خزنة النار وحملة العرش

ولنعد الآن بعد هذا الشرح المفصّل إلى بداية تساؤلاتنا حول عدّة الملائكة التسعة عشر الكرام. فهل نجد مدلولاً آخرًا لهذا العدد في القرآن الكريم؟ لقد سبق وأشرنا إلى أن عدد الملائكة لا يعلمه إلا الله عزّ وجلّ، فهم لا يُحصون في عالم المخلوقات لكثرتهم الكاثرة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾(1)، وكما ورد عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر: "أطّت السماء، وحُقَّ لها أن تئطّ، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع"(2).

 وعند الرجوع إلى القرآن الكريم نجد أن مِن الملائكة مَن ذكرهم الله تعالى بأسمائهم، مثل جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام، وأن منهم من ذكرهم وفقاً للأعمال والوظائف التي يقومون فيها بأمره سبحانه، مثل الملائكة الموكلين بتصوير النطفة وتطويرها ونفخ الأرواح في الأجنة، والملائكة الموكلين بمراقبة أعمال المكلفين وكتابة أقوالهم وأفعالهم، والملائكة الموكلين بقبض الأرواح.. إلخ.

 وقد أشرنا في موضع سابق أن لفظ "الملائكة" تكرّر في كل القرآن الكريم (88) مرة. فعند الرجوع إلى هذه التكرارات نجد من بينها (5) آيات فقط التي اقترن فيها ذكر الملائكة الكرام بعدّتهم: ثلاثة من هذه الآيات خصّت عدد الملائكة الذين يمدّهم الله تعالى للقتال في صفوف المؤمنين بالحياة الدنيا: (ثلاثة آلاف، خمسة آلاف، وألف)(3)، آية واحدة خصّت عدد الملائكة التسعة عشر الموكّلين على حراسة النار(4)، وآية واحدة خصّت عدد الملائكة الثمانية الموكّلين على حمل عرش الرحمن يوم القيامة(5). وإننا لنجد علاقات عجيبة بين هذه الأعداد التي خصّ الله تعالى بها ملائكته الكرام، ونريد هنا أن نكشف عن جزء منها، وخاصّة عن تلك التي خصّت حملة العرش الثمانية وخزنة النار التسعة عشر.

 لقد جاء العدد (19) في الآية (30) من سورة المدثر، التي رقم ترتيبها في القرآن هو (74): ويقول فيها سبحانه: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ.. وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً﴾. وأما بالنسبة للعدد (8)، فنجد أنه تكرّر في القرآن (4) مرات، إلا أنه خصّ مرّة واحدة عدّة الملائكة الموكّلين على حمل عرش الرحمن يوم القيامة، وذلك في الآية (17) من سورة الحاقة، التي ترتيبها في القرآن (69)(6)، والتي يقول فيها سبحانه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.

 ولقد بيّنا في فصل سابق أن العدد (19) هو عبارة عن العدد الأولي رقم (8): (2، 3، 5، 7، 11، 13، 17، 19). وهذا التوافق لا يمكن أن يكون محض صدفة! ذلك أن العلاقات العددية بين هاتين السورتين كثيرة ولا تُحصى. وأول ما يلفت انتباهنا أن مجموع كلمات سورة المدثر من الآية (1) حتى الآية (8)، يساوي (19) كلمة.

 ثم نجد أن عدد كلمات سورة المدثر ابتداءًا من الآية (1) وحتى قوله تعالى ﴿عَشَرَ﴾ في ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، يساوي بالضبط عدد كلمات سورة الحاقة من الآية (1) وحتى قوله تعالى ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ في: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، والذي يساوي (95) كلمة! أي أن آخر كلمة في كل من هاتين الآيتين هي عبارة عن الكلمة الـ(95) من بداية السورة. وذلك مع العلم أن (95 = 19 × 5)، وأن سورة المدثر هي السورة الـ(5) بعد سورة الحاقة.

ونجد أيضًا أن عدد الحروف في سورة المدثر، وذلك ابتداءًا من الآية (1) إلى قوله تعالى ﴿عَلَيْهَا﴾، أي قبل لفظ ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، يساوي (361) حرفًا، وهو عبارة عن (19 × 19)!

 وإن العلاقات القائمة بين العددين (8) و(19) تتجلّى لنا حتى في السورة التي رقم ترتيبها في القرآن هو (19)، والتي سبق أن بحثنا جزءًا من العلاقات الكامنة فيها. فبعد أن أيقنت مما مضى أن العدد (19) هو العدد الأولي رقم (8)، إليك هذه النتائج المتحصّلة: لقد ذكرنا أن إسم مريم عليها السلام قد تكرّر في كل القرآن الكريم (34) مرة. وإنه من العجب أن نجد في سورة مريم (8) آيات فقط التي تكوّنت بدورها من (34) حرفًا، وهي: (25، 30، 34، 36، 40، 47، 71، 81).

 ثم نجد أيضًا أن لفظ الجلالة "الله" قد تكرّر في سورة مريم (8) مرات في الآيات التالية: (30، 35، 36، 48، 49، 58، 76، 81). ولقد علمنا أن لفظ الجلالة "الرحمن" ورد في سورة مريم (16) مرة، إلا أنه جاء في (8) آيات رقمها في السورة يُعتبر زوجيًا: (18، 26، 44، 58، 78، 88، 92، 96)، وفي (8) آيات رقمها في السورة فردي: (45، 61، 69، 75، 85، 87، 91، 93)! وقد ذكرنا من قبل أن سورة مريم تكوّنت من (98) آية كريمة، فعند الرجوع إلى السورة رقم (98) نجد أن إسمها البينة، وأنها تكوّنت من (8) آيات(7). ثم نجد أنه من مجموع تكرارات إسم مريم في كل القرآن الكريم جاء إسمها عليها السلام (8) مرات فقط ضمن آيات أو سور، يُعدّ ترتيبها من مضاعفات العدد (19): (4:171، 4:171، 5:114، 19:16، 19:27، 19:34، 43:57، 57:27). فإذا قمنا الآن باستخراج معاملات العدد (19) من هذه الأرقام نحصل على:

4 × 171 = 684 = 19 × 36

4 × 171 = 684 = 19 × 36

5 × 114 = 570 = 19 × 30

16 × 19 = 304 = 19 × 16

27 × 19 = 513 = 19 × 27

34 × 19 = 646 = 19 × 34

43 × 57 = 2451 = 19 × 129

27 × 57 = 1539 = 19 × 81

 وعليه فيكون مجموع المعاملات الأساسية للعدد (19) ضمن هذه الأرقام مساويًا لـ(36 + 36 + 30 + 16 + 27 + 34 + 129 + 81 = 389). والعجيب في الأمر أن العدد (389) هو العدد الأولي رقم (77)! وهذا العدد يساوي مجموع أرقام الآيات التي جاء فيها إسم مريم عليها السلام في السورة، وهي: (16 + 27 + 34 = 77)! ومن ثمّ، فإن السورة الوحيدة التي تكوّنت من (77) آية كريمة في كل القرآن، هي سورة الفرقان، التي رقم ترتيبها في القرآن يساوي (25)، وذلك مع العلم أن (77 × 25 = 1925)!


(1) سورة المدثر: 74/31. ثم لاحظ أن هذه العبارة التي وصفت الحكمة من تخصيص العدد (19)، تتكوّن بنفسها من (19) حرفًا!

(2) أخرجه الترمذي: كتاب الزهد، باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم، رقم 2312.

(3) سورة آل عمران: 3/124، سورة آل عمران: 3/125، سورة الأنفال: 8/9.

(4) سورة المدثر: 74/30-31.

(5) سورة الحاقة: 69/17.

(6) لاحظ أن: 74 + 30 + 69 + 17 = 190 = 1 + 2 + 3 + ... + 19 = 19×10.

(7) مع العلم أن كلمة "البيّنة" وردت في كل القرآن الكريم (19) مرة بالضبط، وأن حساب جمّل كلمة "البينة" يساوي 1+ 30 + 2 + 10 + 50 + 5 = 98، وهو رقم السورة في القرآن!

 

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام