إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ...

لقد ظهر في مدينة توسان، التابعة لولاية أريزونا بالولايات المتحدة الأمريكية، شخص يُدعى رشاد خليفة. هذا الرجل مصري الأصل، أمريكي الجنسية، حاصل على درجة الدكتوراة في الكيمياء الحيوية، تولى منصب الإمامة في مسجد مدينة "توسان" الأمريكية، لينطلق منه بدعوته البهائية الباطنية. فظهر بفكرة جديدة حول "الإعجاز" القرآني، وفصّلها في كتابين: الأول، رسالة صغيرة بعنوان "عليها تسعة عشر"، وهي خلاصة بدعته، وأما الثاني فصدر بعنوان "دلالات جديدة في القرآن"، وهو أوسع من الرسالة السابقة، وفيه مزيد من التفصيل والأمثلة والنماذج التي لفّقها رشاد خليفة لإقناع قارئيه بمعتقداته الباطنية. لقد اشتهر رشاد خليفة بنظريته حول الإعجاز العددي، والتي ارتكز فيها على العدد (19)(1).

 ولكن شهرته هذه لم تدم طويلاً، حيث صدرت ضده فتاوى كثيرة اتهمته بالردّة، بعد أن أصدر كتابًا ادّعى فيه أن كل الأحاديث النبوية صادرة عن إبليس، وأنه لا يعترف بالسنّة النبوية، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم النبيين ولكنه ليس خاتم الرسل، حتى وصل به الأمر في نهاية المطاف إلى الإدعاء بأنه رسول من الله للأمريكان وللعالم في القرن العشرين(2).

وبقي هذا المغرض ملاحَقًا من قبل الجماعات الإسلامية، إلى أن تمّ اغتياله على يد أحد المسلمين في عام (1990). ومع أن الإتجاه في التفريق بين القرآن والحديث ليس بجديد(3)، إلا أن بحث المنافق رشاد خليفة يعكس أمورًا في غاية الخبث والخطورة.

 فقد جعل هذا المنافق نصب عينيه هدفًا محدّدًا يقوم بالأساس على خدمة العدد (19)، الذي تُبنى عليه عقيدته البهائية، محاولاً بذلك الإستشهاد لافترائه هذا من القرآن الكريم. وإن كل من يقرأ بحوث هذا المنافق يجد أنها تقوم على المزاجية والهوى، فالمهم عنده هو أن تكون نتيجة أية عملية حسابية للأعداد القرآنية قابلة للقسمة على (19).

 فنراه أحيانًا يجمع بين رقمين أو عدة أرقام، وأحيانًا يضرب أرقامًا مع أرقام، وأحيانًا يطرح أرقامًا من أرقام، فينظر في نتيجة الجمع والضرب. فإذا لم يقبل المتحصّل القسمة على (19)، نفاه وألغاه، وهكذا.. إلى أن وصل به الحدّ بحذف آيتين من سورة التوبة، وهما الآيتان (128) و(129)، لأنه عندما قام بجمع آيات السور القرآنية، وجد أن مجموعها الكلّي لا يقبل القسمة على (19)، فراح يبحث عن مخرج من مأزقه هذا، وادعى أن هاتين الآيتين دخيلتان على القرآن وأنهما لم تنزلا على الرسول صلى الله عليه، وعليه فيجب حذفهما منه(4)!

 ولا نريد أن ندخل في نفاق الرجل وفيما نتج عنه من ضرر للإسلام والمسلمين، ولكن لا بدّ للمسلم أن يعلم أن ما جاء به رشاد خليفة لدعم بدعته هذه، ما هو إلا دجل وتلفيق. وقد أراحنا الله منه ومن مكره. فلا علاقة لقضية الإعجاز العددي في القرآن ببحث رشاد خليفة المتخلّف، مع أنه أساء لها عند بعض المسلمين وغيرهم، وعلى القاريء أن يدرك أن هذه القضية لا تشهد للعقيدة البهائية بشيء يُذكر، وإنما هي فتنة، كما عرّفناها من قبل(5). إنها فتنة ليميز الله بها الخبيث من الطيّب، وليظهر بها البراهين والأدلة، ليقوى بها اليقين ويزيد بها الإيمان.

 فقد جاء تلفيق هذا المنافق بهدف الدسائس المعهودة من المستشرقين وأعوانهم لطمس نور هذا الدين، والله الغالب على أمره. فلا ننسى ما فعله المستشرقون في النصف الأخير من القرن الماضي، عندما أدخلوا في عقول المسلمين ثبوت الشمس، وأخفوا عنهم حقيقة دوران الأرض، فهلع المسلمون دفاعًا عن قرآنهم، دون علم ودراية بمستجدّات العلم الحديث. فبعد أن زعم المستشرقون، كعادتهم، وجود أخطاء في القرآن، وعمدوا إلى قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾(6)، جاهدين استخراج خطأ من هذه الآية الكريمة.

 فما كان من علمائنا إلا إصدار فتوى بتكفير القائلين بثبوت الشمس ودوران الأرض، دون تحقيق أو بحث أو تحرّي، ودون تقديم ما تستلزمه الحُجّة من دليل وبرهان! خصوصًا وأن هذه الفتوى وسمت المخالف لها بالكفر والضلال والردّة عن الإسلام. وليس هنا المقام للتعليق على الأسباب التي دعت العلماء بتقديم فتوى من هذا القبيل، إلا أن الأمر بات يخصّ كل مسلم في الدفاع عن القرآن. فنحن نعلم كيد المستشرقين والمنافقين، ولا تخفى على أحد طرقهم في بثّ الفساد بديار المسلمين. وإن إصدار حكم على أمر جهله أو يتجاهله العلماء، فهذا ما لم يأت الله به من سلطان.

فها هو الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة السعودية سابقًا، ينشر كتابًا بعنوان "الأدلّة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض"، من مطبوعات الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة سنة (1976).

 حيث أصدر شيخنا الفاضل رحمه الله تعالى في كتابه هذا فتوى كفّر فيها كل من قال بأن الشمس ثابتة وأن الأرض تدور حولها، ونُشرت هذه الفتوى في الصحف المحلية آنذاك تحت عنوان "الشمس جارية والأرض ثابتة". ورغم كل الجهود الحثيثة التي بذلها لفيف من العلماء وذوي الرأي آنذاك في إقناع الشيخ بخطئه، إلا أنه ظلّ مصرًّا على فتواه.

 ولا زالت الفتوى مثبّتة في مجموع فتاوى الشيخ حتى يومنا هذا، يتناقلها الناس داخل المملكة وخارجها. بل وتعاضد مع العلامة ابن باز في فتواه فضيلة الشيخ ابن صالح العثيمين رحمهما الله، وهو معدود أيضًا من كبار العلماء الأفاضل بالمملكة، فنجده ينصح في فتواه مدرّسي مادة الجعرافيا بعدم تدريس مادة دوران الأرض للطلبة(7).

ولم يقف حال علمائنا عند هذا الحدّ، فالشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد يؤلّف كتابًا آخرًا في نفس الموضوع بعنوان "هداية الحيران في مسألة الدوران"، يرى فيه أن العلوم المعاصرة عامّة هي "علوم مفسدة للإعتقاد كالقول بدوران الأرض، وغيره من علوم الملاحدة"(8)، ويختم رؤيته هذه بأن "القول بدوران الأرض أعظم من اعتقاد تسلسل الإنسان من القرود بكثير"(9)! ويكمل فتواه قائلاً: "كل دليل من الكتاب والسنة على دوران الأرض هو تأويل باطل"(10). مع العلم أنه لم يذكر آية واحدة ولا حديثًا نبويًا شريفًا، وإنما كان الدليل: "قال شيخ الإسلام"! فإنا لله وإنا إليه راجعون. ماذا جرى لعلماء الأمّة؟

 هل ما زلنا اليوم نحتاج إلى دليل لإثبات دوران الأرض وكرويّتها؟! وأين نحن وأين شيخ الإسلام؟ فهل يمكن مقارنة العلوم المتحصّلة اليوم بالعلوم التي كانت سائدة في زمن شيخ الإسلام؟ ألا يؤمن علماؤنا بتجدّد الإكتشافات والمعطيات العلمية؟ وإلا فلماذا لا يأتون بجديد في تأصيل القواعد المنهجية، كما فعل أسلافنا الكرام في تحقيقاتهم؟ أليسوا هم الذين علّمونا بأنفسهم أن العلم والإيمان شعبتان لا انفصال بينهما في الطريق إلى الحقّ واليقين؟ هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن ما ينطبق على مسألة دوران الأرض، يحلّ أيضًا على موقف بعض علمائنا من قضية الإعجاز العددي في القرآن، والتي نحن بصددها هنا.

فنجد مثلاً فضيلة الشيخ الدكتور خالد السبت، وهو أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بقسم العلوم الإنسانية بكلية الملك خالد العسكرية في المملكة السعودية، ينشر مقالاً عبر شبكة الإنترنت، يكتب فيه: "وهذا النوع من الإعجاز (أي العددي) باطل جملة وتفصيلاً، إذ لم يكن معهودًا لدى المخاطبن بالقرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أعلم الأمّة بكتاب الله، وأبرّها قلوبًا، وأكثرها صوابًا، فلم يُنقل عن أحد منهم بإسناد صحيح شئ من هذا القبيل إطلاقًا، ولو كان هذا من العلم المعتبر لكانوا أسبق الناس إليه، وأعلم الأمّة به، وذلك أن هذا الأمر لا يتطلّب آلات وتقنيات حتى يتمكّن الإنسان من اكتشافه.. وإنما هو مجرّد إحصاء وعدد، وهذا أمر لا يُعْوِز أحدًا. فكيف خفي عليهم هذا العلم جملة وتفصيلاً وعرفه مَن بَعدَهم؟ هذا لا يكون أبدًا".

 لا نعتقد أن هذه الملاحظة الأولى تستحقّ منا تعليقًا طويلاً، فكأنّما فضيلته يبني منطقه وفقًا لمذهب الذين قالوا من قبله: ﴿..مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾(11)! أو كأنّه نسي أنه لا تصحّ المطالبة إلا بما يُتصوّر وجوده، وما يدخل في حيّز الممكن. يقول ابن مسعود رضي الله عنه: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم"(12).

فهل توقّع أستاذنا أن يوحي الله تعالى إلى رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم بأن يخبر الناس في ذلك الزمان بما سيتمّ الكشف عنه في آخر الزمان؟ وإلا فما هي الفائدة من التقدّم العلمي إذن؟ وما هو السرّ إذن في كون القرآن معجزًا إلى قيام الساعة؟ ومن ثمّ، أفلا يعتبر الدكتور الفاضل أن تطوّر العلوم وتوسّع دائرة المعارف الإنسانية بات أمرًا مفروغًا منه. ثم إن علماءنا قد أقرّوا أن من حقّ المنع إذا جُعل آية وبرهانًا، ولا سيّما للنبوّة، أن يكون في أظهر الأمور، وأكثرها وجودًا، وأسهلها على الناس، وأخلقها بأن تبين لكل راء وسامع"(13). فما هي أظهر الأمور في زماننا بنظر الدكتور الفاضل؟ وما هي أكثرها وجودًا، وأسهلها على الناس، وأخلقها بأن تبين لكل راء وسامع؟

 وإن تعجب، فاعجب أيضًا للملاحظة الثانية التي أبداها فضيلته، حيث يقول: "وما يذكره بعضهم من أمثلة على هذا الإعجاز المزعوم كثير منه لا يصحّ فيه العدّ أصلاً، وما كان العدّ فيه صحيحًا فإنه ما يُذكر معه إنما هو من باب الموافقة والمصادفة. ولا يعجز الإنسان إذا أحصى أمورًا كثيرة مما ورد في القرآن مثلاً، كعدد المرات التي ذُكرت فيها الجنة، والنار، والبر، والأبرار، والخير، والشر، والنعيم، والجزاء، والعذاب، والمحبة، والبغض، والكفار، وأصحاب الجنة، وأصحاب النار، والمؤمنون، والكفار..

 فإذا أحصيت ذلك كله ستجد أشياء منه تستطيع أن تلفّق منها بعض الفِرَى، فقد تتساوى بعض الأعداد، أو يكون بعضها على النصف بالنسبة لغيره، وهكذا مما لا يعجز معه أهل التلبيس من إيجاد وجوه للربط بينها، يطرب لها بعض السذّج والمغفّلين.. وليس المقصود هنا التفصيل فيما يُسمّى بـ(الإعجاز العددي)، ولكني رأيت بعضهم يحتجّ له بأن الله جعل خزنة النار تسعة عشر، وهذا لحكمة يعلمها الله تعالى، ولكن ما وجه الإعجاز في ذلك؟.."(14).

 فهل يدّعي فضيلته أن كلمات الله تعالى في القرآن الكريم وُضعت عبثًا من قبيل المصادفة؟ أم ماذا؟ ومن ثمّ، ألم يطّلع الشيخ على مصنّفات علمائنا التي تعرّضنا لها في الفصل الأول من هذا الكتاب؟ حيث رأينا أن كثيرًا منهم قد خاضوا في الإحصائيات القرآنية. وإلا فلماذا يدّعي أنه لم يُنقل عن أحد منهم شيء من هذا القبيل؟

 فإذا رأى فضيلته أن الإعجاز العددي لا يطرب له إلا السذّج والمغفّلين، فلينظرنا بدليل وبرهان على ما يذهب إليه، وإلا فهو مبطل بنصّ حكم الله تعالى.

 فنحن، معشر المسلمين، نعرف الحقّ من الباطل بالنظر، ونعرف الكفر من الإيمان بالنظر، ونعرف الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالنظر، ونعرف أن التأسي بلا برهان باطل ولا معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك بالنظر. وبالجملة فالناس من عهد آدم عليه السلام إلى منقرض العالم إذا نزلت بهم نازلة يرجعون إلى النظر والفكر، سواء في أمر الدين أو الدنيا، ويقول بعضهم لبعض: انظروا وتفكّروا، ولا يقولون: اسمعوا وتفكّروا، فلولا أنه طريق واضح ومنهج لائح لما فزعوا إليه(15).

 وإن هذه الحاجة الماسّة إلى النظر تبلغ أوجها، عندما نجد أن مِن العلماء مَن لم يكتف بجعل القضية محصورة في قالب كنايات قبيحة فحسب، بل وتعدّاها إلى وصف مَن خاض في هذا المجال بالضلال والكفر. فها هو فضيلة الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى يفيض في شرحه عن العدد تسعة عشر، فيقول: ".. وهذا هو نفس المنطق الإيماني الذي كان يجب أن يُقابَل به العدد (19)، من أن مشيئة الله أرادت أن يكون الملائكة حول النار تسعة عشر.. كما أرادت هذه المشيئة أن يكون حملة العرش ثمانية.. وكل ما يُقال خلاف ذلك كلام من باب المجادلة دون الوصول إلى شيء.."(16).

 ثم يقول فضيلته بعد هذا التقديم: "ومن هنا يصف الله كل من يُفتن بهذا العدد، أو يحاول أن يفتن به الناس من الذين كفروا"(17). وبعد أن يكفّر الخائضين في خصوصيّة هذا العدد، يقول: "وبذلك نعرف أن كل العبث الذي يُقال عن رقم (19) إنما هو نوع من الإضلال والضلال"(18).

فسبحان الله العظيم! أهكذا علّمنا علماؤنا الدفاع عن الإسلام والقرآن؟ ألم يكن من الحريّ بهم أن يتحقّقوا أول ذي بدء من صحّة ما توصّل إليه العلم من حقائق، وأن يتفحصّوا بأنفسهم مصداقية الأدلّة التي يسوقها المغرضون والمنافقون؟ ألم يأمرنا الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلتُمْ نَادِمِينَ﴾(19)؟ فكيف يُصدر علماؤنا أحكامًا بالتكفير والتضليل على من خاض في علم لم يفتح الله به عليهم، ولم يجعل لهم منه نصيبًا؟

 أولم يكفهم ما أقرّه علماؤنا السابقون بأن "علوم القرآن وإن كثر عددها وانتشر في الخافقين مددها، فغايتها بحر قعره لا يُدرك ونهايتها طود شامخ لا يُستطاع إلى ذروته أن يُسلك. ولهذا يُفتح لعالِم بعد آخر من الأبواب ما لم يتطرّق إليه من المتقدّمين الأسباب"(20)؟

 ولعلّ هذا الذي قصده أستاذ الدراسات القرآنية الدكتور فهد الرومي في قوله: "إننا بحاجة في هذا العصر لمؤلَّف في التفسير العلمي التجريبي، تؤلّفه مجموعة من العلماء في الشريعة وفي التفسير وفي اللغة وفي العلوم الحديثة، يجتمعون ويقرّرون ما يوافق الحقائق القرآنية ذات الدلالة الصريحة ويضمّون إليها الحقائق العلمية الثابتة التي قرّ قرارها وأمن ثبوت زيفها وبطلانها. يثبتونه لا على أنه تفسير وإنما كشاهد وزيادة بيان لمعاني الآية ومدلولاتها".

والسبب الذي ألجأ الدكتور الرومي إلى هذا المطلب، أنه نظر إلى المؤلّفات الموجودة، فوجدها "إما لعالِم في الشريعة يخطيء في العلوم الحديثة فيثبت ما لم يثبت، وإما لعالِم في العلوم الحديثة يجهل أصول التفسير ولا يدري من أمرها شيئًا، فيحمّل الآية ما لا تحتمل ويوجّهها إلى ما لا تتّجه إليه"(21).

 ولذلك نعود ونقول: إن كل مَن أغمض عينيه عن أيّة حُجّة قرآنية، أو أي دليل إعجازي في كتاب الله، فلا حُجّة له، وهو إنما يجعل بينه وبين كتاب الله تعالى جدارًا، لن يزول إلا إذا أدرك أن عمق ما يحمله القرآن الكريم من أدلّة ومعجزات لا قعر له، وأن ساحة المعاني التي تحملها كلمات الله تعالى في القرآن الكريم لا يمكن الإحاطة بها، وأن الإتهامات التي لا يفقه بعضهم حتى معناها لن تمنع من إظهار الحقائق القرآنية الموجودة أصلاً في كتاب الله، شاء المعارضون أم أبَوْا.

 فهل من عاقل يشكّ في أن مشيئة الله أرادت أن يكون عدد الملائكة حول النار تسعة عشر؟ أو أن مشيئته تعالى أرادت أن يكون عدد حملة العرش ثمانية؟ فنحن لا نناقش في هذا ولا ذاك، ولا نجادل في مسألة المشيئة الإلهية، ولا نعبث في أنواع الكلام، وإنما نسوق حقائق بالدليل والبرهان على النسق العددي العجيب الذي نشاهده في ثنايا القرآن العظيم، والذي نعتبره من أهم العناصر التي تؤكّد قطعيًا ونهائيًا أن العدديّة في القرآن علم قائم بذاته، وأنها ستكون حُجّة الله لكتابه في هذا العصر والعصور القادمة إن شاء الله تعالى!

 ذلك أن الإعجاز القرآني لا يقتصر على فهم أحد، ولا يتحدّد بعلم أحد، ولا يعنينا لا من قريب ولا من بعيد أي تأويل فاسد يخالف مراد النصّ القرآني، ولسنا مستعدّين لإنكار حقائق يحملها القرآن الكريم، لإرضاء مَن لا يرضى إلا بقتل العقل وانصياع الآخرين لأهوائه وتصوّراته..

فهذا الإعجاز القرآني المتجدّد يتحدّى بكل عظمة وثبات ما يُعتبر في الأوساط العلمية بإله القرن الحديث، ألا وهو علم الرياضيات. ولذلك نجد أن القرآن يكلّم علماء اليوم بلغة هم الذين جعلوا منها السبيل الوحيد في الوصول إلى الحقيقة المطلقة.

 وإن هذه اللغة تريهم حقّ الرؤية أن القرآن ليس من وضع البشر، بل وحي من عند الله سبحانه وتعالى، وهي نفسها تشهد وتقيم الحُجّة القطعية عليهم أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبد الله ورسوله، بلّغ الرسالة وأدّى الأمانة كاملة تامّة، وتبيّن لهم حقّ البيّنة مصداق قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾(22).

 ومن ثم توضّح لنا الأسرار التي لم يعرفها ولم يكشف عنها أسلافنا الكرام من العلماء والباحثين، والتي وعد الله سبحانه وتعالى بالكشف عن أجزاء منها ذات يوم، كما جاء في قوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾(23)، وفي سورة "ص": ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾(24)، وفي سورة "فُصلت": ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(25).

 ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نورد هذا المثال الرائع الذي أورده المهندس عدنان الرفاعي في مقدمة كتابه (المعجزة)، للردّ على الذين ما زالوا يشكّكون في مسألة الإعجاز العددي، إذ يقول: "عندما وصلت إلى سورة نوح، قمت بعدّ حروفها من المصحف الذي أصدرته الدار الشامية للمعارف بالإشتراك مع دار الملاح لأنني حينها لم أكن مهتديًا بعد إلى مصحف المدينة المنورة. 

وقبل أن أعدّها كنت على يقين أنها (950) حرفًا، لأنها هي السورة الوحيدة في كتاب الله تعالى من السور المسمّاة بأسماء الرسل، التي تتحدّث من أول كلمة فيها إلى آخر كلمة عن الرسول الذي سُمّيت بإسمه، وخصوصًا أن نوح عليه السلام هو الوحيد في كتاب الله تعالى الذي ذُكرت مدّة لبثه في كتاب الله تعالى وهي كما نعلم (950) عامًا.

 قمت بعدّ حروف هذه السورة الكريمة فوجدتها (949) حرفًا، وكانت الصدمة.. فهناك حرف ناقص، أين هو؟ وبعد أن هداني الله تعالى إلى مصحف المدينة المنورة، وجدت الحرف الذي سقط وللأسف سهوًا من السيد عثمان طه ومدققي هذا المصحف والمشرفين على طباعته، مع العلم أن السيد عثمان طه هو ذاته الذي قام بخط مصحف المدينة المنورة. الحرف الذي سقط سهوًا أيها السادة هو حرف الألف من كلمة نهارًا في الآية التالية: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَارًا﴾(26).

 ففي مصحف الدار الشامية ودار الملاح عندما تمّ خط المصحف الكريم كُتبت كلمة ﴿نَهَارًا﴾ على الشكل ﴿نَهرًا﴾ أي بألف خنجرية بين حرفي الهاء والراء، وهي كما بيّنا لا تُعَدّ حرفًا مرسومًا في القرآن الكريم، بينما الكلمة كما نراها في مصحف المدينة المنورة تحتوي على هذه الألف".

 ثم يعقّب الرفاعي على كشفه هذا قائلاً: "لقد سقطت هذه الألف من هذه الكلمة مع العلم أنه قام بالإشراف على طباعة هذا المصحف وتدقيقه مجموعة كبيرة من السادة المشايخ ومجموعة أكبر من إدارات الإفتاء والبحوث الإسلامية والعلمية ووزارات الأوقاف، في أكثر من دولة عربية.. وأنا أقول للسادة، من الذي اكتشف هذا الحرف الذي سقط سهوًا من بين أيديكم؟

هل الذي اكتشفه ما تعرضون في نقدكم من روايات تثبتون بها صحة ثبوت النصّ القرآني، أم المنهج الإعجازي الذي هدانا الله تعالى إليه في النظرية الأولى (المعجزة)؟ فلو بقيتم مليون عام تُحقّقون وتحفظون وتشرحون وتختصرون الروايات التي توردونها دليلاً على صدق انتماء الكلمة القرآنية للقرآن الكريم، هل بإمكانكم اكتشاف هذا الحرف الذي سقط من بين أيديكم؟ سأدع الإجابة للأخوة القراء.."(27). (انتهى كلام المؤلف).


(1) رشاد خليفة، الإعجاز الرقمي في القرآن.

(2) Rashad Khalifa, Quran, Hadith and Islam, Islamic Productions, Tucson, 1982

(3) يدّعي هذا الإتجاه الملحد أن القرآن هو وحده كلام الله، وله وحده الطاعة، وأما الحديث فأكثره ملفّق ومنسوب زورًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فلا طاعة له. ومن بين المؤيّدين المعاصرين لهذا التيار هو الليبي مصطفى كمال المهدوي، الذي ألّف كتابًا بعنوان (البيان بالقرآن)، شرح فيه موقفه وموقف زعيمه من هذا الإتجاه.

(4) رشاد خليفة، الإعجاز الرقمي في القرآن، تحت عنوان "التلاعب بكلمة الله"، الملحق 24.

(5) انظر إرشاد القرآن والسنّة لابن قيّم الجوزية، ص63.

(6) سورة يس: 36/38.

(7) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، ط2، الفتاوى 24-25، 1/26-27

(8) فضيلة الشيخ عبد الكريم بن صالح الحميد، هداية الحيران في مسألة الدوران، ص11.

(9) المصدر السابق، ص32.

(10) المصدر السابق، ص33.

(11) سورة: 23/24.

(12) د. محمد بركات، دراسات في الإعجاز البياني، ص16.

(13) عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ضمن الرسالة الشافية، ص621-622.

(14) د.خالد السبت، دعوى الإعجاز القرآني في حادثة مركز التجارة في أمريكا، على شبكة الإنترنت: http://www.islamselect.com/conts/tafsear_oloomqoran/daawaaleegazalgoraani.htm

إذا لم يدرك فضيلة الدكتور السبت الحكمة من العدد (19) حتى هذه اللحظة، فننصحه أن يتدبّر جيدًا فيما سيأتي في الفصول القادمة عن الحكمة من اختيار هذا العدد العجيب ومدى إعجازه!!! وليعلم أنه لا صدفة في كتاب الله، وأن الذين وصفهم بالسذّج والمغفّلين "جريمتهم" أنهم تدبّروا القرآن كما أمرهم ربّهم!

(15) انظر دلائل التوحيد للقاسمي، ص8-9.

(16) فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، معجزة القرآن، 7/143.

(17) المصدر السابق، 7/144.

(18) المصدر السابق، 7/146.

(19) سورة الحجرات: 49/6.

(20) جلال الدين السيوطي، التحبير في علم التفسير، ص28.

(21) د. فهد بن عبد الرحمن الرومي، إتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، 3/702.

(22) سورة الإسراء: 17/88.

(23) سورة النمل: 27/93.

(24) سورة ص: 38/88.

(25) سورة فُصلت: 41/53.

(26)  سورة نوح: 71/5.

(27) المهندس عدنان الرفاعي، المعجزة.

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام