الإستدلال بالحجّة والبرهان

رأينا في فصل سابق أن الآية (18) من سورة الكهف وقعت في الوسط تمامًا بين الآيتين (14) و(22). ولكن ما يصحّ قوله عن الوسط في أرقام الآيات يصحّ قوله أيضًا عن الوسط في أرقام السور. فعند الرجوع إلى القرآن الكريم نجد أن السورة رقم (14) في الترتيب هي سورة إبراهيم، وأن السورة (22) إسمها الحج.

 ومن المعلوم أن الحج هو الركن المتصل إتصالاً وثيقاً بإبراهيم عليه السلام. وعند التدقيق في ترتيب هذه السور نجد أن سورة الحجّ بعُدت عن سورة إبراهيم عليه السلام بمقدار (9) سور بالضبط: (14، 15، 16، 17، 18، 19، 20، 21، 22)، وأن سورة الكهف توسّطت هذه السور من جديد.

 ونلاحظ أن البعد من سورة إبراهيم إلى سورة الكهف هو (5) سور، وأن البعد من سورة الكهف إلى سورة الحج هو أيضًا (5) سور. ولا يفوتنا أن الحج هو الركن الـ(5) من أركان الإسلام، وأن إبراهيم عليه السلام هو أول من اختاره الله تعالى ليؤذّن في الناس بالحج(1).

 ومن المعاني الأولى لكلمة "الحجّ" هو الغلبة بالحُجّة، أي ترتيب الأفكار ترتيبًا معيّنًا، يُقصد به الدلالة بقوّة على فكرة معيّنة(2). وانطلاقًا من هذا المعنى استُعمل لفظ "الحج" للتعبير عن معنى "القصد"، لأن الذي "يحتجّ" إنما "يقصد" الوصول إلى نتيجة معينة(3). وعليه ظهرت كلمة "الحج" بمعنى "قصد مكان معين"، واستُعملت لقضاء فريضة الحجّ.

 ولذلك، فليس من المصادفة أن يُستعمل لفظ "الحج" والألفاظ المشتقّة منه في القرآن الكريم بمعنى "القصد"، لا سيّما بمعنى "الغلبة بالحُجّة"(4). ومع أن هذين المعنيين مختلفان، إلا أنهما متلازمان.

فأيًا ما كان المعنى الذي استُعمل به لفظ "الحج"، فإن كلا المعنيين متّصل اتصالاً مباشرًا بإبراهيم عليه السلام أكثر من غيره. ولذلك نجد أنه حين ذكر لنا القرآن ما دار بين إبراهيم عليه السلام وقومه، كانت اللفظة المستعملة هي "حاجّ"، وذلك في الآيات التالية:

 ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾(5).

﴿وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾(6).

﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾(7).

 فسنّة إبراهيم عليه السلام المذكورة في القرآن الكريم، تبيّن بطريقة مثالية، كيف يجب أن يكون المنهج الإستدلالي الحقّ. حيث بدأ عليه السلام بملاحظة ما يحيط به، ثم خرج بفرضيات، عرضها بعد ذلك على محكّ عقله: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ(8). ولا يستنكف بعد ذلك أن يعيد النظر في فرضيّاته، بل وأن يدحضها إن كانت خاطئة: ﴿..فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ.

 وهكذا يتابع إبراهيم عليه السلام بحثه بكل موضوعيّة، مراعيًا أن يكون استدلاله صحيحًا مرتبًا ترتيبًا قويمًا، إلى أن يتوصّل إلى اليقين بالعلم: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ(9).

فلما تحقّق عليه السلام من أن عبادة الأوثان هي قمّة الجهل، فكّ عن نفسه قيد السيطرة العقائديّة، وبادر بمحاجاة قومه بالحُجّة والدليل والبرهان.

 وهكذا يذكر لنا القرآن الكريم أنه عندما همّ عليه السلام لتحطيم الأصنام في معبد قومه، قام بتكسيرها جميعًا ما عدا كبيرها. فلما أُتِيَ به على أعين الناس، وسأله قومه عن عمله هذا، فما كان جوابه إلا أن دعاهم للتفكّر، كما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالُوا ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمْ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾(10).

 فهذه الآيات تُظهر بجلاء أن استعمال كلمة "الحج" بمعنى "القصد" و"الغلبة بالحجة"، ينير لنا السبيل في فهم العلوم بالشكل الصحيح والدقيق. والقرآن الكريم يؤكّد لنا أن إبراهيم عليه السلام، هو القدوة التي يجب علينا أن نتّبعها، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾(11).

فعبارة "مقام إبراهيم" لا تخصّ هنا المعنى المادي فحسب، أي المكان الذي قام به عليه السلام، بل زيادة على ذلك، والأهم من هذا كله، هو الوصول إلى المقام الرفيع، الذي ناله إبراهيم عليه السلام بأعماله.

ولذلك نفهم أن "مقام إبراهيم" هو ليس السجود على آثار قدميه عليه السلام فحسب، وإنما اتّباع مثله المذكور في القرآن الكريم. ومن ذلك عدم تقبّل الأشياء لمجرّد كونها من العادات والتقاليد المتعارف عليها، بل ملاحظة الظواهر، وإخضاعها للتفكير والنقد البنّاء.

وذلك للتأكّد من صحّتها عن طريق الحُجَج والبراهين القاطعة في الوصول إلى المعرفة الحقيقيّة، التي عادة لا تسمح لنا حواسنا بالوصول إلى كنهها. فمن الواضح أن إبراهيم عليه السلام كان أول من استعمل المنهج الإستدلالي في طلبه للبرهان الذي لا يترك مجالاً للجدل(12).

فلا عجب إذن أن نجد أن قمّة "الحج" إنما هي "يوم عرفة"، كما جاء في الحديث الشريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحجّ حجّ عرفة"(13). وكلمة "عرفة" مشتقة من الجذر "عَرَف"، الذي يعبّر عن مفهوم العلم والمعرفة(14). ومن العجيب أن نجد أن يوم عرفة هو يوم محدّد، وأن هذا اليوم هو "الـ(9)" من ذي الحجّة(15).

وعبارة "الحجّ الأكبر" لم ترد في كل القرآن إلا مرة واحدة، وذلك في السورة "الـ(9)" أيضًا: ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(16).

والعجيب في الأمر أن البعد بين السورة الـ(9) في القرآن، وهي سورة التوبة، وبين سورة الحج، وهي السورة الـ(22)، هو بالضبط (14) سورة. وهذا العدد هو رقم ترتيب سورة إبراهيم عليه السلام في القرآن.

 ومن هنا نرى أن سبيل إبراهيم عليه السلام قد وضعت أسس السببيّة والتأويل منذ البداية، لأنها فسّرت الظواهر بالعودة إلى أصلها الأول، وذلك بالتعمّق في الأمور حتى الوصول إلى كنهها. وبهذه الطريقة أمكن كشف غطاء المظاهر للتحرّي عمّا هو مجهول وخفيّ.

وفي سياق هذا الكلام عن الأمور الخفية والمجهولة، فإننا نجد سورتين في القرآن الكريم، أعطاهما الله سبحانه وتعالى إسمين يدلان على "التغطية" في كنههما. فالسورة الأولى هي سورة المزمل، وأما الثانية فهي سورة المدثر.

فالمزمل في اللغة هو "المتلفّف بثيابه"، وأصله المتزمّل وهو الذي تلفّف وتغطّى(17). وكذلك المدثر، فهو "المتغطّي بالثياب عند النوم"(18). وعند الرجوع إلى القرآن الكريم نجد أن سورة المدثر هي الـ(4) حسب ترتيب النزول، حيث نزلت بعد العلق، والقلم، والمزمل.

 وعند تتبّع المنهج القرآني في البحث، نلاحظ أنه للتمكّن من الوصول إلى ما هو مزمّل ومدّثر، أي إلى ما هو "محجوب عن الرؤية"، وجب أولاً الدراية بالقراءة. ذلك أن الآية الأولى من سورة العلق، وهي أول ما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، ابتدئت بـ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(19). كما ويجب أيضًا الدراية بالكتابة، التي لا تكون إلا بواسطة القلم. والقلم هو إسم السورة الثانية حسب ترتيب النزول، مع أن ذكره جاء  أيضًا في سورة العلق نفسها، في قول الحق تبارك وتعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾(20).

 فللتمكّن من كشف الغطاء عما هو خفي ومجهول، وجب قبل كل شيء العودة إلى الأصل الأول، أي إلى الآيات الأولى التي نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم.


(1) سورة الحج: 22/27.

(2) المصباح المنير للفيومي، مادة (حجج).

(3) "لأنه بها يُقصد الحق المطلوب". معجم مقاييس اللغة لإبن فارس، 2/30. وقارن تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري، مادة (حجج)، (3/387-390). وتاج العروس من جواهر القاموس لأبي الفيض الزبيدي، (3/315).

(4) الصحاح للجوهري: "الحُجّة".

(5) سورة البقرة: 2/258.

(6) سورة الأنعام: 6/80.

(7) سورة الأنعام: 6/83.

(8) سورة الأنعام: 6/76.

(9) سورة الأنعام: 6/77-79.

(10) سورة الأنبياء: 21/62-67.

(11) سورة البقرة: 2/125.

(12) انظر إرشاد القرآن والسُنّة لابن قيّم الجوزية، ص24.

(13) جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور، 3/213.

(14) وهو إدراك الشيء بتفكّر وتدبّر لأثره، قارن تاج العروس للراغب الأصفهاني، 24/133.

(15) ولا يفوتنا هنا أن شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، هو أيضًا الشهر التاسع من السنة الهجرية.

(16) سورة التوبة: 9/3.

(17) الشوكاني، فتح القدير، 5/315.

(18) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 19/59.

(19) سورة العلق: 96/1.

(20) سورة العلق: 96/4.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام