الحمد لله رب العالمين ...

الجواب عن السؤال الثالث: بعد ((بِسْمِ اللَّهِ)) وبين ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) الأولى و((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) الثانية جاءت في فاتحة الكتاب آية ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، لتقرّر ثبوت الثناء المطلق لله تعالى وحده. ولتشير إلى أنه ليس هناك شيء من الكائنات إلا وقد شملته التربية الإلهية في جميع أطواره، ومن جميع نواحيه، في ذاته وخواصّه، في وجوده وبقائه، وفي تمكينه ونفعه. فتربيته تعالى عمّت جميع الكائنات والموجودات، وأعطى كل شيء منها نهاية ما يطلبه استعداده ومركزه في مراتب هذا الوجود.

 والإنسان الذي جعله الله في أقصى درجات هذا الوجود المادي، ومنحه مركز الخلافة في الأرض، قد ربّاه سبحانه وتعالى وفق هذه التربية الكونية العامة تربية نفسية وعقلية سبيلها النظر في الكون، الذي بثّ فيه ما لا يُحصى من دلائل وبراهين على ربوبيّته سبحانه، ثم ربّاه تربية تشريعية سبيلها الوحي. فبعث الرسل هادين ومرشدين، مبشّرين ومنذرين، دالّين الإنسان إلى معرفة ربّه المستحقّ للحمد دون سواه.

 وفي هاتين التربيتين، الخلقية والتشريعية، إيحاء قويّ للإنسان كيما يُعمِل عقله في هذا العالم ليدرك نواحيهما من حيث استحقاق الله سبحانه وتعالى للحمد واختصاصه بالثناء.

فعلى الإنسان أن يبحث عن أسرار الله في نفسه، وفي المخلوقات من حوله، ومن ثم الإستدلال عليها من طريق التشريع الإلهي، الذي يعصمه من الزلل ويؤازره في إدراك الحق والعمل به. وقد صرّح القرآن الكريم بهذا الإيحاء في آيات كثيرة حثّت الإنسان على النظر في ملكوت السموات والأرض، وما خلق الله من شيء، كي يدرك الإنسان جهات هذه التربية، ويؤمن عن علم وبرهان أن الله سبحانه هو رب العالمين، وأنه المستحق للحمد والثناء دائمًا وأبدًا.

 ولذلك نجد من طريقة القرآن الحكيم أنه يناظر في مواضع عديدة بين تنزيل الكتاب المبين وبين خلق الكون العظيم. ونريد أن نبيّن هنا وجهًا من وجوه هذا الإحكام في آيات الحمد.

 ذكرنا في البداية أن كلمة ((الحمد)) وردت في كل القرآن الكريم (38) مرة، حيث جاءت (24) مرة منها مقترنة بإسمه تبارك وتعالى: ((الحمد لله))، و(14) مرة جاءت مقترنة بلفظ ((رب)) أو ((له)). وفي هذا السياق لفتت انتباهنا إشارات عديدة، نذكر منها ما يلي: أولاً، نلاحظ أنه من مجموع التكرارات الـ(24)، جاءت كلمة ((الحمد)) مقترنة بعبارة ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ في (6) مواضع في القرآن، هي: الآية (2) من سورة الفاتحة (1)، والآية (45) من سورة الأنعام (6)، والآية (10) من سورة يونس (10)، والآية (182) من سورة الصافات (37)، والآية (75) من سورة الزمر (39)، وفي الآية (65) من سورة غافر (40).

 وهذا يعني أن كلمة ((الحمد)) وردت مقترنة بإسمه تعالى ﴿الْحَمْدُ للهِ﴾، دون ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، بنسبة (24 – 6 = 18) مرة في القرآن الكريم:  

المواقع التي وردت فيها كلمة "الحمد" مقترنة بلفظ الجلالة الله

الرقم

1

2

3

4

5

6

7

8

9

السورة

6

7

14

16

17

18

23

27

27

الآية

1

43

39

75

111

1

28

15

59

الرقم

10

11

12

13

14

15

16

17

18

السورة

27

29

31

34

35

35

39

39

45

الآية

93

63

25

1

1

34

29

74

36

 

المواقع التي وردت فيها عبارة "الحمد لله رب العالمين"

الرقم

1

2

3

4

5

6

السورة

1

6

10

37

39

40

الآية

2

45

10

182

75

65

 ثم نلاحظ ثانيًا، أن مجموع السور التي جاءت فيها كلمة ((الحمد)) مقترنة بإسمه تعالى، وذلك دون المكرّر منها، يساوي أيضًا (18) سورة:

 الرقم:    01 02 03 04 05 06 07 08 09 10 11 12 13 14 15 16 17 18

السورة:   01 06 07 10 14 16 17 18 23 27 29 31 34 35 37 39 40 45

 ولقد ذكرنا أن عبارة ﴿الحمدُ لله﴾ جاءت (5) مرات في أوائل (5) سور قرآنية، هي سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(1)، وسورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ(2)، وسورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا(3)، وسورة سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ(4)، وسورة فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(5).

 ثم وجدنا من عجيب النسق القرآني أن هذه العبارة جاءت أيضًا لتختم (5) سور قرآنية أخرى، هي: الإسراء: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً(6)، والنمل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(7)، والصافات: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(8)، والزمر: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(9)، والجاثية: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ . وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(10).

 وقد يلفت انتباهك هنا أن كلمة ((الحمد)) في سورة الجاثية لم ترد في الآية الأخيرة منها، وإنما في الآية قبل الأخيرة. ومن ثمّ، فهي اختلفت عن سابقاتها، حيث جاء فيها قوله تعالى: ((فلله الحمد))، وليس ((الحمد لله))، كما جاء في سابقاتها. فما وجه المناسبة؟ نقول، والله أعلم، إنك بملاحظتك هذه قد تبيّنت وجهًا عظيمًا من وجوه الإعجاز، لو تدبّرت ما ذهبنا إليه من قبل!  وحقيقة ذلك أنك لو أمعنت النظر فيما أسلفنا، لوجدت أن كلمة ((الحمد)) الواردة في فاتحة الكتاب، قد جاءت في الآية الثانية منها، وليس في الآية الأولى. فلكي يكتمل إحكام الآيات، كان لا بدّ إذن أن تأتي كلمة ((الحمد)) في الآية قبل الأخيرة من سورة الجاثية، وليس في الأخيرة، أي كما جاءت في فاتحة الكتاب في الآية بعد الأولى:

 الفاتحة: الآية بعد الأولى

          الأنعام: الآية الأولى          الإسراء: الآية الأخيرة

          الكهف: الآية الأولى          النمل: الآية الأخيرة

          سبأ: الآية الأولى             الصافات: الآية الأخيرة

          فاطر: الآية الأولى            الزمر: الآية الأخيرة

الجاثية: الآية قبل الأخيرة

وفي هذا الإحكام دليل قاطع آخر على أن البسملة في فاتحة الكتاب هي آية من آيات السورة الكريمة. وأما بالنسبة لقوله تعالى ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ في سورة الجاثية دون سائر المواضع، فهذا من الإشارات اللطيفة على إحاطته سبحانه وتعالى المطلقة بكل شيء علمًا، وعلمه سبحانه بدقائق الأمور. فـ﴿الحمدُ لله﴾ مبتدأ وخبر، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾، وتأخّر في هذه الثانية المبتدأ، والحاصل في الموضعين معنى واحد، وهو حمده تعالى بما هو أهله. ولكن ما الموجب لتقديم الخبر على المبتدأ في سورة الجاثية؟

 جاء في (مِلاك التأويل): "إن قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾ ورد على تقدير الجواب، بعد إرغام المكذّب وقهره ووقوع الأمر مطابقًا لأخبار الرسل عليهم السلام، وظهور ما كذب الجاحد به، فعند وضوح الأمر كأن قد قيل: لمن الحمد ومن أهله؟ فجاء الجواب على ذلك، فقيل: فلله الحمد. نظير هذا قوله تعالى: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ(11)، ثم قال: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(12). ألا ترى تلاقي الآيتين فيما تقدّمهما، فالمتقدّم في سورة غافر قوله تعالى: ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ . يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ(13). فعند ظهور الأمر للعيان، ومشاهدة ما قد كان خبرًا، قيل لهم: ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ(14). وتقدّم في سورة الجاثية قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا...(15) الآيات. وإنما ذلك يوم التلاقي والعرض عليه سبحانه، فعند المعاينة وزوال الإرتياب والشكوك كأن قيل لهم: لمن الحمد ومن أهله؟ فورد الجواب بقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾. فالآية كالآية، والمقدّر المدلول عليه كالمنطوق، والإيجاز مستدعٍ لذلك. ولما تقدّم ذكر المُلك في آية غافر منطوقًا به لم يحتج إلى إعادة ذكره، فقيل: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، ولم يقل: فلله المُلك لتقدّم ذكره. ولما كان الحمد في سورة الجاثية لم يتقدّم ذكره، وإنما هو مقدّر يدلّ عليه السياق، لم يكن بدّ من الإفصاح به في الجواب، فقيل: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ(16).

 فما أوفى هذا الجواب وأعظمه. ولا يسعنا بعد هذا إلا أن نقول: إن السور التي افتتحت أو اختتمت بـ﴿الحمدُ لله﴾ دعت إلى حمده تعالى على نعمه التي أنعمها على الإنسان، ومع تماثل الإستفتاح بالحمد لله، فإن كل سورة تذكّر بالله الذي ينبغي حمده في صورة خاصّة تتميّز بها عن الأخرى. فالفاتحة ابتدئت بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فوصف بأنه مالك جميع المخلوقين، وفي الأنعام والكهف وسبأ وفاطر لم يُوصَف بذلك، بل بفرد من أفراد صفاته، وهو خلق السموات والأرض والظلمات والنور في «الأنعام»، وإنزال الكتاب في «الكهف»، وملك ما في السموات وما في الأرض في «سبأ»، وخلقهما في «فاطر»، لأن «الفاتحة» أم القرآن ومطلعه، فناسب الإتيان فيها بأبلغ الصفات وأعمّها وأشملها(17).

فبعد أن ذكر الله تعالى في سور الحمد جزءًا من نعمه التي لا تُحصى على الإنسان، يأتي في نهاية المطاف قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾، كأن قد قيل في السور السابقة: الحمد لله على نعمة كذا وكذا، والحمد لله على نعمة كذا وكذا.. والحمد لله على نعمة كذا وكذا.. وهكذا إلى أن ينتهي الأمر بنظم دقيق في سورة الجاثية التي ختمت السور التي ابتدئت بالحمد، والسور التي اختتمت بالحمد، ليقول: لمن الحمد ومن أهله؟ فيرد الجواب المطلق بقوله: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ﴾!


(1) سورة الفاتحة: 1/2.

(2) سورة الأنعام: 6/1.

(3) سورة الكهف: 18/.1

(4) سورة سبأ: 34/1.

(5) سورة فاطر: 35/1.

(6) سورة الإسراء: 17/111.

(7) سورة النمل: 27/93.

(8) سورة الصافات: 37/181-182.

(9) سورة الزمر: 39/75.

(10) سورة الجاثية: 45/36-37.

(11) سورة غافر: 40/16.

(12) سورة غافر: 40/16.

(13) سورة غافر: 40/15-16.

(14) سورة غافر: 40/16.

(15) سورة الجاثية: 45/33.

(16) ابن الزبير الغرناطي، مِلاك التأويل، 1/152-153.

(17) جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، 3/302.

المصدر : موقع البرهان في الأعداد والأرقام - www.al-i3jaz.com

العودة إلى الصفحة الرئيسية 

مع تحيات موقع الأرقام