بلقيس والجنس الآخر

لقد أصبح الأمر إذن واضحًا وجليًا بشأن العلاقة العجيبة بين عوالم النحل والنمل، وعيسى ابن مريم عليهما السلام. حيث وجدنا أن عيسى عليه السلام قد شكّل قاعدة شاذّة بأحد طرفي الولادة. وقد تسأل: ولكن ما هي علاقة ملكة سبأ بالموضوع؟ فنقول، والله تعالى أعلم، مع أنه لم يتسنّ لنا إيجاد حلّ لهذه المعضلة، إلا أننا وجدنا في كتب التفاسير شيئًا عجيبًا، ورد عن علمائنا بشأن بلقيس.

 جاء في (الدرّ المنثور): "أخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إحدى أبوي بلقيس كان جنّيًا". وأخرج ابن أبي شيبه وابن المنذر عن مجاهد قال: صاحبة سبأ كانت أمها جنّية. وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه عن عثمان بن حاضر قال: كانت أم بلقيس امرأة من الجن، يُقال لها بلقمة بنت شيصان. وأخرج ابن عساكر عن الحسن أنه سئل عن ملكة سبأ فقال: إن أحد أبويها جنّي. فقال: الجن لا يتوالدون! أي أن المرأة من الإنس لا تلد من الجن"(1).

 ولكن ردًّا على هذا يقول أبو بكر ابن العربي في (أحكام القرآن): "قال علماؤنا: هي بلقيس بنت شرحبيل ملكة سبأ، وأمها جنّية بني أربعين ملكًا. وهذا أمر ينكره الملحدون ويقولون: إن الجن لا يأكلون ولا يلدون، وهم في ذلك كاذبون. ذلك صحيح ونكاحهم مع الجن جائز عقلاً. فإن صحّ نقلاً فبها ونعمت، وإلا بقينا على أصل الجواز العقلي"(2).

 وذكر القرطبي في تفسيره شيئًا قريبًا مما ذكرناه(3). وجاء في كتاب (غمز عيون البصائر) للحموي: "وجاء في القَصَص أن بلقيس من بنات الجنّ، وأن أباها السرح بن الهداهد، تزوّج بريحانة بنت السكن وكانت بنت الجن"(4).

وقال ابن كثير في (البداية والنهاية): "وهي بلقيس بنت السيرح... وكان أبوها من أكابر الملوك، وكان يأبى أن يتزوّج من أهل اليمن، فيقال: إنه تزوّج بامرأة من الجن، إسمها ريحانة بنت السكن، فولدت له هذه المرأة، وإسمها تلقمة، ويقال لها بلقيس. وقد روى الثعلبي من طريق سعيد بن بشير عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كان أحد أبوي بلقيس جنيًّا". وهذا حديث غريب، وفي سنده ضعف(5).

وقال الإمام المناوي في (فيض القدير) في شرحه للحديث "أحد أبوي بلقيس كان جنيًّا": "رواه أبو الشيخ ابن حبان في كتاب العظمة وابن مردويه في التفسير وابن عساكر في ترجمتهما عن أبي هريرة. وفيه سعيد بن بشير، قال في الميزان عن ابن معين ضعيف وعن ابن مسهر لم يكن ببلدنا أحفظ منه، وهو ضعيف منكر الحديث، ثم ساق من مناكيره هذا الخبر. وبشير بن نهيك أورده الذهبي في الضعفاء، وقال أبو حاتم لا يُحتجّ به، ووثقه النسائي"(6).

وجاء في تفسير الطبري: "حدّثني أحمد بن الوليد الرملي، قال: ثنا هشام بن عمار، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان أحد أبوي صاحبة سبأ جنيًّا". قال: ثنا صفوان بن صالح، قال: ثني الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر النضر بن أنس"(7).

 والحديث، وإن كان في سنده ضعف كما ترى، إلا أنه يفيد في معناه ما ذهبنا إليه.. وهو أن أحد أبوي بلقيس لم يكن من الإنس، وشكّل بذلك القاعدة الشاذّة في الخلق، كما كان الحال في عيسى عليه السلام، الذي خُلق من دون أب. ولذلك نعتقد أن هذا الموضوع حريّ بالبحث والتنقيب، علّه يكشف لنا عن مزيد من أسرار هذه المعضلة. والله تعالى أعلم!


(1) جلال الدين السيوطي، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، سورة النمل الآية 23.

(2) أبو بكر ابن العربي، أحكام القرآن، 3/1444.

(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 13/183، تفسير الآية 44 من سورة النمل.

(4) شهاب الدين الحموي، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، الفن الثالث: الجمع والفرق، باب أحكام الجان.

(5) ابن كثير، البداية والنهاية، ج2، قصة سليمان مع داوود عليهما السلام.

(6) الإمام عبد الرؤوف المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير، الحديث 242.

(7) تفسير الطبري، سورة النمل، الآية 44.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام