، فيكون ذلك كافيًا لهم. وكان يبعث إلى القبائل المتفرّقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثنّاة ومكرّرة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم، وقصة لوط إلى قوم. فأراد الله بلطفه ورحمته، أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الإفهام والتحذير"(11).

ومن جهة أخرى فإنه لا يمكن لكل أحد في كل وقت قراءة تمام القرآن الذي هو دواء وشفاء لكل أحد في كل وقت، "فلهذا أدرج الحكيم الرحيم أكثر المقاصد القرآنية في أكثر سوره، لا سيما الطويلة منها، حتى صارت كل سورة قرآنًا صغيرًا، فسهّل السبيل لكل أحد، دون أن يحرم أحدًا، فكرّر التوحيد والحشر وقصة موسى عليه السلام.."(12). فتكرار المعاني دون الألفاظ يجيء في القرآن إذن للدلالة على تكرّر الإحتياج، وللإشارة إلى شدّة الإحتياج إليها، ولتنبيه عرق الإحتياج وإيقاظه، وللتشويق على الإحتياج، ولتحريك اشتهاء الإحتياج إلى تلك الأغذية المعنوية.

أما التكرار الذي نجده في اللفظ والمعنى، فهو ما تكرّر فيه لفظ بعينه دون اختلاف في عدّة مواضع من القرآن الكريم، أي أن الكلمة أو العبارة أو الآية تأتي بنفس الصيغة والمفردات. وهذا التكرار ينقسم إلى نوعين، فهو إما موصول وإما مفصول. فالموصول تتكرّر فيه إما كلمات، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ﴾(13)، وقوله تعالى: ﴿ وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا {15} قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً ﴾(14). وإما مقاطع، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكّاً دَكّاً {21} وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ﴾(15). وإما آيات، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ {19} ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾(16)، وقوله عزّ وجلّ: ﴿ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى {34} ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴾(17)، وقوله تعالى: ﴿ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ {4} ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ﴾(18)، وقوله سبحانه: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ {17} ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ﴾(19)، وقوله عزّ من قائل: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً {5} إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾(20)، وقوله سبحانه: ﴿ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ {3} ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾(21).

وأما التكرار المفصول، فهو ما وقع فيه الفصل بين المكرّرين(22). وهو يقع إما في سورة بعينها، كما جاء في قوله تعالى في سورة الشعراء: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾(23)، والذي تكرّر فيها (8) مرات. أو قوله تعالى في سورة النمل: ﴿ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ ﴾(24)، والذي تكرّر فيها (5) مرات. أو قوله تعالى في سورة القمر: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾(25)، والذي تكرّر (4) مرات في السورة. أو قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿ فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ﴾(26)، والذي تكرّر فيها (31) مرة. أو قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴾(27)، والذي تكرّر فيها (10) مرات.

وإما أنه يقع في مواضع مختلفة من القرآن، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾، والذي تكرّر مرتين في القرآن الكريم، الأولى في سورة التوبة(28)، والثانية في سورة التحريم(29). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾، والذي تكرّر في ثلاث مواضع من القرآن: سورة النمل(30)، وسورة يس(31)، وسورة المُلك(32). أو ما جاء في قوله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾، حيث تكرّرت هذه العبارة في موضعين: في سورة النحل(33)، وفي الأنبياء(34)..

هذه هي بعض أوجه التكرار الوارد في القرآن الكريم، ولقد علمنا ممّا سبق أن العلماء اختلفوا في دلالة توظيف هذه الظاهرة البارزة في النصّ القرآني، ورأينا أنهم انقسموا إلى فريقين: فريق نافٍ للتكرار تمامًا، وفريق مؤيّد له. فما هي إذن دواعي التكرار في النصّ القرآني الكريم؟


(1) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 3/179.

(2) أبو عثمان الجاحظ، رسائل الجاحظ، 3/181.

(3) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص232-241.

(4) انظر معاني القرآن للفراء، 3/287. وتأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، ص235-240. والعمدة لابن رشيق القيرواني، ص72. وانظر البرهان للزركشي، 1/146 و3/13-14. والإتقان للسيوطي، 3/179.

(5) انظر أمالي المرتضى للشريف أبي القاسم علي بن الطاهر المرتضى، 1/84. وانظر درّة التنزيل وغرّة التأويل للخطيب الإسكافي، ص533. وأسرار التكرار في القرآن لتاج القراء الكرماني، ص221. ومِلاك التأويل لابن الزبير الغرناطي، 2/1150.

(6) ابن منظور، لسان العرب، مادة (كرر).

(7) الجوهري، تاج اللغة وصحاح العربية، مادة (كرر). والقاموس المحيط للفيروز آبادي، مادة (كرر).

(8) ابن معصوم، أنوار الربيع في أنواع البديع، 5/34-35.

(9) ابن الأثير، المثل السائر، 2/137.

(10) د. أحمد مطلوب، معجم النقد العربي القديم، 1/370.

(11) ابن قتيبة، تأويل مشكل القرآن، ص232-234.

(12) بديع الزمان سعيد النورسي، المكتوبات، 2/267-268.

(13) سورة المؤمنون: 23/36.

(14) سورة الإنسان: 76/15-16.

(15) سورة الفجر: 89/21-22.

(16) سورة المدثر: 74/19-20.

(17) سورة القيامة: 75/34-35.

(18) سورة النبأ: 78/4-5.

(19) سورة الإنفطار: 82/17-18.

(20) سورة الشرح: 94/5-6.

(21) سورة التكاثر: 102/3-4.

(22) بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 3/15-16. وانظر الإتقان للسيوطي، 3/180.

(23) سورة الشعراء: 26/9.

(24) سورة النمل: 27/60.

(25) سورة القمر: 54/17.

(26) سورة الرحمن: 55/13.

(27) سورة المرسلات: 77/15.

(28) سورة التوبة: 9/73.

(29) سورة التحريم: 66/9.

(30) سورة النمل: 27/71.

(31) سورة يس: 36/48.

(32) سورة المُلك: 67/25.

(33) سورة النحل: 16/43.

(34) سورة الأنبياء: 21/7.

المصدر : موقع  / البرهان في الأعداد والأرقام - على إعجاز القرآن

www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام