وما هي إلا ذكرى للبشر

ويزداد يقيننا بصحّة هذا الإستدلال، عندما نعلم أن الله تعالى ختم هذه الآية بقوله: ﴿وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾. فجاء في التفاسير أن الضمير في ﴿وَمَا هِيَ﴾ يرجع إلى الجنود في ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ لأنه أقرب مذكور(1)، وقيل: إنه يعود إلى النار التي هي سقر، وقيل: إنه يعود إلى الآيات القرآنية، وقيل: وما هذه العدّة، أي عدد الملائكة التسعة عشر، إلا عبرة للخلق، يستدلّون بذلك على كمال قدرة الله تعالى(2). وقيل: جائز أيضًا أن يكون الضمير في ﴿وَمَا هِيَ﴾ عائدًا إلى عدّة الملائكة التسعة عشر(3).

 فكون عدّة الملائكة عبرة وتذكرة للبشر، للإستدلال بها على قدرة الله تعالى، يوحي إلى حكمة ربانية مقصودة، لا يعلم كنهها إلا الله سبحانه. ولا نجد تناقضًا في كل هذا الكلام، ذلك أن الله تعالى بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بجوامع الكلم.

فالكلم الذي في القرآن جامع محيط لما كان متفرّقًا في كلام غيره، ثم إنه يسمي كل شيء بما يدلّ على صفته المناسبة للحكم المذكور المبين، وما يبيّن وجه دلالته. فكل ما ذكره المفسرون هو بالفعل ﴿ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾.

والأمر الذي يهمّنا الآن هو، كيف يمكن لعدّة الملائكة التسعة عشر أن تكون "ذكرى للبشر"؟ وخاصة عندما نعلم أن الله سبحانه وتعالى ألحق هذه الآية بقسم عظيم، في قوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ . وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ . وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ . إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ . نَذِيراً لِّلْبَشَرِ . لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾(4). ثم أعقب سبحانه هذا القسم بجوابه: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ.. نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾. فالمتدبّر لهذه الآيات يشعر بعظمة الموقف الذي جاءت عباراتها الكريمة لتدلّ عليه وتؤكّد حصوله.

 فالذكرى في اللغة: التذكرة والموعظة، وهي بكل الأوصاف التي تمّ ذكرها سابقًا «نذيرًا للبشر». وقد ذهب بعض المفسرين إلى القول بأن المقصود بـ"النذير" هنا هو النار التي ما جعل الله أصحابها إلا ملائكة. وقيل: المراد بالنذير محمد صلى الله عليه وسلم، أي قم نذيرًا للبشر، فنذيرًا حال من ﴿قُمْ﴾ في أول السورة حين قال: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾. وقيل: هو من صفة الله تعالى، أي وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة منذرًا بذلك البشر، وقيل: هو حال من (هو) في قوله تعالى: وما يعلم جنود ربك إلا هو(5).

 فيتّضح لنا أنه زيادة على الأسباب الأربعة التي ذكرناها للحكمة الإلهية من اختيار العدد (19) كفتنة للذين كفروا، فإن النصّ القرآني ركّز أيضًا على كون هذا العدد "ذكرى" و"نذيرًا للبشر"، كما دلّت عليه المعاني المستنبطة من التفاسير المذكورة. فنجد أنفسنا هنا أمام مشهد عظيم من أساليب الدعوة القرآنية في سبيل الحق، ذلك أن الوعد والوعيد والإنذار والتبشير والوعظ والتذكير لا بدّ أن ترتكز كلها على دليل وبرهان قاطع، يخاطب العقول بالحُجج العقلية المفحمة، ليفهم الناس الحقّ ويعقلوه، ويستجيبوا لأمر الله فينتهي الأمر بمضي قدر الله تعالى ومشيئته بالجزاء الإلهي وفق هذه الاستجابة.

وإذا ارتكز الوعد والوعيد على مقوّمات الدليل والبرهان، فما هي الحُجّة في كون العدد (19) ذكرى، ينذر بها الرسول صلى الله عليه وسلم البشر؟ وكيف يكون هذا العدد "مثلاً" من الأمثال التي يضربها الله تعالى للناس للدلالة القطعية على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فمن المعلوم أن الدليل الذي يبرهن به الله تعالى على صدق الرسول الذي أكرمه برسالته هو المعجزة، فهل نجد مقوّمات تدلّ على كون هذا العدد معجزًا؟

 قبل أن نتطرّق إلى الإجابة على هذه الأسئلة، نريد أن نتعرّض بعض الشيء إلى مفهوم المعجزة والإعجاز، لندرك البعد الحقيقي من وراء هذه المعاني.

 لقد أجمع أهل العلم من المسلمين، قديمًا وحديثًا، بأن المعجزة هي دليل النبوة الأوحد. يقول الإمام الجويني: "لا دليل على صدق النبى غير المعجزة "(6). ويقول ابن أبى الإصبع: "لا بدّ لكل رسول من الإتيان بخارق قرين دعوى النبوة، ليتحدّى به من بُعث إليهم ليكون علامة صدقه"(7). فلا صحّة لنبوة بدون معجزة.

ونرى من هذا التحليل ما أوجزه السيوطى رحمه الله فى أركان المعجزة وضروراتها، فيقول: "المعجزة أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدّى، سالم عن المعارضة، وهي إما حسية وإما عقلية. فأكثر معجزات بنى إسرائيل كانت حسية لبلادتهم وقلّة بصيرتهم. وأكثر معجزات هذه الإمة عقلية لفرط ذكائهم وكمال أفهامهم، ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خُصّت بالمعجزة العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر"(8).

 ومن طبيعة المعجزة أنها تأتي لأمر يكون القوم الذين أُرسلت إليهم قد برعوا فيه، وتأتي من شيء يحسنونه ومن طبيعة حياتهم. فقوم موسى عليه السلام برعوا في السحر، لذلك أيّده الله تعالى بمعجزة العصا واليد البيضاء.. وقوم عيسى عليه السلام برعوا في الطب، لذلك أيّده الله تعالى بإحياء الموتى بإذنه..

أما العرب في زمن الرسالة فبرعوا في الشعر، فكانت معجزة القرآن لغته وبلاغته المطلقة. وبما أن القرآن هو معجزة الله الخالدة إلى يوم الدين، فكان لا بدّ أن تكون معجزته متجدّدة، تخاطب كل عصر بما برع فيه القوم.

 فبدوام اتساع دائرة المعارف الإنسانية، وتكرار تأمل المتأملين في كتاب الله، وتدبّرهم لآياته، جيلاً بعد جيل، وعصرًا بعد عصر، فتح الله تعالى على العلماء باكتشاف الحقائق التي تثبت صدق القرآن العظيم، ليتحقّق في كل زمان ومكان وعد الحقّ القائل: ﴿سَنُرِيهِمْ ءاياتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(9). فانتقلت دائرة الإعجاز القرآنية من اللغة والبلاغة إلى التشريع، والطب، والجبال، والبحار، والفلك والأكوان.. بحيث لا نجد موضوعًا من مواضيع المعرفة الإنسانية، إلا وكان القرآن عليه دليلاً(10).

 ومن ناحية ثانية، فكان من البديهي أن يتباين موقف العلماء من تلك الإشارات المعجزة في القرآن، بتباين الأفراد وخلفياتهم الثقافية وأزمانهم، وباتساع دائرة المعارف الإنسانية في شتى المجالات.

 ولذلك نجد أن بعض العلماء اعتبر بعض المناهج العلمية في تفسير القرآن نوعاً من الجنوح إلى الإستطراد في تأويل آيات القرآن على غير مقاصدها التشريعية والإيمانية(11). فقاموا بتحديد الإعجاز القرآني في دائرة البيان والنظم(12)، أي اقتصروه على الإعجاز الذي تحدّى الله به العرب وقت نزول القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم.

 ولكن إذا جاز هذا التحديد على موقف التحدّي من مشركي العرب، فإنه بالقطع لا يجوز على إطلاقه، خاصة أن العرب اليوم في جملتهم قد فقدوا الحسّ اللغوي الذي تميّز به أسلافهم، وأن التحدّي بالقرآن للإنس والجن متظاهرين هو تحدّ مستمر قائم إلى يوم الدين، مما يؤكد أن ما في القرآن من مختلف الصور التي ضُربت لعجائب آيات الله في خلقه، ومن غير ذلك مما اكتشفه ولا يزال يكتشفه المتخصّصون في كل حقل من حقول المعرفة، لا يمكن أن يبقى بمعزل عن ذلك التحدي العلمي الدالّ على أن القرآن هو كلام الله تعالى.

 فالقرآن يزخر بالعديد من الآيات التي تشير إلى الكون وما فيه من كائنات، وإلى صور من نشأتها، ومراحل تكوّنها، وإلى العديد من الظواهر الكونية التي تصاحبها، والسنن الإلهية التي تحكمها، وما يستتبعه كل ذلك من استخلاص للعبرة، وتفهّم للحكمة، وشهادة بكمال صفات الله تعالى وأفعاله.

 ولذلك فإن الإشارات الكونية والآيات القرآنية المتعلقة ببعض أشياء هذا الكون على إجمالها وتناثرها بين آيات الكتاب الحكيم، تبقى بيانًا من الله، خالق الكون ومبدع الوجود، ومن ثم فهي حقّ مطلق، وصورة من صور الإعجاز في كتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

 وإن هذا قد لا يتّضح إلا للراسخين في العلم من المتخصّصين في مختلف مجالات العلوم البحتة والتطبيقية، وحتى هؤلاء يظلّ إدراكهم يتّسع لذلك الإعجاز باتساع دائرة المعارف الإنسانية جيلاً بعد جيل، وعصرًا بعد عصر، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ . وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾(13).

 ومن هنا كان واجب المتخصّصين من المسلمين في مختلف مجالات المعرفة الإنسانية أن تنفر منهم طائفة للتسلّح بمستلزمات تفسير كتاب الله، وفق الشروط التي حدّدها علماء التفسير وأصوله، لشرح آيات الكتاب الحكيم، كل فيما يخصّه، حتى تستبين للناس جوانب الإعجاز في القرآن، لم يكن من السهل بيانها قبل عصر العلم الذي نعيشه.

 وانطلاقًا من ذلك الفهم، فإننا نرى أن المستقبل القريب سيكون له حتمًا حظّ عظيم في تبيان إعجاز جديد، بدأ يظهر لنا في عصرنا الحديث، وبدأت تتجلّى لنا دلالاته يومًا بعد يوم، وفتح الله علينا بالكشف عن جزء منه في هذا الكتاب، ونرى أن المستقبل سيظهره على شكله الكامل، ليكون حُجّة جديدة وبرهانًا مطلقًا على صدق القرآن الكريم وعلى صدق من بُعث به، وليثبت للعالم أجمع وبصورة مطلقة أن القرآن هو كلام الله العزيز، وأنه لا ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثله.

 ولكن بالرغم من الأدلة التي لا تدع مجالاً للشكّ في وجود هذا الإعجاز، إلا أننا سنجد من لا يبالي لمثل هذه النتائج، ولا يريد الأخذ بها كحُجّة وبرهان قاطع على صدق القرآن وصدق من بُعث به. ولقد ذكرنا في بداية هذا الفصل بعض الأسباب التي دعت مثل هؤلاء العلماء إلى اتخاذ موقفهم هذا.

إلا أن السبب الأساسي والحقيقي لهذا الإمتناع يكمن في قضية خطيرة، تتعلق ببحث لمنافق بهائي ادّعى الإسلام، وراح يروّج في العالم لتقديس العدد (19)، كما فعل الإغريق من قبله في تقديسهم للأعداد.


(1) فتح القدير للشوكاني، 5/330.

(2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 19/83.

(3) أبو بكر جابر الجزائري، أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، 5/469.

(4) سورة المدثر: 74/32-37.

(5) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، 19/85.

(6) الإمام عبد الملك الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الإعتقاد، ص331.

(7) ابن أبي الإصبع، بديع القرآن، ص307.

(8) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 4/311.

(9) سورة فُصلت: 41/53.

(10) كان أول من بسط القول في ذلك الإمام الغزالي (ت 505هـ) في كتابيه (إحياء علوم الدين) و(جواهر القرآن)، وتبعه في ذلك كثيرون، كان من أشهرهم في القديم العلامة الفخر الرازي (ت 606هـ) في تفسيره المعنون بـ(مفانيح الغيب)، وفي الحديث الشيخ طنطاوي جوهري (ت 1359هـ) في تفسيره المعنون بـ(الجواهر في تفسير القرآن الكريم).

(11) قارن مقدمة تفسير (المنار) للشيخ محمد رشيد رضا.

(12) انظر ابن عطية الأندلسي في مقدمة تفسيره، 1/278. وعبد الصبور شاهين في تقديم ترجمته لكتاب (الظاهرة القرآنية) للمفكر مالك بن نبي.

(13) سورة ص: 38/87-88.

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام