حلقة الوصل المفقودة

لقد ذكرنا فيما سبق أنه للتمكن من الوصول إلى ما هو محجوب عن النظر، وجب علينا أولاً الدراية بالقراءة والكتابة. فألقينا نظرة سريعة على أول ما نزل به جبريل عليه السلام على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(1). وقلنا إن ثاني ما نزل به جبريل عليه السلام كانت سورة القلم(2)، وذلك مع العلم أن الكلام عن "القلم" ورد منذ السورة الأولى حسب ترتيب النزول، في قوله تعالى: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾(3). ثم علمنا أن السورة الثالثة حسب ترتيب النزول، كانت سورة المزمل، ثم تلتها سورة المدثر.

 وإن ملاءمة هاتين السورتين الأخيرتين تبدو واضحة وجليّة، بحيث نجد أن استفتاحهما كان من نمط واحد. وما ابتدئت به كل سورة منهما من جليل خطاب الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: بـ﴿يأيها المزمل﴾، وبـ﴿يأيها المدثر﴾. فكان الأمر فيهما بما يخصّه عليه الصلاة والسلام، فجاء في الأولى: ﴿قم اليل إلا قليلاً﴾، وفي الأخرى: ﴿قم فأنذر وربك فكبر﴾. وأتبعت في الأولى بقوله: ﴿فاصبر على ما يقولون﴾، وفي الثانية بقوله: ﴿ولربك فاصبر﴾. وأتبع أمره بالصبر في المزمل بتهديد الكفار ووعيدهم: ﴿وذرني والمكذبين﴾، وكذلك في الأخرى: ﴿ذرني ومن خلقت وحيدًا﴾. فالسورتان واردتان في معرض واحد وقصد متّحد(4).

وتجدر الملاحظة في هذا السياق أنه من بين الـ(20) آية التي كوّنت سورة المزمل، كانت أول (19) آية منها كلها قصيرة، تكوّنت أطول واحدة فيها من (11) كلمة(5)، إلا الآية (20)، التي تكوّنت من (78) كلمة. والأمر نفسه يُقال عن سورة المدثر، التي تكوّنت من (56) آية كريمة. فنلاحظ أن جميع آيات هذه السورة كانت قصيرة، تكوّنت أطول واحدة فيها أيضًا من (11) كلمة(6)، إلا الآية (31)، التي تكوّنت من (57) كلمة، وذلك مع العلم أن (31 – 20 = 11)!

 ومن ثم، فإنه عند الرجوع إلى الآية (11) في كلتا السورتين، نجد حقًا أمرًا عجيبًا. ذلك أن هذه الآية بدأت في كلتا الحالتين بنفس "الكلمة": حيث جاء في سورة المزمل قوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾، وفي سورة المدثر: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾. ونجد عند التدقيق أن الآية (11) من سورة المزمل تكوّنت من (35) حرفًا، في حين أن الآية (11) من سورة المدثر، تكوّنت من (16) حرفًا.

والعجيب أن الفارق بين هذين العددين يساوي: (35 – 16 = 19)! مرة أخرى (19)! فما هو السرّ الكامن في هذا العدد؟

 لم يرد ذكر العدد (19) في القرآن الكريم إلا مرة واحدة، حيث كان ذلك في قوله تعالى في سورة المدثر: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ . لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ . لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ . عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(7). فالآية تقول إن على "سقر"، أي على النار، "تسعة عشر". ولكن تسعة عشر ماذا؟

الجواب نجده في الآية التي تلت ذكر هذا العدد، والتي تحدّثت عنه وعن الحكمة من تخصيصه، فجاء فيها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾(8).

 وعند الرجوع إلى الأعداد الـ(30) التي وردت في كل القرآن، نجد أن العدد (19) هو الوحيد الذي جعل الله له هذه الدلالة اليقينيّة، وفصّله هذا التفصيل المميّز والجليّ. وقد تعدّدت أقوال المفسرين بشأن هذا العدد، وبشأن الحكمة من اختياره، كعدّة للملائكة الموكّلين على النار. فقيل: على جهنم تسعة عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها، وقيل: على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، مالك وثمانية عشر ملكًا، ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيبًا، وقيل تسعة عشر صنفًا من أصناف الملائكة، وقيل تسعة عشر صفًا من صفوفهم، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكًا بأعيانهم(9).

 ولكن من الواضح أنه بعد أن تمّ ذكر هذا العدد كعدّة للملائكة الذين سيُوكّلون على النار، جاء بيان محكم للدلالة على اختياره كفتنة للذين كفروا، وذلك لأغراض أربعة، أولها: حصول اليقين عند الذين أوتوا الكتاب. وثانيها: زيادة الإيمان عند الذين آمنوا. وثالثها: توكيد للإيقان ونفي الإرتياب عند أهل الكتاب والمؤمنين. ورابعها: استفهام المنافقين الذين سينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة والكافرين في جعل عدّة أصحاب النار تسعة عشر.

فكيف يمكن أن يُفتن الكفار بهذا العدد؟ وكيف يتحصّل اليقين عند أهل الكتاب بأن القرآن هو وحي من عند الله بمعرفة أن عدد الملائكة الموكلين على جهنم هو (19)؟ وكيف سيزداد إيمان المؤمنين بالله وعظمته بهذه المعرفة؟ وكيف سيزول الشكّ عند الذين أوتوا الكتاب والمؤمنين عند معرفة الحكمة من تخصيص هذا العدد أيضًا؟

 جاء في كتاب «إرشاد القرآن والسنّة» لابن القيّم رحمه الله: "إن الفتنة للإنسان كفتنة الذهب إذا دخل كير الإمتحان، فإنها تميز جيده من رديئه. فالحق كالذهب الخالص كلّما امتُحن زاد جودة، والباطل كالمغشوش المُغَشّى إذا امتُحن ظهر فساده. فالدين الحق كلما نظر فيه الناظر ظهرت له البراهين، وقوي به اليقين، وازداد به إيمان المؤمنين. والدين الباطل إذا جادل عنه المجادل، ورام أن يقيم عودة المائل، أقام الله تبارك وتعالى من يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ويبيّن أن صاحبه الأحمق كاذب مائق، وظهر فيه من الفساد والتناقض والإلحاد، والضلال والجهل والمحال، ما يظهر به لعموم الرجال، أن أهله من أضلّ الضلاّل، حتى يظهر فيه من الفساد، ما لم يكن يعرفه أكثر العباد، ويتنبّه بذلك من كان غافلاً من سَنَة الرقاد من كان لا يميز الغيّ من الرشاد، ويحيي بالعلم والإيمان من كان ميت القلب لا يعرف معروف"(10).

 والآن، كيف يمكن تحصيل الفتنة للكافرين من جراء اختيار العدد تسعة عشر؟ فلا بدّ أن تكون الحكمة من هذه العدّة اختبارًا للكافرين، يضعهم في مفترق طرق للإختيار بين الحق والباطل. ومن ثمّ، فكيف يمكن لفتنة كهذه أن تتسبّب أيضًا في حصول اليقين عند أهل الكتاب؟

ذهب أكثر المفسرين إلى القول بأن ذلك يتمّ عن طريق رجوع هؤلاء إلى التوراة والإنجيل، حيث جاء ذكر العدد تسعة عشر في كلا الكتابين، وبذلك فإن وروده في القرآن يحدث عندهم اليقين بأن القرآن وحي من عند الله، لمطابقة معناه معنى كتبهم. وأما بالنسبة لازدياد إيمان المؤمنين، فقيل إنه يتحقّق عندما يجد المؤمنون هذه الحقيقة إلى ما عندهم من الإيمان بتصديق ما لم يعلموا وجه حكمته، فيزيد ذلك من إيمانهم، ولا يرتابوا لما رأوا من الدلائل الواضحة والبيّنة(11).

 لقد فهمنا من قول شيخ الإسلام كيف يمكن أن يكون هذا العدد فتنة للذين كفروا، ولكن هل يشكّل الدليل الذي قدمّه المفسّرون حُجّة قاطعة على أهل الكتاب ليؤمنوا بالقرآن وبمن بُعث به؟ وهل سبب إيمانهم به سيزيد من إيمان المؤمنين حتى يرتقوا إلى درجة اليقين؟ وذلك مع العلم أنه وقع تحريف كبير في كتب أهل الكتاب المتواجدة بين أيدينا اليوم.

فكيف يمكننا الجزم بتقديم مثل هذا الدليل؟ ولقد ذكرنا في الفصول السابقة معنى اليقين، وكيف أن من مقتضياته التنقّل من محطة إلى محطة، والمعاناة والتعب، حتى يذوق الإنسان حلاوته، التي لا تأتي إلا بعد التعب والكدّ. ومن البدهي أن الإيمان بحقائق هذا الدين لا يقوم إلا بالعلم والدليل والبرهان. فلا بدّ إذن من وجود حل لهذه المعضّلة.

 ومن ثمّ، فقد بيّنت هذه الآيات الكريمة أن خزنة النار هم ملائكة، وأن الله جعل عدّتهم تسعة عشر لتكون أمارة يقين لأهل الكتاب، وحصنًا من الريب وزيادة في الإيمان عند المؤمنين. فهل يمكننا القول بأن اختيار هذا العدد كان نابعًا عن حكمة ربانية، لم يدرك كنهها الأولون من المفسّرين؟

 يقول البقاعي في (نظم الدرر): "إنما خصّ (الله) هذا العدد لحِكَم لا يعلمها إلا هو، ومن أراد إطلاعه على ذلك من عباده مع أن الكفاية تقع بدون ذلك"(12).

ومن المعلوم أن برهان القرآن الكريم يسطع في كل زمان ومكان، ذلك أنه يخاطب كل عصر بلغته وبمستوى دائرة المعارف التي حصّلها، وهو بذلك معجزة خالدة ومتجدّدة. ذلك أن أهل العصر الأول لم يُخصّوا بالتحدّي دون غيرهم، لأن القرآن معجزة باقية إلى قيام الساعة، وهو تحدّ لأهل كل عصر كما كان لأهل العصر الأول.

 وقد حبا الله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بالرسالة مؤيّدًا بدلالة على الأيام باقية، وعلى الدهور والأزمان الدائمة، "يزداد ضياؤها على كرّ الدهور إشراقًا، وعلى مر الليالى والأيام ائتلاقًا"، كما قال الطبري في مقدمة تفسيره.

 ففتح الله تعالى على علمائنا الكرام من علمه بما ناسب زمانهم، حتى وجدوا في القرآن من آيات الله العظيمة التي ازداد بها إيمانهم ويقينهم، والتي استعانوا بها لإقامة الحُجّة على غير المسلمين بصدق القرآن في عصورهم.

 وشاء الله تعالى أن يفتح علينا بشيء جديد من علمه، مما يناسب مستوى المعرفة التي بلغناها، ليزداد مؤمنوا الأجيال الحاضرة إيمانًا مع إيمانهم، وليدرك أهل الكتاب، بالحُجّة والبرهان، أن القرآن حق من عنده سبحانه وتعالى. لا جرم أن بعض المفسرين أكّدوا على أن تخصيص هذا العدد كان لحكمة لا يعلمها إلا الله سبحانه، ومن أراد إطلاعه على ذلك من عباده(13).


(1) سورة العلق: 96/1.

(2) ومن باب المقارنة، فإن مجموع الكلمات في أول (5) آيات من سورة القلم يساوي تمامًا مجموع الكلمات في أول (5) آيات من سورة العلق، وهو (19) كلمة.

(3) سورة العلق: 96/4.

(4) برهان الدين البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، 8/221.

(5) وهي الآية (15) من سورة المزمل.

(6) وهي الآية (56) من سورة المدثر.

(7) سورة المدثر: 74/26-30.

(8) سورة المدثر: 74/31.

(9) تفسير القرطبي، 19/79. وتفسير البغوي، 4/416. وفتح القدير للشوكاني، 5/328.

(10) ابن قيم الجوزية، إرشاد القرآن والسنّة، ص63.

(11) تفسير البغوي، 4/417. وفتح القدير للشوكاني، 5/330. وتفسير القرطبي، 19/83.

(12) البقاعي، نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، 8/233.

(13) المصدر السابق، 8/233.

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام