مريم والملكات الثلاث

لقد ذكرنا أن لمواقع إسم مريم عليها السلام في السورة علاقة مباشرة بأرقام السور في القرآن الكريم. وأنت إذا رجعت إلى القرآن، تجد أن السورة رقم (16) هي سورة النحل، والسورة رقم (27) هي سورة النمل، وأما السورة رقم (34) فهي سورة سبأ. فما هي علاقة مريم وعيسى عليهما السلام بمواقع هذه السور الثلاث؟ ولماذا "النحل" و"النمل" و"سبأ"؟

 إن أول ما يلفت الإنتباه في مقارنتنا بين هذه السور الكريمة أن النحل يشكّل مملكة، والنمل هو مملكة ثانية، وقوم سبأ هم مملكة ثالثة. ومن الملاحظ أيضًا أن القائم على هذه المملكات جميعها إناث: ملكة النحل، وملكة النمل، وملكة سبأ، بلقيس!

فهل يمكن لهذا التوافق بين أرقام الآيات التي ورد فيها إسم مريم عليها السلام في سورة مريم، وبين أرقام سور تمثّل "مملكات"، تُحكم من إناث ثلاث أن يكون عبثًا؟ الجواب هو طبعًا بالنفي! ولكن ما هو السرّ الكامن فعلاً من وراء هذا التوافق "الإجتماعي" بين هذه "الملكات"؟ فهل من قاسم مشترك بينها؟

 لنبدأ أولاً بالكشف عن بعض الأسرار في عالم الحشرات، وخاصّة تلك التي تميّز مملكتي النحل والنمل عن غيرهما من المملكات في هذا العالم العجيب.

 فعند التنقيب عن الظواهر العجيبة في عالم الأحياء، نجد أن من أهم ميّزات الخلايا الحيّة هي القدرة على النمو والتكاثر، وهذا لا يتمّ إلا بواسطة انقسامها. ومن المثير للإنتباه أن العمليات الإنقسامية تنبثق عن نوعين اثنين: الأول، هو الإنقسام الخيطي(1)، الذي يتمّ بالخلايا الجسمية العادية في الأطوار الجنينية وما بعدها، مثل النمو والتجديد. وأما النوع الثاني فهو الإنقسام الإختزالي(2)، الذي يتمّ في الخلايا التناسلية المولّدة للأمشاج، والتي تتضمّن النطفة والبويضة. فما هو الفرق بين هذين النوعين من الإنقسامات؟ وما هي علاقتهما بموضوع الإعجاز العددي؟

 إذا أخذنا الخلايا البشرية كمثال تطبيقي، نجد أن كل خلية في جسم الإنسان، باستثناء الخلايا التناسلية، تحوي (46) كروموزومًا. ففي حين أن عدد الكروموزومات في الخلايا الناتجة من الإنقسام الخيطي يبقى ثابتًا، نجد من عجائب خلق الله تعالى أن عدد الكروموزومات في الإنقسام الإختزالي يختزل إلى النصف، حيث يحمل كل مشيج نصف عدد كروموزومات الخلية الأم، أي (23) كروموزومًا فقط.

والحكمة من هذا أنه عند تلقيح نطفة أنثوية بنطفة ذكرية، فيتّحد (23) كروموزومًا من خليّة الذكر و(23) كروموزومًا من خليّة الأنثى، لتتكوّن بهذا النطفة الأمشاج التي تحمل (23) زوجًا من الكروموزومات، أي بمجموع (46) كروموزومًا، لتتوالى انقساماتها الخيطية على مدى (9) أشهر، فتخرج بعدها جنينًا مكوَّنًا من بلايين الخلايا.

 ولكي تكتمل الصورة التي نريد أن نوضّحها لك، علينا أن نتعمّق بعض الشيء في أنواع التكاثر الجنسي عند الكائنات الحية. وحتى لا نتشتّت في بحثنا، يكفينا حاليًا التركيز على نوعين من هذه الأنواع: الأول هو ما يطلق عليه العلماء إسم "التكاثر بالإخصاب"، وأما الثاني فهو ما يُسمّى بـ"التكاثر العذري"(3).

وقد تبيّن لك ممّا سبق، أن النوع الأول يحدث عند تكوين الأمشاج عن طريق ما سمّيناه بالـ"الإنشطار الإختزالي"، بحيث يختزل عدد الكروموزومات إلى النصف، فيحمل كل مشيج نصف العدد الأصلي من الكروموزومات.

 وهذا يعني أن كلاً من البويضة والنطفة تُعتبر أحادية المجموعة الكروموزومية(4)، أي أنها تحوي (23) كروموزومًا من مجموع (23) زوجًا من الكروموزومات، ولذلك سنرمزها بـ(X1). فعندما يتمّ إخصاب البويضة بالنطفة تتّحد المجموعة الكروموزومية الأحادية لكل منهما، لتكوّن بهذا مجموعة كروموزومية ثنائية(5)، أي أنها تحوي (23) زوجًا من الكروموزومات، ولذلك سنرمزها بـ(X2).

وأما النوع الثاني من التكاثر، وهو "التكاثر العذري"، فنجده في فصيلة الحشرات كالنحل والنمل. ومن عجائب خلق الله تعالى في هذه الفصيلة من الحشرات، أن البيوض التي تضعها الملكة لإنتاج الذكور، لا يتمّ تلقيحها أبدًا! أي أن البيوض التي تضعها ملكة النحل أو ملكة النمل، ولم تلقّحها بنطف ذكرية، تنتج ذكورًا، أما البيوض التي يتمّ تلقيحها من قبل الملكة، فتنتج إناثًا!

 وبعبارة أخرى فإن ذكور النحل وذكور النمل تتكوّن بطريقة الإخصاب العذري! وهذا يعني أن ذكور النحل والنمل ليس لها أب!


نبيّن ذلك ونحن نعلم أن مريم عليها السلام أنجبت عيسى عليه السلام، دون أن يمسسها بشر. ألم تعلم أن عيسى عليه السلام لا أب له؟ ومن هنا تتّضح العلاقة بين "الإخصاب العذري" وبين "مريم العذراء" عليها السلام. فسبحان الذي أنزل القرآن! إنها حقًا معجزة ربانية عظيمة! ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد!

فذكور النحل والنمل تنمو من بويضة غير ملقّحة، وخلاياها الجسدية والمولّدة للأمشاج تُعتبر أحادية المجموعة الكروموزومية، أما خلايا الإناث فتُعتبر ثنائية المجموعة الكروموزومية. وفي حين أن عدد الكروموزومات عند إناث النحل يساوي (32) كروموزومًا، نجد أن ذكور النحل تحوي في خلاياها (16) كروموسومًا(6)، ومن العجيب هنا أن هذا العدد يتطابق تمامًا مع رقم سورة النحل في القرآن! فأي إعجاز هذا؟!


(1) وهو عبارة عن إنتاج خليتين جديدتين متماثلتين تتطابقان مع الخلية الأم وبكل منهما نفس عدد الكروموزومات التي تحملها الخلية الأم، أي (23) زوجاً = (46) كروموزوماً ===< Mitosis.

(2) Meiosis.

(3) Hymenoptera.

(4) haploid.

(5) diploid.

(6) Rinderer, T.: Bee Genetics and Breeding, Academic Press, Inc. Orlando (1986)

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام