البابية والبهائية والملابسات

لقد ظهرت في إيران في القرن التاسع عشر فرقة ملحدة عُرفت بالبابية وانبثقت من الشيعة الإثنى عشرية على يد رجل يُدعى الميرزا علي محمد الشيرازي، الذي ظهر بفكرة الباب إلى المهدي المنتظر(1). وتلخّصت دعاوي هذا الملحد فيما يلي: (1) إدعى لنفسه أنه الباب والوسيلة للوصول إلى الإمام المنتظر الذي تنتظر الرافضة خروجه منذ مدة تزيد على أحد عشر قرنًا، (2) ثم تحوّل عن ذلك وزعم أنه هو بعينه الإمام المنتظر، (3) ثم تجاوز ذلك وزعم أنه نبي مرسل وأن له كتابًا أفضل من القرآن إسمه "البيان"، (4) وبعد ذلك تطور به الأمر وزعم أن الإله قد حلّ فيه(2).

 وعقد البابيون برئاسة هذا الملحد مؤتمرًا في عام (1848م)، حضره جميع زعماء البابية وأقطابها، وادّعوا فيه أن أحكام الشريعة المحمدية قد نُسخت بظهور الباب، وأن اشتغال الناس بالصوم والصلاة والزكاة وسائر ما أتى به محمد (صلى الله عليه وسلم) كله لغو، وأن الباب سيفتح "الباب"، وسيسخّر العباد، وسيوحّد الأديان، حتى لا يبقى إلا دينه الجديد. وقد ذكر المؤرخون أن جميع البابيين كانوا يعتقدون أن شريعة الإسلام التي جاء بها محمد (صلى الله عليه وسلم) نُسخت بمجيء الشيرازي(3).

 فبعد اجتماعهم المتواصل الذي استمر اثنين وعشرين يومًا خرجوا باعتقاداتهم الملحدة التي نذكر منها: (1) نسخ الشريعة الإسلامية والعمل على ذلك، (2) القول بالحلول والإتحاد والتناسخ، (3) إنكار جميع أمور الآخرة من القيامة والبعث والصراط والحساب والميزان والجنة والنار وغير ذلك(4)، (4) عدم الإيمان بعقيدة ختم النبوة بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

 والأمر الذي يهمنا هنا، بغض النظر عن هذه الخزعبلات والخرافات، هو تقديسهم للعدد (19): فهم يجعلون عدد الشهور (19) شهرًا، وعدد أيام الشهر (19) يومًا(5)، ويأمرون معتنقيهم بإبقاء الأموات في البيت (19) يوماً وليلة(6)، والعيد الرئيسي للبابية هو عيد النيروز الذي مدّته (19) يومًا(7).

 أما لماذا يقدّسون هذا العدد، فإنه بانبهار البعض من السخفاء بفكرة المهدية الإثنى عشرية، فإن عددًا من الذين اعتقدوا أن المهدي المنتظر قد ظهر حقًا، تركوا كربلاء وانتشروا في الأرض بحثًا عنه، فوصل بعضهم إلى شيراز والتقوا بعلي بن محمد في عام (1844م)، وكان الأخير قد أعلن دعوته وظهر بمقام المهدوية والقائمية وبأنه الباب.

 فخاطب هذا المدّعي أول شخص آمن به، والذي يُدعى الملاّ حسين بشروية من خراسان قائلاً: "يامن هو أول من آمن بي حقًا، إنني أنا باب الله وأنت باب الباب، ولا بد من أن يؤمن بي (18) نفسًا من تلقاء أنفسهم، ويعترفون برسالتي وسينشدني كل منهم على انفراد بدون أن يدعوهم أحد أو يُنبّههم إلى ذلك.

وعندما يتمّ عددهم يجب انتخاب أحدهم لمرافقتي إلى الحج إلى مكة والمدينة، وهناك أبلّغ الرسالة الإلهية إلى شريف مكة، ثم أرجع إلى الكوفة، وفي مسجد تلك المدينة اُظهر الأمر.. وسأُعيّن لكل من الـ(18) نفسًا رسالته ومهمته وساُعرّفهم كيفية تبليغ كلمة الله وإحياء النفوس"(8).

 ومن هنا كان تقديسهم للعدد (19)، فبالإضافة إلى الـ(18) الذين اختارهم الباب لتبليغ رسالته، يكون هو رقمهم الـ(19)، وإلى غير ذلك من الخرافات والأباطيل، التي لا يؤمن بها إلا المجانين والمعاتيه. وإن هذه الخرافات لم تقتصر على "الباب" وحده، في ادعائه النبوة والألوهية، وإنما ظهر في زمننا الحديث دجّال آخر من فصيلة البهائية يدّعي الشيء نفسه، ويعلن أنه رسول من عند الله!


(1) د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، عقيدة ختم النبوة بالنبوة المحمدية، ص202.

(2) د. ناصر القفازي، الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، ص157.

(3) د. صابر طعيمة، العقائد الباطنية، ص352. والبهائية والقاديانية للدكتور أسعد السحمراني، ص72

(5) إحسان إلهي ظهير، البابية: عرض ونقد، ص295.

(6) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، ص64.

(7) إحسان إلهي ظهير، البابية: عرض ونقد، ص208.

(8) البابية للحموي، ص32.

(9) محمد نبيل زرندي، مطالع الأنوار، ص50.

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام