إحكام الآيات والمربعات السحرية

لقد رأينا فيما سبق أن إسم مريم عليها السلام قد تردّد في سورة مريم ثلاث مرات. وعلمنا أن البعد بين أول آية (16) وآخر آية (34)، جاء فيها اسمها عليها السلام في السورة، يساوي (19). ورأينا أن لهذا البعد حكمة عظيمة، انبثقت من مشيئته سبحانه وتعالى، في أمره لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، أن يضع سورة مريم في المكان الـ(19) حسب ترتيب القرآن، مع أنها السورة الـ(44) حسب ترتيب النزول.

 ولمّا كان لموقع كل كلمة، من إسم أو فعل أو حرف، هدف معيّن وحكمة مقصودة في القرآن العظيم. وإذا صحّ افتراضنا بالنسبة لدور الأعداد في الحفاظ على بنية التناسق العجيب في النصّ القرآني الكريم، فكان من البديهي إذن أن نبحث عن أوجه من المناسبات العددية، التي تبرهن صحّة ما نذهب إليه.

 ولقد تعرّضنا في الفصول السابقة إلى كثير من المناسبات العددية الكامنة في هذه السورة الكريمة، وسنكشف لك فيما يلي عن المزيد ممّا فتح الله به علينا. ثم ما هي دلالة أرقام الآيات الثلاثة التي ورد فيها إسم مريم عليها السلام في السورة؟ فهل هناك حكمة من وراء انتقاء هذه المواقع المحدّدة، دون غيرها من المواقع، كما وجدنا بالنسبة لموقع السورة نفسها؟

 لقد رأينا أن خلق عيسى عليه السلام من أم دون أب، هو معجزة. وأن حمل مريم لعيسى عليهما السلام دون أن يمسسها بشر، هو معجزة. وأن تردّد ذكر مريم، وابنها عيسى بجميع أنعاته، عليهما السلام في القرآن الكريم بالتساوي، هو معجزة. وأن ورود إسم عيسى عليه السلام في القرآن بنسبة (25) مرة، هو معجزة. ثم رأينا أن مجيء الإسم الـ(19) لعيسى عليه السلام في الآية (34) من سورة مريم، هو معجزة. وأن ورود الإسم الـ(25) لمريم عليها السلام في الآية (16) من سورة مريم، هو معجزة. وأن ورود الإسم الـ(27) لمريم عليها السلام في الآية (34) من سورة مريم، هو أيضًا معجزة! فقد تمّ الكشف بفضل الله تعالى وبعونه عن جميع هذه الحقائق المعجزة.

 ولكن! ما هو وجه المناسبة بين أرقام الآيات التي تردّد فيها إسم مريم عليها السلام في السورة نفسها؟ وذلك، بعد أن علمنا أن الآيات من (16) وحتى (34) قد انتصفت بالتساوي من ناحية عدد الكلمات، وأن الآية التي توسّطتها كانت الآية رقم (25)؟ فلماذا ورد إسم مريم عليها السلام في الآية (27)، ولم يرد في الآية (25) لتكتمل الصورة الإعجازية؟

 نقول، والله تعالى أعلم، إن الإجابة عن هذا السؤال من وجهين: الأول، يكمن في خصائص أرقام الآيات من ناحية رياضية. والثاني، يكمن في خصائص ذات الأعداد من ناحية علاقتها بمواقع السور القرآنية. ولتوضيح ذلك نبدأ أولاً في البحث عن ميّزات الأعداد (16، 27، 34) من ناحية رياضية. فمن المعلوم أن الأعداد الأساسية في النظام العشري تبدأ بـ(1) وتنتهي بـ(9). وأنت تعلم أن هناك طرقًا عديدة وأساليب، ابتكرها العلماء، للتعرّف على خصائص كل عدد من الأعداد اللامتناهية. ومن هذه الطرق والأساليب، ما يطلق عليه الرياضيون إسم المربّعات السحرية.

 فهذه المربّعات تُبنى من أعداد تربيعية (9، 16، 25، 36، 49..)، وتحتوي على سلسلة من الأعداد الموضوعة في شبكة من المربّعات الداخلية، ولكن بشرط أن تكون مجاميع الأعداد الموضوعة في كل سطر عمودي أو أفقي أو قطري، متساوية دائمًا. فلو أخذنا العدد (9) مثلاً فأنت تعلم أن هذا العدد تربيعي: (9 = 3 × 3). وإذا علمت هذا، عليك الآن أن تفكّر بطريقة، تمكّنك من توزيع الأعداد من (1) إلى (9) في مربّع مكوّن من (9 = 3 × 3) خانات، بحيث تكون مجاميع سطوره في جميع الإتجاهات متساوية. ولتوضيح هذه المسألة، نقوم بتمثيل الأعداد من (1) إلى (9) بحروف أبجدية كالآتي: 

أ

ب

ت

ث

ج

ح

خ

د

ذ

فتبعًا للشرط الذي وضعناه آنفًا، يجب أن تكون العلاقات الآتية صحيحة: أ + ب + ت = ث + ج + ح = خ + د + ذ = ت + ح + ذ = ب + ج + د = أ + ث + خ = ت + ج + خ = أ + ج + ذ = مجهول!

 والمجهول الذي وضعناه في المعادلة يساوي مجموع الأعداد في كل سطر من الأسطر العمودية والأفقية والقطرية، ونريد أن نرمزه بـ(م). ولمعرفة هذا الرقم المجهول، يمكننا صياغة المعادلتين البسيطتين التاليتين:

 أ + ب + ت = ث + ج + ح = خ + د + ذ = م           (المعادلة 1)

 وبما أننا نعرف أن مجاميع الأسطر الثلاثة، مهما كان ترتيب الأرقام، فإنه يجب أن يكون مجموع كل الأرقام الموجودة، أي أن لدينا:

 أ + ب + ت + ث + ج + ح + خ + د + ذ = 1 + 2 + 3 + 4 + 5 + 6 + 7 + 8 + 9 = 45      (المعادلة 2)

 ولذلك يمكننا أن نضع في المعادلة الثانية: (أ + ب + ت)، (ث + ج + ح)، (خ + د + ذ)، بدلاً من الرقم المجهول (م)، لنحصل من المعادلة الأولى على: أ + ب + ت + ث + ج + ح + خ + د + ذ = م + م + م = 45      ===<

فـ : 3م = 45            ===<            م = 15.

 وعلى هذا، فقد علمنا أن مجموع كل سطر في المربع السحري الخاصّ بالعدد (9) يجب أن يكون (15). وليس الغرض هنا أن نخوض بعيدًا في مزيد من خصائص هذه المربّعات، ولذلك يكفي القول بأن الشكل النهائي لهذا المربّع يكون كالآتي: 

8

1

6

3

5

7

4

9

2

 ولو تمعّنت في الشكل أعلاه جيّدًا، تجد أن جمع الأعداد في كل سطر أفقي يعطينا: (8 + 1 + 6 =15، 3 + 5 + 7 = 15، 4 + 9 + 2 = 15).

وإذا جمعت الأعداد في كل سطر عمودي، فستحصل على نفس العدد:

(8 + 3 + 4 = 15، 1 + 5 + 9 = 15، 6 + 7 + 2 = 15).

وحتى إذا قمت بجمع الأعداد في السطور القطرية، فستحصل أيضًا على نفس النتيجة: (8 + 5 + 2 = 15، 6 + 5 + 4 = 15).

 وأما العدد الناتج في كل عملية جمع، فيطلق عليه الرياضيون إسم العدد السحري. والآن، وبعد هذا الشرح المطوّل، قد تقول: وما هي علاقة هذه المربّعات والأعداد السحرية بموضوع الإعجاز القرآني؟

 عند الرجوع إلى أرقام الآيات، التي ورد فيها إسم مريم عليها السلام في سورة مريم، نجد أن العدد (16) هو الوحيد الذي شكّل فيها عددًا تربيعيًا: (16 = 4 × 4 = 24). فما هي خصائص هذا العدد؟

 لا نريد أن نقوم بنفس العملية التي اتّبعناها أعلاه مع العدد (9)، فإنه لتكوين مربّع سحري خاصّ بالعدد (16)، علينا ترتيب الأعداد من (1) إلى (16) في مربّع يتكوّن من (16 = 4 × 4) خانة، بحيث تكون مجاميع سطوره متساوية. ولن يخفى عليك، إذا اتّبعت ما انتهجناه أعلاه، أن العدد السحري في هذا المربّع يجب أن يكون (34)

13

2

3

16

8

11

10

5

12

7

6

9

1

14

15

4

 والملاحظ من الشكل الناتج أن مجموع الأعداد في كل سطر من سطوره يساوي (34). إذ إن جمع الأعداد في كل سطر أفقي، يعطينا:

13 + 2 + 3 + 16 = 34

8 + 11 + 10 + 5 = 34

12 + 7 + 6 + 9 = 34

1 + 14 + 15 + 4 = 34

وجمع الأعداد في كل سطر عمودي، يعطينا:

13 + 8 + 12 + 1 = 34

2 + 11 + 7 + 14 = 34

3 + 10 + 6 + 15 = 34

16 + 5 + 9 + 4 = 34

وجمع الأعداد في السطرين القطريين، يعطينا:

13 + 11 + 6 + 4 = 34

16 + 10 + 7 + 1 = 34

وهنا تنكشف لنا أول علاقة رياضية بين العددين (16) و(34)! وستسأل بالطبع عن العلاقة الخفيّة للعدد (27)؟ لم نجد في كتب الرياضيات ما يعيننا على الكشف عن سرّ هذا العدد في المربّع المتكوّن. ولكن بعد محاولات مضنية، وبمراعاة القوانين الخاصّة بالمربّعات السحرية، وجدنا إحكامًا عجيبًا ومذهلاً في العلاقة المتلازمة بين هذه الأعداد الثلاثة.

وهذا الإحكام يتجلّى في عدد العمليات الحسابية الناتجة عن جمع الأعداد في كل سطر من سطور المربّع السحري الناتج. فقد علمتَ ممّا سبق أن ما تحويه كتب الرياضيات، هي العمليات الحسابية العشرة التي تعطينا عند جمع السطور الأفقية والعمودية والقطرية دائمًا العدد (34)! ولكن العجيب في المربّع السحري الخاصّ بالعدد (16)، أنه يحوي بالضبط (27) عملية حسابية، يكون الناتج فيها دائمًا مساويًا لـ(34):   

1) 16 + 3 + 2 + 13 = 34

15) 10 + 11 + 7 + 6 = 34

2) 5 + 10 + 11 + 8 = 34

16) 3 + 2 + 14 + 15 = 34

3) 9 + 6 + 7 + 12 = 34

17) 16 + 13 + 1 + 4 = 34

4) 4 + 15 + 14 + 1 = 34

18) 3 + 8 + 14 + 9 = 34

5) 16 + 5 + 9 + 4 = 34

19) 2 + 5 + 15 + 12 = 34

6) 3 + 10 + 6 + 15 = 34

20) 3 + 5 + 15 + 11 = 34

7) 2 + 11 + 7 + 14 = 34

21) 3 + 9 + 15 + 7 = 34

8) 13 + 8 + 12 + 1 = 34

22) 2 + 10 + 14 + 8 = 34

9) 16 + 10 + 7 + 1 = 34

23) 2 + 6 + 14 + 12 = 34

10) 13 + 11 + 6 + 4 = 34

24) 3 + 6 + 12 + 13 = 34

11) 16 + 3 + 10 + 5 = 34

25) 16 + 9 + 7 + 2 = 34

12) 2 + 13 + 8 + 11 = 34

26) 5 + 4 + 14 + 11 = 34

13) 9 + 6 + 15 + 4 = 34

27) 10 + 15 + 1 + 8 = 34

14) 7 + 12 + 1 + 14 = 34

 

ففي هذا التناسق البديع بين الأعداد الثلاثة (16، 27، 34)، نجد دليلاً رياضيًا قاطعًا على حكمة نوعية ومطلقة في اختيار المواقع التي تردّد فيها إسم مريم عليها السلام في السورة الكريمة.

 ومن ثم تبيّن لنا بجلاء سبب ورود إسم مريم الثاني عليها السلام في الآية (27)، وليس في الآية (25). لأنه لو جاء إسمها عليها السلام في الآية (25)، لما حصلنا على هذا الإنتقاء المحكم والمقصود دون أدنى شكّ. ولكي لا يلتبس عليك الأمر، نودّ أن نعقّب هذا الدليل الرياضي بدليل آخر، والذي من شأنه أن يوضّح عظمة هذا الكتاب العظيم.

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام